الرئيسية / مقالات / رحل جاك شيراك صديق الحريري ورفيق لبنان

رحل جاك شيراك صديق الحريري ورفيق لبنان

الحريري وشيراك. ( ارشيف النهار).

قبل أيام على إنعقاد مؤتمر باريس2 وقبل جولة تحضيرية له، تلقى رئيس الحكومة آنذاك رفيق الحريري، وهو في مكتبه في قريطم، إتصالا رد فيه على المتصل بالقول: “أهلا جاك، كيف الحال؟”. وبعدما استمع إلى ما لدى المتصل، بدت علامات السرور والانفراج والفخر على وجهه وقال: “500؟ عظيم! بالاورو أو بالدولار؟”

“كان هذا جاك شيراك على الخط، وقد زفّ لي خبرا جيدا مفاده أنه نجح في إقناع عدد من الدول الاوروبية بالمساهمة بـ 500 مليون دولار في مؤتمر باريس 2، وأنه يمكننا البدء بالجولة الاميركية والاوروبية لتحفيز الدول على المشاركة”.

كان هذا بالفعل الرئيس الفرنسي جاك شيراك يبلغ صديقه بحصيلة اتصالاته بالدول بحثا عن دعم مالي للبنان في مرحلة كانت من أدق وأحرج المراحل إقتصاديا وماليا.

هي كلمات قليلة وإنما معبرة كانت كافية لتعكس حجم علاقة الصداقة الوطيدة التي جمعت الحريري الاب بالرئيس الفرنسي جاك شيراك. علاقة تعود الى اكثر من ثلاثة عقود ساهم فيها وصول الصديقين إلى سدة الحكم في بلديهما في إرساء حقبة تاريخية من الحريرية- الشيراكية السياسية والاقتصادية تركت بصمات على تاريخ لبنان في جانب كبير منها كما رسمت عودة فرنسا إلى المنطقة العربية من البوابة اللبنانية.

صحيح ان للبنان قصة عاطفية مع “الام الحنون” فرنسا، ولكن هذه القصة إتخذت منحى اكثر قربا من خلال الرابط الوثيق الذي جمع الحريري بشيراك، وامكن من خلاله تحقيق أهداف صبت في المصلحة المشتركة لكلا البلدين. وأكثر محطاتها رمزية تمحورت في إثنتين: أحدها إقتصادي مالي رمى إلى ترجمة الحرص الفرنسي الكامل على إستقرار لبنان المالي والاقتصادي ومنه، استقرار الحريري وتحصين وجوده على رأس الحكومة اللبنانية.

أما المحطة الثانية فسياسية بامتياز، تمثلت بالقرار الدولي 1559 الذي هدف إلى استعادة لبنان حريته واستقلاله عبر رفع الوصاية السورية عنه وتوفير المظلة الدولية لتأمين الانسحاب السوري من لبنان.

“خلطة كيمائية” كما تصفها السيدة نازك الحريري، جمعت بين الرئيسين، وسمحت لهما بتحقيق الكثير من الاهداف والانجازات.

كان شيراك سنداً أساسيا وداعما كبيرا للحريري انطلاقا من موقعه على رأس واحدة من أكبر دول الاتحاد الاوروبي وأكثرها فاعلية. ومحض لبنان رعاية خاصة. فهو الرئيس الفرنسي الوحيد الذي زار لبنان خمس مرات في عقد من الزمن. أولى زياراته كانت عام 1996، أي بعد عام على انتخابه، لتكر بعدها سبحة الزيارات وصولا إلى الاخيرة منها والتي كانت لتقديم واجب التعزية باغتيال صديقه الاقرب والمشاركة في مراسم تشييعه.

في المقابل، شكّل الحريري بوابة لفرنسا إلى المنطقة بعدما فقدت الكثير من دورها وموقعها بعد التوتر في العلاقات مع الولايات المتحدة وحرب العراق، حيث أقصيت عن ملف المنطقة.

منذ عملية “عناقيد الغضب” عام 1996، قصد الحريري شيراك طلبا للدعم وتسهيلا لحصول “تفاهم نيسان”، الذي أكد حق الشعب اللبناني في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي من أجل تحرير أرضه، وكرَس الحريري زعيما لبنانيا ورجلا يحسب له الحساب عربيا ودوليا عبر شبكة العلاقات التي كان نسجها على مدى السنين، وأتاحت له نسج التفاهم وانتزاع الحق في المقاومة.

بعودته إلى الحكم عام 2000 بعد خروجه منه بين 1998 و1999 وتولي الرئيس سليم الحص رئاسة الحكومة، شعر الحريري بالحاجة إلى الدعم الدولي من أجل استعادة النمو وتعزيز وضعية المالية العامة التي كانت أصيبت بالعجز المتنامي. قصد الصديق شيراك طلبا للدعم، فاستضافت باريس مؤتمرا اقتصاديا عُرف بمؤتمر باريس1 الرامي إلى تحفيز المجتمع الدولي والمؤسسات المانحة على دعم لبنان. وبالفعل، حقق المؤتمر الذي عقد في شباط 2001 في قصر الاليزيه، 500 مليون اورو على شكل مساعدات وقروض ميسرة كمساعدة اولية، على أن يعقبه مؤتمر موسع بمشاركة اكبر للمؤسسات الدولية للبحث في كيفية مساعدة لبنان. فكان مؤتمر باريس2 الذي جمع مساعدات وقروضا ميسرة بقيمة 4,4 مليارات دولار، منعت انهيار لبنان ماليا واقتصاديا وساهمت في إرساء إصلاحات مالية لم يكتب لها الاستمرار بفعل سياسة التعطيل التي تعرض لها الحريري.

لم يكن قلق شيراك يتوقف عند تأمين الاستقرار المالي والاقتصادي للبنان، بل كان هاجسه رفع الوصاية السورية عن لبنان بدفع لم يقتصر على الحريري فقط بل شمل بكركي بقيادة البطريرك التاريخي مار نصر الله صفير الذي حرص على الحفاظ على أعلى مستوى من العلاقات اللبنانية الفرنسية ولا سيما مع المسيحيين، وعدم حصرها فقط بالحريري.

من هنا، يمكن تفسير الدفع الفرنسي والدور البارز في إصدار القرار الدولي 1559.

صحيح أن هذا القرار الذي طُبخ على عجل بين قمتي إفيان والنورماندي هدف إلى إنهاء الوصاية السورية عن لبنان، لكنه في الواقع شكل البوابة لعبور فرنسا إلى المنطقة بعدما شكل لبنان حجر الاساس في المصالحة الاميركية الفرنسية التي أعادت الدور إلى باريس.

فالقمة التي جمعت الرئيس الاميركي جورج بوش إلى شيراك في احتفالات الذكرى الستين لإنزال النورماندي في حزيران 2004، اعلنت المصالحة بين فرنسا والولايات المتحدة بعد الخلافات حول العراق، وسرعت التحضيرات للقرار الدولي الذي وقفت الديبلوماسية الفرنسية وراءه. دفع شيراك ثمن ذلك القرار توترا في علاقة بلاده مع سوريا بعدما كان الحريري عمل على تقريبها في مراحل سابقة سعيا إلى الافادة من الضغط الفرنسي لتخفيف القبضة السورية على لبنان وعلى الحريري تحديدا.

صدر القرار 1559 عن الامم المتحدة في الوقت ذاته الذي كانت سوريا تدفع النواب اللبنانيين إلى التمديد للرئيس الاسبق إميل لحود لثلاثة أعوام.

تمديد سعى الحريري الى عدم تجرع كأسه، لكنه خضع له رغم نصيحة صديقه بأن يبقى في فرنسا بذريعة تلقيه العلاج بسبب كسر في كتفه تعرض له في سردينيا.

حتى الضمانات الكثيرة التي سعى إليها شيراك لدى دول القرار لحماية الحريري لم تنجح في الحؤول دون وقوعه في شرك الاغتيال.

قُتل الحريري ولم تنقطع علاقة شيراك بلبنان، فكان أول المعزين والواقفين مع زوجته برناديت إلى جانب ارملة الشهيد وعائلته. كما وقف بقوة وراء قيام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان للنظر في إغتيال الحريري وفي متابعة آليات تطبيق القرار 1559.

خسر لبنان برحيل شيراك صديقا كبيرا له وللبنانيين الذين عرفوه وأحبوه واحترموه لوقوفه الدائم إلى جانب بلدهم. فكان بالفعل لبنانياً أكثر من كثير من اللبنانيين. وسيفتقد لبنان قامات دولية كبيرة شبيهة بتلك القامة، سخرها الحريري لإبقاء لبنان على خريطة العالم.

Sabine.oueiss@annahar.com.lb

اضف رد