الرئيسية / home slide / رئيسة الوزراء الفرنسية الجديدة تواجه صيفاً وخريفاً ساخنين

رئيسة الوزراء الفرنسية الجديدة تواجه صيفاً وخريفاً ساخنين

اليسار واليمين يهاجمانها… وماكرون يرسم لها «خريطة طريق»

رئيسة الحكومة الفرنسية الجديدة إليزابيث بورن (أ.ف.ب)

باريس: ميشال أبونجم
https://aawsat.com/home/article/3651426
الأربعاء – 17 شوال 1443 هـ – 18 مايو 2022 مـ رقم العدد [ 15877]

يقول العالمون بخبايا الأمور وبالمساومات التي رافقت تعيين إليزابيث بورن، رئيسة لحكومة إيمانويل ماكرون، في عهده الثاني، إن اسمها لم يكن الخيار الأول على «اللائحة القصيرة» التي أعدها ماكرون ومساعدوه الأقربون. وبحسب التسريبات التي ضجت بها الصحافة الفرنسية في اليومين الأخيرين، فإن الرئيس الفرنسي الذي أعيد انتخابه في 24 أبريل (نيسان) الماضي، كان يفضل عليها كاترين فوترين، الوزيرة السابقة في عهد الرئيس جاك شيراك، ورئيسة منطقة ريمس الكبرى (شرق فرنسا) التي كانت تنتمي إلى حزب «الجمهوريون» اليميني والتحقت بماكرون في فبراير (شباط) الماضي.

إلا أن اسم بورن كان له الغلبة، إذ إنها تحظى بدعم أمين عام قصر الإليزيه ألكسيس كوهلر، المسؤول الأقرب إلى رئيس الجمهورية وتتمتع بمجموعة من الصفات التي تتوافق مع المرحلة الراهنة، أولاها أنها جاءت من صفوف اليسار وتحديداً من الحزب الاشتراكي. والحال أن ماكرون وعد خلال حملته الانتخابية بالالتفات إلى الشرائح الاجتماعية الأكثر هشاشة، وبالتالي إليزابيث بورن تستجيب للرغبة الرئاسية أكثر من منافستها فوترين القادمة من صفوف اليمين. يضاف إلى ذلك أن بورن تتمتع بخبرة وزارية استثنائية خلال عهد ماكرون الأول؛ إذ شغلت ثلاث حقائب مختلفة، حيث تنقلت بين وزارات النقل والبيئة والعمل. وفي مناصبها الثلاثة المذكورة، أثبتت أنها متمكنة من ملفاتها، وأنها قادرة على الحوار والسير بالإصلاحات التي أرادها ماكرون خلال السنوات الخمس المنصرمة التي كانت خلالها عضواً بارزاً في الحكومات المتعاقبة.

كذلك، فإن اختيار بورن التي يغلب عليها الطابع التكنوقراطي وليس السياسي ضمانة لأن تكون وفية للرئيس ولن تنافسه في أي من المجالات، خصوصاً أن ماكرون ينطلق في ولايته الثانية ولا يحق له الترشح لولاية ثالثة وفق الدستور الفرنسي. وبالتالي، فإن منصب رئيس الحكومة فيه الكثير من الإغراءات، ما قد يشكل مصدر إزعاج للعهد.

وأخيراً، فإن ماكرون بتعيينه امرأة في ثاني منصب تنفيذي في الجمهورية الفرنسية، يفي بأحد وعوده الانتخابية ويدفع فرنسا إلى الالتحاق بالركب الأوروبي لجهة إيكال هذا المنصب إلى امرأة.

وتجدر الإشارة إلى أن بورن ثاني امرأة تحتل هذا المنصب منذ انطلاق الجمهورية الخامسة أواخر ستينات القرن الماضي. وسبقتها إلى هذا المنصب أديث كريسون (1991 ــ 1992) التي اختارها الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا ميتران، إلا أنها عانت من حملات سياسية وإعلامية عنيفة لا بل إن بعض السياسيين من اليمينيين والصحافة المطبلة لهم قارنت بينها وبين مدام بومبادور، عشيقة الملك لويس الخامس عشر للحط من قيمتها الشخصية والسياسية وللإيحاء بوجود علاقة بينها وبين ميتران.

حكومة وانتخابات

تصل بورن البالغة من العمر 61 عاماً إلى منصبها في ظروف غير مريحة. وثمة تحديان رئيسيان ينتظرانها قبل أن تنطلق حقيقة في ممارسة مهماتها: الأول، تشكيل حكومة جديدة تقترحها على ماكرون، والثاني الانتخابات البرلمانية التي ستجرى يومي 12 و19 يونيو (حزيران) المقبل. ويتوقع المراقبون أن تعلن الحكومة الجديدة التي لا تريدها بورن فضفاضة في الساعات الـ24 القادمة بحيث تكون جاهزة لأول اجتماع لمجلس الوزراء الخميس أو الجمعة.

حتى الساعة، لم تتسرب أي أسماء جديدة، كما لا يعرف من سيبقى خارجها من الوزراء الحاليين ومن سيستدعى من الشخصيات اليمينية التي التحقت بالرئيس الفرنسي قبل الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية. وسارع ماكرون أول من أمس ومباشرة عقب تسميته بورن إلى تزويدها بـ«خريطة طريق» عبر تغريدة جاء فيها أن أولويات حكومتها هي «البيئة، الصحة، التعليم، التشغيل الكامل، إحياء الديمقراطية، أوروبا والأمن»، مضيفاً أنه «مع الحكومة الجديدة، سنواصل العمل بلا كلل من أجل الشعب الفرنسي».

لن يكون تشكيل الحكومة عصياً، لكنه صعب بعض الشيء؛ إذ يفترض بها أن تستجيب للأولويات المشار إليها ولوعود ماكرون الانتخابية.

ومنذ تعيينها، أصبحت بورن رئيسة الأكثرية الملتفة حول الرئيس، وبالتالي يتعين عليها أن تقودها لتضمن له الحصول على أكثرية مريحة في البرلمان.

وتخوض رئيسة الحكومة الجديدة غمار الانتخابات للمرة الأولى، ما يعني أنها تفتقر للخبرة الانتخابية، وبقاؤها في منصبها لما بعد الانتخابات مشروط بفوزها بمقعد في الندوة البرلمانية وبالحصول على الأكثرية النيابية. أما بعكس ذلك، فإنها، وفق تقاليد الجمهورية الفرنسية، تفقد مركزها. ورغم أن حصول الانتخابات النيابية مباشرة بعد الانتخابات الرئيسية من شأنه أن يوفر بسهولة للرئيس الجديد الأكثرية التي يحتاجها، فإن الأمور هذه المرة مختلفة بالنظر لتكون ثلاث كتل تحتل المشهد السياسي، وهي كتلة وسطية تلتف حول ماكرون وكتلة على أقصى اليمين وأخرى على أقصى اليسار.

وتأمل مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف التي حصلت على 13.288 مليون صوت وما نسبته 42 في المائة من المقترعين، أن توفر لها شعبيتها المتصاعدة كتلة نيابية وازنة بعكس وضعها الحالي.

لكن الخطر الحقيقي الذي يهدد ماكرون يأتيه من اليسار، حيث نجح مرشح اليسار المتشدد جان لوك ميلونشون في أن يرص صفوف اليسار بتشكيلاته المختلفة (فرنسا المتمردة، الاشتراكيين، الشيوعيين، الخضر)، وأن تقدَّم الترشيحات تحت مسمى «التحالف الجديد الاجتماعي والبيئوي». ويأمل ميلونشون الذي حصل في الجولة الرئاسية الأولى على 7 ملايين صوت، أن تحمله الانتخابات النيابية إلى رئاسة الحكومة في حال حصل تجمعه على العدد الأكبر من المقاعد، لكن استطلاعات الرأي تشير إلى أن ماكرون سيستحوذ على الأكثرية التي يحتاجها.

خوف من عودة «السترات الصفراء»

بيد أن نجاحاً كهذا لن يكون سوى بداية الطريق لإليزابيث بورن؛ إذ تتوقع الدراسات واستطلاعات الرأي أن تعرف فرنسا صيفاً سياسياً حاراً وخريفاً أكثر سخونة نظراً لغلاء الأسعار، أكان ذلك بالنسبة للمواد الغذائية أو الكهرباء والطاقة، أو بالنظر لارتفاع أرقام التضخم وما يعنيه من تراجع القوة الشرائية. وما لا يريده ماكرون أو بورن أو أي من المسؤولين أن تعود فرنسا إلى ما عرفته في 2018 و2019 وحتى 2020 من حركة «السترات الصفراء».

وسيكون على بورن أن تجعل من إقرار تدابير اقتصادية ومالية لمساعدة الفئات المجتمعية الأكثر هشاشة أولى أولوياتها، ما يشكل تحدياً رئيسياً لحكومتها العتيدة. ويترافق ذلك مع رغبة رئاسية في إيلاء الملف البيئي الأهمية التي يستحقها، خصوصاً أن فرنسا تبدو متأخرة قياساً لعدد من شريكاتها الأوروبيات.

لكن الملف الأكثر تفجراً الذي ينتظر بورن عنوانه إصلاح قانون التقاعد. وخلال حملته الانتخابية، أعلن ماكرون أنه يريد رفع سن التقاعد إلى 65 عاماً، مقابل 62 عاماً في الوقت الحالي. وسبق لحكومة إدوارد فيليب أن حاولت تغيير القانون المعمول به في الوقت الحاضر، إلا أنها واجهت معارضة واسعة حيث عرفت فرنسا مظاهرات وإضرابات لم تتوقف إلا مع اندلاع أزمة وباء (كوفيد – 19).

وأمس، سارعت 7 نقابات إلى إصدار بيان مشترك يتضمن مطلبين: الأول، رفع الرواتب والثاني التخلي عن مشروع تغيير قانون التقاعد.

بيد أن الكثير من المراقبين يرون أن رئيسة الحكومة الجديدة أثبتت في السنوات الخمس المنقضية قدرة على الحوار وإنجاز الإصلاحات الصعبة وبالتالي فإنها مؤهلة للسير بقانون التقاعد مع إدخال تعديلات عليه.

باستثناء حزب ماكرون (الجمهورية إلى الأمام) ووزرائه والداعمين له، جاءت ردود الفعل على تعيين بورن سلبية خصوصاً من اليمين المتطرف واليسار المتشدد. ميلونشون رفض اعتبارها تنتمي إلى اليسار وعقد مؤتمراً صحافياً مباشرة بعد تعيينها، مهاجماً ما فعلته في الوزارات الثلاث التي شغلتها، ومؤكداً أنها ستواصل سياسة من سبقها في المنصب. وبحسب ميلونشون، فإن «فصلاً من سوء التعاطي على المستويات الاجتماعية والبيئية قد انطلق»، مضيفاً أن تسميتها «نوع من خداع» الشعب.

وذهب الأمين العام للحزب الاشتراكي في الاتجاه نفسه كذلك فعل التنظيمان الآخران في التحالف: الشيوعي والبيئي. والعنف الخطابي نفسه، ميز انتقادات لوبن لرئيسة الوزراء الجديدة التي رأت أن ماكرون، من خلال هذا التعيين، إنما يواصل «سياسة الاحتقار وهدم (بنى) الدولة والمجتمع والابتزاز الضريبي…»… أما اليميني المتشدد الآخر والمرشح للرئاسيات إريك زيمور فقد رأى أن عام 2022، بسبب تعيين بورن «سيكون عام الخضوع لليسار».