الرئيسية / أبحاث / أبحاث تاريخية / رحلات مترجم “ألف ليلة”: القاهرة في عينَي إدوارد لين

رحلات مترجم “ألف ليلة”: القاهرة في عينَي إدوارد لين

وجدي الكومي|الخميس16/11/2017
المدن

 

“فإذا بالغربان تهز الحبال وأجراسها، فيلقي العمّال الحجارة من أيديهم، ويقول المنجمون: القاهرة في الطالع”

في الوقت الذي يستعد فيه البعض لهجرة القاهرة إلى عاصمة أخرى مقطوعة النسب، والأصل والتاريخ، تصدر الكتب عن تاريخ عمارة المدينة مخلدة ذكرى عمائرها الشاهقة، وقصص من عمروها، وبنوها، فيحكي هذه القصص مستشرقون زاروها منذ قرنين، وانبهروا بعمارتها، وقرروا وضع الكتب عنها، وعن أهلها، من هذه الكتب التي صدرت ترجماتها مؤخرا للمرة الأولى، كتاب “القاهرة منذ خمسين عاما -في عنوانه الأصلي- أو القاهرة منتصف القرن التاسع عشر”، وهو العنوان الذي اختاره مترجم الكتاب، الذي كتبه المستشرق الإنكليزي إدوارد وليم لين، مترجم “ألف ليلة وليلة”، وصاحب الأثر المهم “المصريون المحدثون”.

يوضح مترجم الكتاب أحمد سالم سالم، أن إدوارد وليم لين الذي زار القاهرة مرات عديدة، إبان حكم محمد علي، الأولى منها كانت العام 1825 ميلادية، وعاد إلى إنكلترا بعد 3 سنوات، ليرتب يومياته وينظم مشاهداته ورسوماته التي أنجزها في مصر للنشر في كتاب كبير منحه عنوان كتاب الحملة الفرنسية نفسه: “وصف مصر”، لكنه عجز عن نشره لضخامته، ما جعله يستخلص منه كتابه “المصريون المحدثون”.

عاد لين إلى القاهرة بين العامين 1833 و1835، بعدما حظي كتابه بشهرة واسعة، أهلته لترجمة “ألف ليلة وليلة”، فيما أنجز قاموسه العربي الإنكليزي خلال رحلته الثالثة والأخيرة التي كانت بين العامين 1842 و1849.

ويشير المترجم إلى أن كتاب لين “القاهرة منتصف القرن التاسع عشر” هو أول كتاب بعد كتاب الحملة الفرنسية الذي يتناول المدينة، إذ كان جزءاً من مخطوطه “وصف مصر” الذي تعذر نشره، إلى أن أعاد ابن أخته ستيوارت بول نسخ مخطوط خاله وتنقيحه، العام 1847، تحت سمع وبصر إدوارد لين، ليُنشر بعد وفاته بعشرين عاماً في 1896، على يد ستانلي لين بول صاحب كتاب “سيرة القاهرة”.

قارئ الكتاب يستشعر من البداية، لغته السهلة، غير المعقدة. دراسة الآثار في المرحلة الجامعية هي التي تجعلني أحكم هذا الحكم الآن. فحينما يصف إدوارد لين المساجد الإسلامية، لا يذكر على سبيل المثال كيف نشأ الطابع المعماري القديم لساحة المسجد المعروفة بأنه ينقسم إلى “صحن”، وهي المساحة المتوسطة المكشوفة للسماء، وتجاورها 4 ظلات، أو 4 مساحات مغطاة بالأعمدة والبوائك. وكما اعتاد أساتذة كلية الآثار في جامعة القاهرة حكاية نشأة هذا التقسيم، فأنهم يردونه إلى أن المسلمين حينما اختطوا المسجد النبوي، صنعوا منطقة مظللة لتحميهم من الشمس القاسية، مجاورة للقبلة، وحينما تغيرت القبلة من الأقصى إلى مكة، صارت هناك منطقتان مظللتان، بينهما منطقة مكشوفة هي الصحن. ثم حينما ازداد عدد المسلمين في المسجد، صنعوا مظلتين إلى اليمين وإلي اليسار، فأصبح الشكل المعماري المعتاد لكل المساجد التي بنيت بعد المسجد النبوي، تحاكيه على هذا النمط. صحن وأربع ظلات.

وما يلفت النظر إلى ما سبق، ويذكّر بمحاضرات الآثار الإسلامية، هو ما أشار إليه ستانلي لين بول في مقدمته للكتاب، إذ يقول: إن ملاحظات إدوارد وليم لين عن العقود المدببة لجامع ابن طولون ومقياس النيل، يشهد له بدقة الملاحظة، لكنه مع ذلك يمر على تفاصيل النمط المعماري والزخرفي بطريقة تشي بعدم تلاؤمه مع هذا المجال. يعظم ستانلي لين بول من جهد إدوارد لين، بقوله: لا يمكننا الحط من قيمة وصفه للمساجد الرئيسية كما بدت في العامين 1835 و1847، على اعتبار هذا الوصف صادراً عن باحث غير مدرب في الفن الإسلامي، لأن الوصف يحفظ لنا ملامح وتفاصيل اختفت منذ ذلك الحين.

قسم إدوارد لين كتابه إلى 10 أقسام، اعتمد في فصليه الأول والثاني على ما ذكره المقريزي عن نشأة القاهرة، متتبعا سيرة مدينة “القطائع” و”العسكر” والفرق بينهما، ويمر على وصف مدينة “المقس” وأسطورة أبي الهول والسلفي الذي شوه وجهه، وأصل بولاق، وكيف تكونت جزيرة الفيل. وينقل عن المقريزي في كثير من المواضع، متدخلاً في وصف معلوماته بأنها شديدة الأهمية. وما يزيد من متعة قراءة هذا الجزء من الكتاب، الهوامش التي زودها المترجم أحمد سالم، ليوضح أكثر أن تلك الأماكن التي يتحدث عنها لين، ومنها جزيرة “أروى” التي يعرفها لين بأنها الجزيرة المقابلة لبولاق، فيما يعرفها المترجم بأنها جزيرة الزمالك.

وفي الفصل الثاني من الكتاب، يحكي لين الأساطير المتداولة عن إنشاء القاهرة، مستلهما المقريزي، ومنها أسطورة الغربان التي وقفت على الحبال المتصلة بأجراس، والتي يدقها المنجمون للبنائين عندما يتأكدون من الوقت الصالح للبناء، فإذا بالغربان تهز الحبال وأجراسها، فيلقي العمال الطين والحجارة من أيديهم، وهو ما جعل المنجمين يقولون: القاهرة في الطالع، وتنبأوا بأن المدينة ستسقط في أيدي الأتراك، وسميت بالقاهرة لأنها كانت قد أُسست في هذا الوقت تحديداً.

لم يتنبأ المنجمون بأن عاصمة إدارية أخرى قد تنافس القاهرة بعد قرنين من إنشائها، وهو ما يضفي مفارقة تضاف إلى المفارقات التي يرويها إدوارد لين، عن أبرز العمائر والمساجد والأسواق والأضرحة والجبّانات، التي زارها خلال إقامته القاهرية، وهي المشاهدات التي يرويها من الفصل الثالث حتى العاشر. وأولى هذه المفارقات، رقم تعداد سكان المدينة الذي يقدره لين بمئتي ألف نسمة، ويرجعه مترجم الكتاب إلى العام 1828، حيث قدّر الكاتب عدد سكان مصر في “المصريون المحدثون” بـ240 ألف نسمة العام 1836.

في الفصل الرابع من الكتاب، يحكي عن القلعة: تأسست سنة 572 هـ، بأمر من السلطان صلاح الدين، موكلاً إلى الخصي “قراقوش”، أحد أمراء بلاطه، مباشرة عملية البناء، فذهب الأخير إلى الأهرامات الصغيرة في الجيزة، وهدم بعضها مستغلاً أحجارها في عملية تشييد القلعة… ومن معلومات لين، كيف كان شكل الشوارع والحَواري في القاهرة خلال الفترة التي عاشها في المدينة، وذلك في خامس فصول الكتاب، في الصفحات التي يتناول فيها الطراز العربي في البناء، ونمط الحياة، والأتراك الذين أتوا إلى القاهرة وتسببوا في تمهيد وشق شوارع جديدة أكثر اتساعاً واستقامة. ويحكي لين عن المدينة التي كانت، حتى نهاية الربع الأول من القرن التاسع عشر، عربية بالكامل، في طرز بناء بيوتها، باستثناء قصور وبيوت الباشوات والنبلاء الأتراك، الذين جلبوا النوافذ الزجاجية.

يفند لين، شوارع القاهرة التي كانت غير مرصوفة، وشديدة الضيق، مستعرضاً أشكال مشربيات المنازل، ومبيّناً الفارق بين الدروب – الشوارع الثانوية- وبين الحارات. إضافة إلى أسواق الطوائف والحرفيين، ومنها أسواق النحاسين، والحدادين، والوراقين بائعي الورق.

لا يخفي لين إعجابه بالمساجد، من بين منشآت القاهرة. لكنه يستهل التعبير عن هذا الإعجاب بمقولة تعبر عن فهمه لنفسية الطغاة معمري هذه المساجد، فيكتب: قام تقريباً كل أمير مسلم تولى حكم مصر ببناء أحد المساجد، بعضهم بدافع التقوى الخالصة، والبعض الآخر أملاً في التكفير عن أعماله السيئة، مدفوعاً بقول النبي: من بنى مسجداً لله ولو مثل مفحص قطاة، بنى الله له بيتاً في الجنة”.

ويبدي مترجم “ألف ليلة وليلة” إعجابه أيضاً بصفوف صلاة الجمعة في الجامع الأزهر، قائلاً: إن جماعة المصلين الكبيرة التي تجتمع هنا لأداء صلاة الجمعة، ترسم مشهداً رائعاً مثيراً للإعجاب، فالتواضع المقصود أو الخشوع المشهود في تلك الصلوات، فضلاً عن السكون المهيب، والعبادة المطمئنة لأولئك المسلمين المتضرعين، لا يمكنها أن تعجز أبداً عن إبهار المسيحي وإثارة إعجابه.

(*) صدر الكتاب عن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة، بترجمة أحمد سالم سالم وتقديم ستانلي لين بول.

إقرأ المزيد في المدن

اضف رد