راحة اليوم السابع


سميرعطاالله
النهار
04042018

دخل المساعد الشاب جاك شيراك على رئيس الوزراء جورج بومبيدو ومعه مجموعة مراسيم لتوقيعها، فقال له ساخطاً: “هناك الكثير من القوانين، والكثير من النصوص، والكثير من التسويات في هذا البلد. إنهم منهكون. دعوهم يعيشون قليلاً وسوف ترون ان كل شيء سوف يتحسن. حلّوا عنهم. يجب أن نحرر هذا البلد”.

يخطر لي أنه يجب أن نفكر في اللبنانيين أحياناً، ولو رغماً عنهم. إنهم حقاً يستحقون العطف وقد غمرتهم أكوام القرارات والقوانين وكمامات الشعارات وجميع أنواع التلوث البيئي والاخلاقي، وصَمَّت طبلات آذانهم رشقات البذاءة والدلع. دعوهم يحيون قليلاً.

نقلت كلام بومبيدو (1) عن افتتاحية فرانز- أوليفييه جيسبير، آخر قلم في جيل أحبار الصحافة الفرنسية، اوبير بوف ميري (سيريوس)، وفرنسوا مورياك، وجان جاك سرفان شرايبر، وجان دانيال، ورائعتهم فرنسواز جيرو. ولا بد أن انقل عنوانها ايضاَ: ” بوفر فرانس” ، وترجمته عندنا، “مسكين لبنان”. فما دمنا لا نكف عن التشبه بالدولة التي تركت لنا المؤسسات من الجيش الى القضاء الى الشرطة الى التعليم الى الطب، لا بد أن نتذكر دوماً المقارنة بين حضيضها وحضيضنا. لا المكابرة تفيد ولا التكبّر ينفع، ومسكين لبنان، ومساكين هم اللبنانيون، وهنيئاً لمن له مربط (لا مرقد) عنزة في أي بلد آخر. يُفضَّل ان يكون فرنسا، التي لم تغير عادتها القديمة بتسميتنا بلاد الأرز، وتسمي مؤتمرات رعايتنا سيدر، مسلسلاً، واحد اثنين الى آخر مجاميعه.

من يمكنه القول إننا في حاجة الى مساعدات، عندما يرى مظاهر ابهتنا الفاقعة مثل العين البلقاء؟ من يمكن أن يرى كلفة هذه التسمية الانتخابية في المهرجانات والكرنفالات والأرصفة والأزقة والطرقات والخطابات، ثم يصدق أننا بلد في حاجة الى مساعدة؟ كيف نحن دولة مفلسة والشعارات التي نمر تحتها تمنِّنا بكل ما لنا ولهم، وترفع علينا منّة النفط؟ ألا ينوي “ربنا” ان يرتاح في اليوم السابع؟

Arreter d’emmerder les Francais

قال بومبيدو، الرجل الذي كان خليقاً بخلافة شارل ديغول. صحيح ان الأخير لم يُخلق لكي يتكرر، بعكس ما تقضي شرعة الخلق، لكنه جاء كي يُقلد، كما تقضي هي أيضاً حاولوا. والذين حاولو، فعلى الأقل انهم حاولوا. فكان بومبيدو، الأقرب الى “العظمة”. وجيسكار وميتيران وشيراك، آخر المقلدين والحواري.

معايير ومقاييس العظمة شاقة، و”النفس امارة بالسؤ” وفق القول الكريم. عليك انت ان تضعها عند حدودها وإلا فلا حدود لانحداراتها. انتهت الجمهورية الخامسة عندما قررت فرنسا أن تمتحن آخر حدود ليبراليتها بانتخاب ابن مهاجر مجري. أي قبل مرور جيلين على تجربة في الشرايين الوطنية. يسمح الدستور الاميركي للثاني في الادارة أن يكون مولوداً خارج الأرض، مثل هنري كيسينجر، كاهن احراق كمبوديا واحتلال العراق، أو مثل مادلين أولبرايت. لكنه لا يُجيز ان يكون الرئيس مولوداً في أرض أخرى. في تهتكه على سلفه أوباما، ظل ترامب يخاطب حساسية الاميركيين بالزعم انه ولد خارج أميركا.

تسمى هذه، إذا شئت، شرعة الشرايين. ليس بالمعنى الفاشي، بل بالمعنى الاخلاقي. أي أن يكون لك من العلاقة مع الأرض ما يمنعك من انكارها قبل حتى ان يهم الديك بالصياح. عندما فاز نيكولا ساركوزي ومعه عِقَدُه، قرر ان يطرح نفسه برأس ماله الأول. وربما الوحيد. ففي اليوم الأول من رئاسته تناول الغداء في البيت الأبيض. وفي اليوم التالي تغدى عند انغيلا ميركل في برلين. وفي اليوم الثالث تزوج. لكن المسؤولية في الاليزيه تعودت ايقاع رجال ديكارتيين لا ايقاع مسرحي. العقل اولاً، وليس الحركة. فرانكلين روزفلت اصبح ثاني اهم رئيس في تاريخ أميركا لأنه انقذها من الانهيار الاقتصادي ومكّنها من النصر العسكري. فعل ذلك وهو مقعد على كرسي متحرك، بسبب ضعف في القلب.

نيكولا ساركوزي الدائم الحركة، الذي يرتج حتى وهو يتحدث، أصبح أول رئيس فرنسي يحاكَم أمام القضاء. وذلك لأنه قلل في مرات كثيرة، مقام المقام. ليس لأنه قبل مساعدات مزعومة من المدام بيتانكور، أو الأخ العقيد، بل بسبب مستوى مثل هذه التحالفات. لن تتقبل فرنسا ببساطة كلام معمر القذافي، أو نجله سيف الاسلام، ان الجماهيرية الشعبية الاشتراكية العظمى هي التي موَّلت المعركة الانتخابية لرئيسها.

فأمام القضاء الفرنسي قضية تقول إن الجماهيرية العظمى اسقطت فوق افريقيا طائرة “أو تي آ ” الفرنسية، وادى ذلك الى اقفال الشركة، كما أدت كارثة “بان آم” من بعد الى الغاء شركة الطيران الاميركية الأولى.

لم يكتف معمر وسيف بإهانة الكشف عن التمويل. ففي الأيام الأخيرة للجماهيرية التي دامت 42 عاماً، كان سيف يرد بغضب على السياسيين والشيوخ الذين كانوا يأتون الى خيمة سرت طلباً للمساعدة، وبالذات الشيخ يوسف القرضاوي، الذي أيد الثورة، فقال لتلفزيونات العالم: “كانوا يأتون الى هنا ويلعقون أحذيتنا”. لم يعرف ساركوزي كيف يختار اصدقاءه. وعندما جاء القذافي الى باريس حاملاً خيمته المزركشة اضطر المضيف الى ان يتقبل حفر أوتادها ما بين برج ايفل وساحة الكونكورد وجدران اللوفر وفوق ضفتي السين، اليسرى حيث البانتيون، واليمنى حيث قوس النصر.

ليته كان أقل حيوية واكثر شعوراً بكرامة الفرنسيين. العقل بالتعقل. والشعوب الحية تنام على الإهانة، لكنها لا تموت عليها. إذا ما ثبتت الاتهامات غداً، سوف يتمنى المسيو ساركوزي لو انه اكتفى من ارباح الحياة بالاليزيه. ماذا يمكن الإنسان أن يتمنى بعد ان يلف صدره بوشاح الجمهورية؟

كان ديغول – الذي خلفه المسيو ساركوزي – يدفع فاتورة كهرباء مكتبه في الاليزيه بعد الثامنة مساء، أي نهاية الدوام الرسمي. وكانت زوجته، العمة ايفون، تشتري لاحفادها حلوى يوم الأحد من اماكن بعيدة كي لا يقال انها تستغل تأثير القصر. وقد يقال هناك ديغول واحد وتانت ايفون واحدة. وهذا ايضاً صحيح. لكن الرئيس العزيز الياس الهراوي كان يروي ان الرئيس الياس سركيس دخل قصر بعبدا وفي صندوق النفقات السرية 3 ملايين دولار. وعندما خرج لم يكن قفل الصندوق قد لمسه أحد.

لم يتعلم ذلك من ديغول، بل من فؤاد شهاب. في احدى ندوات مهرجان انطلياس الثقافي الشهر الماضي، قال زميل إن الاستعمار التركي والانتداب الفرنسي كانا كلاهما احتلال. لكن لا بد – للأمانة – من تسجيل بعض الفوارق البسيطة جداً: الاتراك منعوا المطابع، ولم يبنوا مدرسة أو مستشفى أو طريقاً، والقوا الحرم المدني كاملاً على الطائفة الشيعية، وعلقوا المشانق، وتاجروا بالمجاعة، وفتحوا البحر باباً للهجرة،ولم ينشئوا مؤسسة مدنية واحدة إلاّ لمقارهم.

والانتداب الفرنسي جعلنا الدولة العربية الأولى تعمل بشيء يسمى الدستور. ومثلنا مثل مصر وسوريا في ظل الانتداب، عرفنا شيئاً يسمى المعارضة. وكنا أهم العواصم العربية صحفاً وحرية. وكان رئيس الدولة صورة الكاريكاتور اليومي، وهو أمر حكمه القتل في الدول العربية.

حاول ايمانويل ماكرون الحدّ من الذبح التركي للأكراد، فسأله رجب طيب اردوغان، من انت؟ من تكون؟ القذافي سأل حتى شعبه “من انتم”؟. يحدث هذا دائماً عندما يكون الخلاف بين وريث السلاطين وقصور الحريم، ووريث الثورة الفرنسية وبونابرت وعصور النهضة. صحيح، من تكون؟ قال الكاتب الجزائري المرموق كامل داود، يصف غداءه مع صاحب الاليزيه: “في نهاية الغداء مع ماكرون”! هكذا دون القاب، دون سجود، دون انحناءات حتى الأرض. فماذا لو كان يتحدث عن لقاء مع زعيم عربي أو سلطان من اسطنبول، يحدث – السلطان – عن أغصان الزيتون التي يوزعها في عفرين؟

تلاحظ في مدينة “آنيسي”  الفرنسية وجوارها بيوتاً لها ملامح شرقية كالغسيل المنشور. هؤلاء هم الاكراد الهاربون من صدام حسين، الذين استقبلتهم دانيال ميتيران. ولن يجد أكراد اردوغان سوى المسيو والمدام ماكرون يعثران لهم على مكان في السافوا. لقد اعتادوا الجبال والثلوج.

(1) Le Point، 22 آذار 2018 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*