الرئيسية / أضواء على / ربيع جابر روى الإنفلونزا الإسبانية.. وكورونا خارج التاريخ؟

ربيع جابر روى الإنفلونزا الإسبانية.. وكورونا خارج التاريخ؟

محمد حجيري|الثلاثاء21/04/2020
Almodon.com

من مشهديات الانفلونزا الاسبانية

بدا لي، فيما أعيد قراءة رواية “أميركا” لربيع جابر، كأني أقرأ عن الحاضر، تحديداً المقطع الذي يتحدث عن الأنفلونزا الإسبانية… كثرٌ من القراء أشاروا الى هذا المقطع في مرحلة وباء كورونا، لكن معظم كتّاب التعليقات وهم يكتبون عن كورونا، ركّزوا على “طاعون” كامو و”عمى” ساراماغوا، و”كوليرا” ماركيز.

لم يكتب ربيع جابر رواية عن الوباء، كتب مقاطع كافية لتختصر زمناً، سواء في سرد المشهديات، أو طرح الأسئلة عما هو أبعد من الوباء. هي أسئلة الذاكرة والتاريخ والكتابة نفسها. فمريض الأنفلونزا الإسبانية، بحسب الرواية “خلال ساعات قد يتحول الى ذات الرئة ويختنق بالدم الخارج من صدره”. هذا الوباء الغامض الذي اجتاح العالم في أعقاب الحرب العالمية الأولى وقتل في القارات الخمس، بين 1918 و1919، أضعاف ما قتلته الحرب الكبرى. بين 20 مليوناً و4 ملايين قتلهم هذا الوباء، وهنا يقول ربيع جابر: إذا كان ذلك حقيقياً، فلماذا لا نجد عنه مئات الكتب في المكتبات؟ لا أحد يقدر أن يحصي المؤلفات المتعلّقة بالحرب الكبرة، فلماذا لا تتجاوز الكتب عن وباء “الأنفلونزا الاسبانية”- في المقابل- عدد أصابع اليد! (خمسة كتب؟ عشرة كتب؟ ماذا؟ ألوف الكتب تؤرخ للحرب العالمية الأولى!) لماذا طرد هذه الوباء خارج الذاكرة البشرية؟

والحال أن الأسئلة نفسها طُرحت عن غزوة 11 أيلول وتداعياتها، في مقابل أوبئة وأمراض أخرى، مثل الإيدز أو حوادث السير أو الموت بالذبحة القلبية جراء التدخين، وحتى الموت جراء الاحتباس الحراري… يمكننا القول إن الحرب استثمار دائم في الكتابة، ولديها غوايتها وشياطينها التي لا تنتهي. في لبنان مثلاً، هناك روايات قليلة جداً عن الجوع الذي فتك بالبلد خلال العشرينات من القرن الماضي، والكتابة عن الجوع كانت ممزوجة بالحديث عن الحرب وتداعياتها. أما الكتابة عن الحرب الأهلية اللبنانية، فأسست لجيل كبير من كتّاب الرواية. فهل الحرب مصدر إلهام دائم للكتابة، وصانعة حكاية، على عكس الأوبئة والكوارث الأخرى شبه المنبوذة من النصوص الأدبية، ويعاد التذكير بها عرضياً، وفي المرحلة حينما يعيش العالم وباء مستجداً، يعاد التذكير بها؟ تلمح رواية “اميركا” إلى أنه في نهاية القرن العشرين، ومطلع القرن الحادي والعشرين، سنتذكر الانفلونزا الاسبانية، بسبب أوبئة أخرى، مثل”أنفلونزا الطيور”. ويسأل ربيع جابر: لماذا إذا تذكره (الوباء) أحدنا، بدا راوياً لقصة خيالية؟ عندما نقرأ رسائل أطباء من فيلادلفيا وغيرها، عاشوا تلك الأيام السوداء ورأوا مرضاهم يحتضرون بالعشرات في كل ساعة، يخيل الينا أننا نقرأ “يوميات سنة الطاعون” دانييل ديفو، يوميات خيالية عن زمن الطاعون الأسود!

في الكورونا، بات السؤال: كيف بدأ الوباء؟ في الإنفلونزا الاسبانية كان السؤال: أين بدأ؟ في الكورونا، قيل إن “العولمة” كانت سبب انتقاله السريع، في الانفلونزا الإسبانية بحسب رواية جابر، المؤكد “أن الحرب وحركة انتقال الجيوش عبر الدول والقارات، في البواخر والقطارات، ساهمت في انتشاراته السريع والقاتل”. وفي المحصلة تعددت التسميات والتوصيفات، والنتيجة واحدة.

المشهد الآخر الذي يجعلنا نتأمل أكثر في رواية “أميركا”، هو مفارقة الإنفلونزا والأجسام، فالأنفلونزا الإسبانية أغرب ما فيها أنها قتلت من الأجسام أقواها، معظم الضحايا تراوحت أعمارهم بين 20 و40 سنة! يسأل الراوي أن الأنفلونزا عادة تقتل، إذا قتلت، “الاطفال والعجائز”… هذه المرة، في 1918 و1919 اختلف الأمر”..

مع الكورونا يبدو أن الفيروس اختار العجائز والمصابين بأمراض مزمنة.

بين الإنفلونزا الاسبانية والكورونا مشاهد كثيرة تتكرر، من الجثث المتراكمة، إلى الكمّامات، والأسواق المقفلة “الحياة العادية توقفت”، “القطارات لا تتحرك إلا الأحد”، “الترامواي متوقف دائماً، كل التجمعات منعت”، “الناس في البيوت وإذا خرجوا لابسين الكمّامات لا ترى منهم إلا العيون”، و”يعبرون الطريق بخطى متعجلة كأنهم يخشون الهواء ذاته”. لا ينسى جابر أن يتطرق الى مرحلة ما بعد المرض. وهو السؤال الذي بدأ التداول فيه الآن عما بعد كورونا… فحين انجلت سحابة الإنفلونزا الاسبانية السوداء كانت “مثل كابوس انتهى”، وخلال يومين دبّت الحياة في أوصال المدينة من جديد… ذهب الناس الى دور السينما، “كانت عيونهم زائغة وإذا تبادلوا أخبار المرض، فعلوا ذلك على عجل، ثم ختموا الحديث بإيماءات غامضة وأبعدوا ما مضى عن أذهانهم”. ويسأل، ماذا حدث في تلك الأيام القليلة التي أعقبت رحيل الأنفلونزا عن فيلادلفيا؟ الحذر ظلّ حاضراً: المطاعم تركب مسافة بين طاولاتها.. المقاهي أيضاً باعدت بين كراسيها، صالات السينما لم تعرف حشوداً إلا بعد أسابيع. البعض ظل يلبس كمامة ويتحمل نظرات الاستنكار. تدريجياً عادوا الى الحياة التي قطعها المرض..

ويظهر جابر في سردية، كيف انتهت الإنفلونزا وكيف انتهت الحرب، مع أن ضحايا الأولى أكثر من الثانية. رحلت الأنفلونزا و”الأهالي لم يطالبوا باسترداد الجثث”، “كانوا يشعلون الشموع ويترحّمون على الذين ذهبوا”… مشهد نهاية الحرب مشهد آخر: “كانت معجزة”، تقول الرواية، وهو مشهد تدخُل فيه لغة الانتصارات والملاحم وتُرفع الأنصاب وتهلل البيارق وتنتشر الاحتفالات وتُصنع الهويات والأوطان، “في انحاء العالم قرعت الأجراس ورمى الناس قبعاتهم في الهواء، وخرجت النساء الى الشرفات ورمين الرز والورود على المارين”…

والمقطع الأكثر دلالة في رواية “أميركا” يقول “كانت الإنفلونزا تلهو، تركض طويلة بين الساقين على خريطة العالم، والناس يتساقطون. لكن في 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 1918 (نهاية الحرب) اجتمع الناس في الطريق ورقصوا وغنّوا، وبينما يفعلون ذلك انتهت حقبة وبدأت أخرى. بعد هذا، لن يسأل أحدهم الآخر أين بدأ المرض، هل بدأ في كانساس، أم بدأ في الصين؟ كان ذلك بلا قيمة، في الماضي، ولا يؤثر فيه البشر؟ كان ذلك فظيعاً، أقسى من أن يحتمل، والأفضل رميه خارج التاريخ”.

فهل يكون الكورونا خارج التاريخ، وهل تكون بداية انتشاره بلا قيمة؟ أم سيُستثمر في حرب (من نوع ما) على الصين؟

اضف رد