الرئيسية / أضواء على / راحيل بطرس البستاني: فتاة الشرق

راحيل بطرس البستاني: فتاة الشرق

عندما سرد المؤرخ والأديب اللبناني عيسى إسكندر معلوف (1869 – 1956)، سيرة حياة راحيل عطا البستاني، فقد عنونها بعنوان “فتاة الشرق”. لقد اختار هذا العنوان بعد دراسته لنوعية حياتها ونشاطاتها المتعددة، فوجد في شخصها النموذج لكل فتاة في الشرق. اعتقد المعلوف أن المؤرخين سلّطوا كل الضوء على المعلّم بطرس البستاني، لكن راحيل زوجته المميزة، لم تُعطَ حقّها، بل نسيت في غياهب التاريخ، وتغاضى المؤرّخون عن ذكرها.

عندما كتب المُرسَل الإنجيلي الأميركي عالي سميث عام 1843، الذي كان مرسلا في بيروت، إلى أخيه ليخبره عن فتاة عملت مع الإرسالية الإنجيلية لمدّة عشر سنوات، أي راحيل عطا البستاني، وصفها قائلا: “إنها فتاة غير شائع وجودها. انها فتاة مميّزة”. فشخصيّة راحيل وسماتها لم تجذب فقط أنظار المُرسَلين الإنجيليين، وإنما أيضًا جذبت انظار المعلّم بطرس البستاني، الذي برز قائدا في جماعة الإيمان الانجيلية الناشئة.

بالرغم من ندرة المراجع عن راحيل عطا البستاني، نعرف من خلال ما توافر من أبحاث، ما يلي عنها:

عند وصول عالي سميث وزوجته سارة إلى بيروت، وضعت سارة نصب عينيها هدف تعليم الفتيات العربية، فكانت الفتاة الصغيرة راحيل من ضمن خطتها. ولأن راحيل كانت تسكن مع أهلها في بيروت، في بيت قريب من بيت الإرسالية الانجيلية الأميركية، فقد تعرفت سارة سميث الى أهلها وعرضت عليهم إمكان أن يسمحوا لابنتهم بأن تنتقل لتسكن معهم في البيت، ليهتموا بتعليمها. فكانت تلك الفرصة بالنسبة الى راحيل ذهبية. وهكذا انتقلت إلى بيت عائلة المُرسَل، فصارت سارة تدرّبها على القراءة، لا سيما قراءة الكتاب المقدّس، كما علمتها اللغة الانكليزية التي أتقنتها جيدا. وكانت راحيل تزور عائلتها في بيتها بشكل دائم. كما ان سارة سميث أرسلتها عام 1834، لتكون من اوائل التلميذات في المدرسة الأميركية للبنات، التي كانت أوّل مدرسة للبنات، (بحسب تصنيف معنى المدرسة)، في كامل نفوذ أراضي الإمبراطورية العثمانية، وكانت في بداية تأسيسها. تميزت تلك المدرسة، بكونها مكانًا خلاّقًا للفتيات، شجّعت على الحداثة في التعليم، وكان منهاجها الدراسي يركّز على: القراءة، وتعليم اللغة الإنكليزية، ودراسة الكتاب المقدّس، والخياطة.

حرصت سارة سميث، على أن يكون تعليم وتدريب الفتاة راحيل متوافقًا مع التراث الشرقي العربي، كيما تعيش راضية بين أبناء شعبها. ورفضت ان تتبنى راحيل العادات الأوروبية والأميركية، إن كان من ناحية ارتدائها الملابس، أو التحدّث باللغة العربية، بالرغم من إتقانها الإنكليزية. وهكذا، فإن شخصية الفتاة راحيل تطوّرت وتشكّلت في أجواء ذلك البيت الإنجيلي، مما جعل قيمها مزيجا من الإيمان، والثقافة الانجيلية، والتمدّن. فعُرِفَت راحيل بتقواها وبتعلّقها بالإيمان الإنجيلي، كما انها عملت على نقل حقائق الإيمان الإنجيلي للآخرين.

إن عيش راحيل في كنف عائلة سميث الانجيلية، ورؤيتها لطريقة تصرّف المُرسَل سميث مع زوجته سارة، والاحترام واللطف بينهما، أثّر كثيرا على نظرتها الى الكثير من الأمور، لا سيما نظرتها إلى المرأة، اذ أصبحت مغايرة لنظرة الشرق إليها آنذاك. وهذا ما جعلها تتمسك بحريّة رأيها وقرارها كامرأة. رأت في تلك العلاقة نموذجا للمساواة بين الرجل والمرأة ونموذجا للعائلة المسيحية المثالية. فعندما أعدّ لها أهلها شابا لتتزوّجه دون أن تكون تعرفه، بحسب عادة “الزواج المدبّر” المتّبعة آنذاك، فقد رفضت ذلك رفضا مطلقا. وأصرّت على حقّها في حرية إختيار مَن تريد ومَن تحبّ. وعندما زاد أهلها من ضغوطاتهم عليها للزواج منه، شكتهم إلى مرجع امني في السلطات العثمانية، كيما يمنع أهلها من إجبارها على الزواج به. أصرّت على أن يكون الزواج مبنيّا على الحبّ المتبادل. قالت إن الزواج المبنيّ على أسس المحبة والاحترام المتبادل، هو نواة المجتمعات الناجحة. عندما التقت راحيل الشاب بطرس البستاني، الذي كان من ضمن المجموعة التي اعتنقت الايمان الانجيلي، وكانا يعملان معا مع مؤسسات الارسالية الانجيلية، انجذب اليها، وطلب يدها، فتزوجا عام 1843، وفي السنة نفسها، قُبِلت عضوًا في كنيسة المُرسَلين الإنجيليين عام 1843. كان بطرس وراحيل عضوين فاعلين في الكنيسة الإنجيلية الوطنية في بداية تأسيسها. لشدّة وفائها ومحبّتها وتقديرها للمُرسَلة سارة، التي كانت قد توفيت عام 1836، أطلقت على طفلتها الأولى إسم سارة. وقد أنجبا تسعة أولاد.

لم يبرز فقط بطرس البستاني، قائدا بين الانجيليين المحليين، بل أيضا زوجته راحيل كسيدة مثقفة، تقية ورعة. فقد كانت تكتب تأملات إنجيلية روحية. علّمت في مدارس المرسلين الانجيليين. أسّست مدرسة للبنات في حاصبيا، وترجمت كتب أطفال، من اللغة الإنكليزية إلى اللغة العربية لندرتها. وتذكر مصادر، أنها ساعدت زوجها بطرس في ترجمة كتب إلى اللغة العربية، لتستخدم في كلية اللاهوت البروتستانتية في عبيه، حيث عمل بطرس البستاني لسنتين (1846-1848). ويا للأسف، فُقِدَت السجلاّت: عن تعليمها، وعن التأمّلات الإنجيلية التي كتبتها، والترجمات التي قامت بها. عملت العائلة الإنجيلية الوطنية، بطرس وراحيل، كمُرسلين لمجموعات إنجيلية ناشئة في حاصبيا. عاشت راحيل 40 سنة مع زوجها إلى أن توفيّ عام 1883 على أثر نوبة قلبية.

يرى مؤرخون أن تأثير راحيل في حياة زوجها بطرس البستاني، كان له أثر فاعل على نظرته المتحررة للمرأة، لذلك لم يكن مستغرباً التطابق الكلي لخطاب البستاني عن تعليم المرأة الذي طرحه على شكل محاضرة في الجمعية السورية عام 1850، من منظور تبشيري جنسوي للأسرة المسيحية النموذجية.

اضف رد