الرئيسية / home slide / رحيل الشيخ أبو شحادة.. حارس ذاكرة بيارات يافا

رحيل الشيخ أبو شحادة.. حارس ذاكرة بيارات يافا

وديع عواودة
الناصرة- “القدس العربي”
11012021

رحل في مدينة يافا داخل أراضي 48 واحد من أبرز معمريها وحافظ ذاكرتها خاصة بكل ما يتعلق ببيارات الحمضيات أحد ركائز ازدهارها الاقتصادي والثقافي، الشيخ إسماعيل أبو شحادة، جد النائب عن التجمع الوطني الديموقراطي سامي أبو شحادة، الذي دفن الأحد في مدينته التي استهوته وطالما سكنته حتى لحظته الأخيرة.

وفي شهادة تاريخية روى أبو شحادة بالتفصيل قصة برتقالة يافا التي ملأ عطرها الدنيا وبحث عنها الناس في كل العالم. في البداية توقف الشيخ إسماعيل أبو شحادة (أبو صبحي) عند نظام الريّ وهو الخبير بماتورات ومضخات الآبار فقال بلهجة اعتزاز: “في البدايات كنا نروي البيارات بواسطة الساقية التي يسحبها جمل أو ثور يساعدنا في استخراج الماء من الآبار”، مشددا على أن يافا أنعم الله عليها بماء جوفي بعمق عدة أمتار فقط.

ويتابع: “هكذا ربنا خلقها مياهها قريبة بينما بقية الآبار في البلاد الأخرى على عمق أكبر”، منوها إلى أن 1922 كانت سنة فارقة لدخول المضخات والماتورات وبالتالي تضاعف عدد البيارات ولكل بيارة بئر. وعن تجربة أسرته في الحمضيات يضيف: “كنا نملك بيارة بمساحة 18 دونما في “كرم الدلق” داخل سكنة درويش حيثما مستشفى “فولفسون” الإسرائيلي اليوم، وبيارة أخرى بمساحة 22 دونما في دوار أبو كبير وفيها اليوم مدرسة أورط وقد صادرتها إسرائيل في 1965 مقابل تعويض بسيط بينما البيارة الأولى صودرت دون أي تعويض.

وردا على سؤال، عدد الأصناف: البرتقال اليافاوي، برتقال أبو سرة، برتقال فلنسيا، برتقال دم الزغلول، الكباد، البوملي، الجريب فروت، الكلمنتينا والمندلينا ويوسف أفندي، الليمون الحلو، الليمون الحامض، الخشخاش والبرتقال الصغير الذي يؤكل مع قشرته. ويؤكد أن أطيب فاكهة في العالم هي برتقال الشموطي شهي المذاق وغني بفيتامين سي، لافتا إلى أن أكبر حبة تدعى الفاحش (الكبير) والصندوق الواحد يتسع  لـ120 منها، أما البرتقال المتوسط فيتسع الصندوق لـ180 حبة منها والحجم الأصغر منها 210 برتقالات في الصندوق الواحد.

زراعة الحمضيات

وروى بحنين غامر العمل في فرع الحمضيات فقال إن هناك مزارعا ومالكا للبيارة وهناك ضامنا للبيارة الذي يقتني البرتقال، وكان مالكها يشترط على الضامن أن ينتهي القطيف نهائيا في أول شباط لأن الأشجار تزهر عندئذ مجددا. ويستذكر أن موسم القطيف ثلاثة شهور من تشرين ثاني حتى كانون ثاني، يمتد فيها موسم قطع البرتقال أي القطيف وفلسطين من “الحد للرد” تعمل كلها في فرع الحمضيات. وتابع: “والدي كان “تاجر زرنوءة” أي تاجر برتقال صغير لكنه كان يربح”.

ويشير إلى محطات الإنتاج بالإشارة لـ”مشاغل” داخل ولجانب البيارات: المشغل الصغير حيث كان يشغّل 60-70 عاملا ومنهم من يعمل في القص ويعرف بـ”القصيص” ومهمته قطف البرتقال.. وكل قصيص يحتاج لحمالين اثنين ينقلان سلال البرتقال من الشجر لمركز التعبئة بسلال منجدة.

ويؤكد أبو صبحي أن البرتقال عزيز ونقله وتفريغه يتم بهدوء كي يبقى سالما بدون خدوش. وعن بقية عملية الفرز والشحن يضيف: “يفرشون حصرا ومخدات طويلة لمنع تراكم البرتقال على بعضها. يأتي “نقيد” ليعاين كل ثمرة ويختار الثمر الملائم للتصدير ومن هناك تنقل لعامل آخر يدعى “عييد” الذي يعيد معاينة البرتقالة ويرميها للإمام لتصل لـ”لفيف” الذي لفها بالورق الخاص وكان يستطيع لف 10 آلاف حبة باليوم… فيداه كماكنة الخياطة ومنه تنتقل الثمار لـ”ستيفادور” الذي يعبئ الصندوق بطريقة فنية واحدة فوق الأخرى وهو يقرر أي نوع من الصناديق الثلاثة.

عملية الصندقة

وعن بناء الصناديق الخشبية قال أبو صبحي بذاكرة حيّة جدا إن الصناديق كانت تصل كربطات خشبية: يصنع النجارون المبتدئون جوانب الصندوق والقاع ومن ثم يتم لفّه بطوق من خشب الكستنة، لافتا إلى أنه بعد تعبئة الصندوق بالبرتقال هناك من يتولى رفع الصناديق للنجار “المعلم” الذي يطّوقه (بطوق الكستنة) ويستكمل إغلاقه بالباب ويسمره. ويستذكر أطوال الصندوق الخشبي: مربعه 40 على 40 على متر. ثم يتم رفع الصناديق للماركة حيث تحمل لوحة الماركة بالإنكليزية عدد البرتقال ونوعه وجهة التصدير وعنوان “برتقال يافا”.

بعد ذلك نقل البرتقال بالجمال ومن ثم بالسيارات الصغيرة والشاحنات لميناء يافا، موضحا أن هناك مشاغل كانت تنتج 200 صندوق وهناك مشاغل أنتجت 700 صندوق وأكثر باليوم وأنه على باب الميناء يحضر موظفو وزارة الزراعة لفحص جودة البرتقال وبحال اكتشافهم “حبة سقط” واحدة يعيدون كل الحمولة.

الزوارق والسفن

ونوه أبو صبحي لشحن البرتقال للبابورات بواسطة “الجرومة” (100 صندوق)  أو الماعونة (200 صندوق) وهي تعمل بالمجاديف وعرفت بـ”الفلوكات”، وهناك رافعة ترفع صناديق البرتقال من الزوارق الصغيرة هذه  للبابور.

وردا على سؤال آخر يشير لوجود تجار كبار في يافا ممن صدروا 10 آلاف صندوق، وهناك من صدر نصف مليون صندوق. ومن تجار وأثرياء البرتقال هم أبو جيبين، بركات، الشيخ شعبان، المدهون والمستقيم وغيرهم وقد تم تهجيرهم كافتهم فيما بقي حسن بركات حتى أطلقوا النار على بيته مرتين ومارسوا الضغوط عليه حتى اضطر لمغادرة البلاد بعد احتلالها بقليل.

وأضاف الشيخ أبو صبحي أن سعيد حجاج مالك بيارتين كبيرتين في منطقة جلجولية تم هو الآخر إطلاق النار عليه والتخلص منه بعد الاحتلال بقليل مذكرا باعتداد أن بيارات يافا كانت تصل من عكا إلى العريش.

تنعش القلب

وظل أبو صبحي يحن لبرتقال الشموطي بشكل خاص وكان يقول إنها حبة ناصحة ورائحتها “بتفرفح القلب قشرتها خميلة ومذاقها من الخيال.. والفرنساوي أيضا أحلى من قصب المص”.

كذلك يوضح أن صناعة عصير الحمضيات كانت أكثر انتشارا لدى اليهود أما بيعه بالمفرق في الشوارع والدكاكين فكانت رائجة جدا في يافا. وعن ذلك قال: “كانوا يعصرون البرتقال من الدرجة الثانية بواسطة عصارة الكبس باليد، فمن كان عطشانا في الربيع والصيف كان زوره “مطقطق” يشرب كاسة عصير مع الثلج بتعريفة (نصف قرش). عادة كان يباع البرتقال بالعد لا بالميزان وكل 100 حبة تباع بـ110 قروش بأقصى حد.

وعن الأسعار أشار إلى أن الصندوق المعد للتصدير كان يباع بـ30- 35 شلنا (الشلن خمسة قروش) وربح كل صندوق بلغ نحو 15 قرشا وهذا وفق أبو صبحي “سعر عال إذ كان الشخص وقتها يوكل صحن حمص أو فول عند أبو العبد الكلحة أشهر مطاعم الفطور في يافا مقابل قرشين وتعريفة كافية لتدخل أحسن مقهى في يافا”.