الرئيسية / أبحاث / أبحاث تاريخية / رئيس جمهورية شيعي، رئيس حكومة ماروني، رئيس برلمان سني … ما القصة؟

رئيس جمهورية شيعي، رئيس حكومة ماروني، رئيس برلمان سني … ما القصة؟

 

  • مجد بو مجاهد
  • المصدر: “النهار”
  • 24 حزيران 2017

    لنتخيّل رئيساً لمجلس النواب، لا ينتمي الى الطائفة الشيعية. ولنتخيّل رئيساً لمجلس الوزراء لا ينتمي الى الطائفة السنية. ولنتخيّل رئيساً للجمهورية لا ينتمي الى الطائفة المارونية. هل في تصويرٍ مزاجيٍّ كهذا خرقٌ للدستور أم تجاوزٌ للعرف وتالياً عدم احترامٍ للميثاق الوطني؟ تساؤلٌ بات طرحه يشكّل أولوية بعد “الصرخة” التي أطلقها وزير المهجرين طلال ارسلان داعياً الى المداورة في الرئاسات الثلاث كخطوةٍ أولية نحو الدولة المدنية.


    صبري حمادة

صرخة يعتبرها مستشار ارسلان الدكتور سليم حمادة خطوة “اتت احتراماً لعقول الشباب المفكرين” مؤكّداً لـ”النهار” ان “المرحلة التي مرّ بها لبنان بعد انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية هي مقاربة جديدة للشأن الدستوري العام في لبنان وان المستجدات التي حصلت في السنوات المنصرمة، كانت تدور في فلك الدستور المعدّل بموجب وثيقة الوفاق الوطني في اتفاق الطائف، وقد حاول الجميع في لبنان تبريراً للمصلحة الشخصية او الحزبية او المذهبية ان يلصق دستور الطائف في كلّ شاردة وواردة ذات صلة بالشأن الاصلاحي او الانتخابي. وبالعودة الى دستور الطائف، فان من مقوماته الأساسية مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات، وهذا المبدأ ينسجم انسجاماً تاماً مع مفهوم الدولة المدنية”.

ويسأل حمادة بإسم الأقليات في لبنان، “هل ان مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات يكرّس اليوم؟” ويجيب على سؤاله: “نقول لا. أولاً هناك تراتبية في المواطنية لا تمحى الا في نظام الدولة المدنية حيث كلّ مواطن لبناني له الحق في ان يتبوأ أي مركز على اساس كفاءته”.

من هذا المنطلق يحصر حمادة مطالب الحزب الديمقراطي اللبناني بمفترقين: “اما ان تعطى الاقليات حقوقها وفقاً للدستور واما ان يكون هناك مداورة على المواقع الأساسية في البلاد من الناحية الانسانية لأننا نعيش في نظام التمييز العنصري والمعتقدات المذهبية ولا بد من الخروج من هذه الحلقة المغلقة”. ويستطرد بأمثلة، “اذا وجدنا بين السريان الاورثوذكس من يحق له ان يتولى اعلى المناصب في الدولة، هل ننبذه لأن ولد في بيتٍ سريانيّ؟”.

ولكن الا يعتبر اعتماد المداورة في الرئاسات تكريساً جديداً لمنطق الطائفية؟ لا ينفي حمادة ان الغاء الطائفية بشكلها الكامل يتطلب ثورة اجتماعية حقيقية. ويصف الخطوة التي يقترحهاالديمقراطي بـ “الترقيع المؤقت” بانتظار ثورة تغيير شبابية في ظلّ البحث عن دولة مدنية. الا تؤكد الوقائع العامة تصاعد وتيرة الخطاب الطائفي في صفوف الشباب؟ “المشرّع في لبنان انتج هذا الواقع بفعل قانون المافيات السياسية الذي كرسها قانون الستين. من هنا ندعو شباب لبنان الى الاستفادة من النسبية وانتخاب طاقات جديدة لا تمت بصلة الى الذين هددوا امن لبنان الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في فترات سابقة واضفاء مناخ جديد من الخيارات الانتخابية”.

مواقف الحلفاء

نسأل حمادة عن موقف التيار الوطني الحر من طرح ارسلان، فيجيب: “دعينا الى طاولة الحوار للاستماع الى رأينا. وردنا الكثير من ردود الفعل المشجعة، من قبل اسماء بارزة في التيار
الوطني الحر والقوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي”. الى اي مدى يكرّس هذا الطرح ما يحكى في الصالونات السياسية عن رغبة حزب الله في مؤتمر تأسيسي جديد؟” يقول: “نحن لا نوجه الأفكار لأي من الأحزاب. لوا تنسيق مع حزب الله في الموضوع”. من هنا نسأل هل أنتم مع عقد مؤتمر تأسيسي جديد؟ “نحن نسير في اتجاه مؤتمر تأسيسي حتى لو لم نسميه تأسيسياً. ان اعتماد قانون النسبية خطوة تأسيسية للبنان الجديد فضلاً عن ضرورة تأسيس الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية”. يبقى السؤال حول دستورية ما يطرحه الحزب الديمقراطي اللبناني وتماشيه مع العرف الذي كرّسه الميثاق الوطني.

الجولة الحادية عشرة

للاجابة على هذا السؤال نستعيد اكثر المراحل التاريخية تعبيراً عن معضلة تربيع الدائرة تلبيةً لمطالبة بتوازن أفضل لصالح الموقع السياسي السني والشيعي في النظام اللبناني، وفق ما ورد في كتاب عضو المجلس الدستوري أنطوان مسرّة النظرية الحقوقية في الأنظمة البرلمانية التعددية. انها الجولة الحادية عشرة للمفاوضات اللبنانية السورية (18 كانون الثاني الى 26 آذار و10 أيار 1987) حيث طرحت اشكال مختلفة بغية تحقيق توازن على مستوى السنة والشيعة واستطراداً الدروز. هذه الجولة هي مختبر للباحثين في الأنظمة البرلمانية التعددية حول موضوع لم يتطرق اليه البحث الدستوري المقارن والدولي وعولج لبنانياً بأشكال تقليدية من منطلق “الغاء الطائفية” او غيرها من اشكاليات الأنظمة التنافسية التي لا تساعد على تفسير المعضلة.

عرضت اشكال متعددة من المحاصصة او التشبيك او التسقيف او التوازن المصطنع. وما آلت اليه الحصيلة هو مزيجٌ بغية المحافظة على موقع رئاسة الجمهورية في النظام اللبناني على عكس ما يراه العديد من الدستوريين حول “انتقاص” صلاحيات رئاسة الجمهورية. والأشكال التي اقترحت هي التالية:

1. في ما يتعلق بمجلس الوزراء والتوازن الماروني ـ السني:

ـ حصر التصويت في مجلس الوزراء بالوزراء باستثناء رئيس الجمهورية الذي ينتمي الى الطائفة المارونية (8 آذار 1987).

ـ اجتماع مجلس الوزراء برئاسة رئيس الحكومة السني مع فرض أكثرية موصوفة لاتخاذ القرارات (15 شباط).

ـ التمييز بين نوعين من اجتماعات مجلس الوزراء: المجلس الذي يرأسه رئيس الجمهورية (الماروني) والذي يتخذ قرارات في بعض الشؤون المصيرية التي يقتضي تحديدها والمجلس الذي يرأسه رئيس الحكومة (السني). طرحت عدة اعتراضات على هذا التمييز الذي يولد نزاعات بشأن وصف طبيعة المشاريع والهيئة الصالحة للنظر في النزاعات (15 آذار).

ـ اجتماع الحكومة بشكل مجلس وزاري وبرئاسة الوزير الاورثوذوكسي الاكبر سناً وذلك مرّة في الاسبوع. تحال المشاريع على رئيس الجمهورية وعلى رئيس الحكومة للموافقة (7 نيسان).

ـ انتخاب رئيس الحكومة (السني) من المجلس النيابي ما يزيد من مكانة رئيس المجلس (الشيعي) ويقلل من نفوذ رئيس الجمهورية (الماروني) في اختيار رئيس الحكومة (10 آذار).

ـ انشاء ست حقائب وزراء دولة لست طوائف (الموارنة والسنة والشيعة الدروز والروم الكاثوليك والروم الاورثوذوكس). يشكل وزراء الدولة الستة مجلساً يتّخذ قرارات في الشؤون المهمة. في حال الاختلاف، تعرض القضايا على مجلس الوزراء (3 شباط).

ـ التوازن بالمباني بفضل اجتماع مجلس الوزراء في السرايا، مقر رئاسة الحكومة لا في قصر بعبدا مقر رئاسة الجمهورية اي بشكل يكون لمجلس الوزراء مقر مستقل مع موظفين تابعين له (2 نيسان).

2. في ما يتعلق بالطائفة الشيعية:

ـ انشاء نيابة رئاسة لرئاسة الجمهورية (18 كانون الثاني 1987).

ـ انشاء نيابة رئاسة لرئيس الحكومة (18 كانون الثاني).

ـ تمديد ولاية رئيس المجلس الى أربع سنوات من أجل تحقيق التوازن زمنياً.

ـ توقيع رئيس المجلس على المراسيم المتعلقة بتعيين رئيس الحكومة وتشكيلها. انتقد هذا الاقتراح لأنه يمس بمبدأ فصل السلطات التنفيذية والتشريعية (8 شباط).

ـ تعيين رئيس مجلس النواب عضواً في المجلس الأعلى للدفاع (9 شباط).

ـ تخصيص حقيبة وزارة المالية الى شيعي مع ضرورة توقيعه على مشاريع القوانين والقرارات التي يوقعها رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. رفض هذا الاقتراح من الوزير نبيه بري الذي يطالب بمشاركة فعلية داخل مجلس الوزراء (20 كانون الثاني و 9 شباط).

ج. في ما يتعلق بالطائفة الدرزية:

ـ انشاء مجلس شيوخ يرأسه درزي (17 شباط 1987).

تزيد هذه التوازنات، وفق ما ورد في كتاب مسرّة، من احتمالات الجمود بسبب اللجوء الى الفيتو الذي يصبح اكثر احكاماً لمصلحة أحد الرؤساء أو نوابه أو وزراء الدولة. يضاف الى ذلك أن أكثر التوازنات تستلهم من ايديولوجية اكثرية لأنها لا تأخذ في بالاعتبار في السلطات العليا الثلاث الا الاقليات الثلاث الكبرى، عدا انها لا تحدد طرق تنظيم هذه التقنيات. تجاه انشاء ملكيات طائفية، عبرت بعض الاقليات الصغرى عن رفضها للعزل والمحاصصة دون ضوابط كما في شركة مساهمة.

المادة 49 معدّلة

ان الحصيلة الدستورية لوثيقة الوفاق الوطني وما استتبعها من تعديلات دستورية لم يكن نحو رئاسة فخرية بل نحو نمط آخر ورد في مقدمة المادة 49 معدّلة: “ان رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن. يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه وفقاً لأحكام الدستور”. وتأكيداً لدور رئيس الجمهورية في “السهر على احترام الدستور” وهو دور يعلو على الصلاحيات وتنازعها، وردت في الدستور اللبناني المعدل عدة مواد (المادة 50، 53، 56، 57). هل اعتبرت هذه المواد انتقاصاً من صلاحيات رئيس الجمهورية ؟ ورد في كتاب مسرّة ان “القيادة المعنوية للدولة في اطار مبدأ القانونية هي ورشة كبرى تتخطى الصلاحيات وتتخطى الطائفة المارونية وهي بذاتها عنصر جمع وتوحيد لأنها دفاع عن القاعدة الحقوقية كوسيلة في تحقيق المساواة بين الجميع وحمايتهم بمعزل عن انتماءاتهم المتعددة وتبعيتهم السياسية”.

وفي خلاصةٍ عامة، لما وثّقه كتاب مسرّة، وبتأكيده الشخصي، هو الذي عايش الأزمة قبل التوصل الى اتفاق الطائف ان “رؤساء الجمهورية والحكومة والنواب ليسوا حكراً على طائفة معينة، بل ان المسألة مرتبطة بالذهنيات والعرف وليست مرتبطة بقضية دستوريةلأن الدستور لم ينص على ان يكون الرؤساء الثلاث من طوائف معينة، ما يعني ان لا مانع دستوريا في ترشح اي لبناني لاي منصب رئاسي لكن المانع أخلاقي ويكمن في التعهدات الوطنية والميثاق الوطني وتركيبة البنية اللبنانية”. وعملياً، ان “الموارنة والقيادات السنية رفضوا معادلة المداورة، وشهد البلد خطورةً كبيرة، في حين تمثّل المخرج في اضافة المادة 49 من الدستور اللبناني”. في حين يرى كثيرون ان الحل يكمن في “تأليف هيئة لوضع خطة لتخطي الطائفية وفق المادة 59 من اتفاق الطائف، ومن غير المسموح أن تطرح هذه القضايا عشوائياً من قبل السياسيين”.

اضف رد