الرئيسية / home slide / رجال العام 2022: تحالف الحقارة السياسي المصرفي

رجال العام 2022: تحالف الحقارة السياسي المصرفي

20-12-2022 | 00:20 المصدر: “النهار”

جهاد الزين

جهاد الزين

ترسيم الحدود.

مر عام آخر من سنوات الانهيار رغم أننا شهدنا فيه تحولاً استراتيجياً في وضع بلدنا الصغير تجسّد في اتفاق #ترسيم الحدود البحرية- المفترَض غازيّة – بين #لبنان وإسرائيل، كاتفاق لم يكن ليحصل لولا موافقة #إيران على التوقيع اللبناني.

هنا سبع ملاحظات “مكثّفة” فاض فيها هذا العام 2022:

1- تأثيرات اتفاق ترسيم الحدود البحرية عميقة جدا ولو لم ولن تظهر سريعا. لقد أصبحت الهدنة الممتدة بين إسرائيل وإيران في لبنان منذعام 2006 من دون أيديولوجيا. فحتى ما قبل اتفاق الترسيم كان الطرفان الإسرائيلي والإيراني يعوّضان عدم وجود قرار الحرب بينهما في لبنان بغطاء من البروباندا الأيديولوجية لها وظيفة تأكيد العداء وإبقاء استنفار الجمهور- الجمهورَيْن – في حالة سلمية مستمرة.

جزء مهم وسميك من الجِلْد الأيديولوجي انقشر عن الوضع اللبناني مع اتفاق الترسيم، و سيزداد انقشاراً على الجهتين الإيرانية والإسرائيلية. إيران مع الثورة النسائية المتواصلة التي نزعت عن النظام الإيراني عمامته الأيديولوجية من حيث إسقاطها الرمزي أو على الأقل تصديع الشرعية العمامة، وهي هنا العمامة النسائية أي الحجاب مثلما هو الحجاب الوجه الآخر الأهم للعملة الأيديولوجية، كذلك بالمقابل إسرائيل التي تدخل في شبكة مصالح تستلزم تخفيف لهجتها ولربما استعداداتها الحربية، اتفاق الترسيم هو التعبير عن هذه الشبكة المصلحيةالجديدة والتي أدْخَلَتْها الحرب الأوكرانية في أفق مصالح دولية، خصوصا أوروبية أميركية، تفرض نفسها على إسرائيل من حيث أنها باتت احد أقطاب توصيل غاز شرق المتوسط إلى أوروبا الجائعة للحصول عليه لأن اقتصادها مستفيد من هذه التحولات وليست محض مفروضةعليها.

2- هذا ما حمله لنا العام 2022 من تراكمات أصبحت “إنجازاتٍ” فأدخلتْ على المشهد المتوسطي (اتفاق الترسيم الإيراني الإسرائيلي في لبنان والتقارب التركي الإسرائيلي الوطيد) والمشهد الشرق أوسطي (الثورة الإيرانية الثانية المضادة والحرب الروسية الأوكرانيّة) عناصرجديدة لا عودة عنها لوقت طويل ربما من شأنها أن تشكّل “قبة غازية” لحماية السلام اللبناني.

3- ذكّرنا العام 2022 أن دولة فاشلة كلبنان يمكنها أن تستفيد من السلام الإقليمي ولكنها لا تستطيع النهوض كنظام سياسي وكاقتصاد. نحن دولة تشهد للعام الثالث، وتدخل العام الرابع، سرقة تطال حوالي مليون وسبعمائة ألف حساب مصرفي من قِبَل تحالف سياسي مصرفي لبناني يسيطر على السلطة نَهَب هؤلاء ال 1700000 لبناني مع عائلاتهم والعديد من السوريين والعراقيين والفلسطينيين بحوالي117 مليار دولار صنّفها أحد تقارير البنك الدولي بأنها أحد أكبر الأزمات (يعني السرقات) منذ القرن التاسع عشر.

لا يزال هذا التحالف السياسي المصرفي قوياً رغم انتهاء مصداقية القطاع المصرفي التي يستحيل ترميمها بأي شكل حتى ظهور جيل جديد، ومع ذلك لا تزال جمعية المصارف اللبنانية تتبجّح بوقاحة وحقارة على التلفزيونات أن ضرب القطاع المصرفي “موت للبنان”.

يموت لبنان أيها اللصوص إذا انهارت مؤسساته التعليمية الكبرى وقطاعه الاستشفائي.. ويموت أكثر إذا شُلّتْ دياسبوراه النخبوية في عواصم ومدن كبرى في العالم، حتى لو كانت تلك النخب الدياسبورية الواسعة عاجزة حتى الآن عن إنتاج دور سياسي تغييري لها في الداخل اللبناني.

4- بمقابلة الواقع “الغازي” البحري بواقع انهيار الدولة اللبنانية، أي الشبكة الإقليمية المتغيرة بالشبكة المحلية الميّتة، يمكن أن يكون العام2023 عام عودة الحياة إلى بعض شرايين الدولة الفاسدة، وستكون دولة من هذه الدول الفاسدة صاحبة الثروة النفطية. لن يكون لبنان دولة تحمل الصفتين: الغاز والفساد.

5- ملاحظة سأضيفها إلى سلسلة الملاحظات هذه تعني “التيار الوطني الحر” وهي أن التفاهم، “تفاهم مار مخايل”، قد فقد الكثير من اهميته عند القوة الإيرانية، بعد توقيع اتفاق الترسيم. أعني هنا أن “القبة” الإقليمية التي جسدها اتفاق الترسيم قادرة على تعويض الانكشاف المحلي إذا لزم الأمر أو تخفيف أضراره إذا ازداد “التيار العوني” ابتعاداً عن خياره الإيراني. ليس الأمر بالنسبة للإيراني مجرد مفاضلة بين إسرائيل ومسيحيي لبنان ككتلة سياسية مهما كانت انقساماتهم، ولكن بمعنى أن “اتفاق كاريش – قانا” كتفاهم إيراني مع إسرائيل ، قد أضعف الأهمية المحلية في النظام اللبناني الطائفي ل”تفاهم مار مخايل”حتى ولو كانت “البيضة الذهبية” المسيحية لا تزال لهافعاليّتُها التكتيكية التي تجعل إعلان موت “تفاهم مار مخايل” أمرًا صادماً لا من حيث ما يعنيه عند القوة الإيرانية فقط، وإنما بما يمثله من استغناء سمج وحساس عن كتلة مسيحية أساسية أو لا تزال أساسية إلى الآن.

يجب أن ينتبه مخططو “التيار الوطني الحر” أن التهويل بإلغاء “اتفاق مار مخايل” فَقَد في العمق تأثيره السابق بعد الاتفاق الإيراني الاسرائيلي على الحدود البحرية حتى لو تظاهر “حزب الله” بالعكس.

6- لم تُترجم بعد الأهمية الحيوية بل الطليعية للوجود المسيحي في لبنان بالشكل والمضمون اللذين تستحقهما النخبة المسيحية (الحقيقية) في التعليم والمجتمع والليبرالية الاجتماعية والثقافية التاريخية والمستمرة الحضور بسبب عجز هذه النخبة المتواصل منذ العام 1992 والمتجدّدعام 2005 إلى اليوم عن ترجمة هذه الطليعية الاجتماعية إلى طليعية سياسية.
7- هناك ما عاد ليصبح متخلِّفاً في النخبة السياسية للمسيحيين عموماً مثلما هي حالة تخلّف النخب السياسية في الطوائف الثلاث الأخرى. التشكيلات الحزبية السياسية للمسيحيين رغم صوابية شعار الاعتراض على الإضعاف الممنهج للدولة اللبنانية، وهي كالتشكيلات المسلمة وريثة مستمرة للحرب الأهلية وثقافتها، لا تزال دون مستوى النخبة الثقافية والعلمية الأعلى للمسيحيين في الداخل والخارج. بل دون ما بات عليه المستوى العام لنخب الطوائف كلها في لبنان والدياسبورا. على أن المهزلة التي تساهم في إضعاف البنية السياسية اللبنانية هي أن الاحزاب المسيحية باتت تنظر إلى أداء الأحزاب الأكثر تخلفاً في الشارع المسلم، نظرة إعجاب وتأثر ورغبة في التشبّه بها!

عجز الدياسبورا، وهو عجز في كل الطوائف والطائفيات، عدم تمكّن ثورة 17 تشرين الشبابية، أي “الدياسبورا الداخلية”، أن تتصدّى له إلابشكل جزئي محدود جدا، فيما أصبح “نواب التغيير” أسيرين فعليين لخديعة أوقعتهم فيها المنظومة الحاكمة وقوامها أن فعالية “النواب التغييريين” تنحصر داخل البرلمان وليس في الشارع. هذه كذبة قاتلة وأساليب الخدعة متعددة وتبدو مُحْكمة. لكن الحقيقة الجوهرية في الحالة اللبنانية هي أن تحريك الشارع، بشعارات وبرامج جريئة ومتنورة، هو العمل “البرلماني” الفعلي. ففي الشارع في بلد مخطوف ومنهوب ومشوه كلبنان “تُربّي الديموقراطيةُ، كأطفال الشوارع المشرّدين، نفْسَها بنفْسِها” كما يقول ألكسيس دو توكفيل. وعلى نواب التغيير أن يكونوا نواب شوارع..

jihad.elzein@annahar.com.lb‏‬
Twitter: @ j_elzein