الرئيسية / أبحاث / رؤية للخروج من أزمات لبنان الوجودية

رؤية للخروج من أزمات لبنان الوجودية

ضربت لبنان عاصفتان: وباء الـ”كورونا” وإفلاس الدولة.

أزمة الـ”كورونا” ستمرّ ولو بعد فترة طويلة، لأنّه في نهاية المطاف سيكتشف العلماء اللقاح، ويعود العالم واقتصاده تدريجاً إلى وضعٍ طبيعي بفضل المساعدات الاستثنائية وغير المسبوقة التي اقرتها حكومات العالم.

أما أزمة تعثّر الدولة اللبنانية، التي بدأنا نشعر بقسوتها، فلن تكون أزمة مالية واجتماعية واقتصادية فقط.

ذلك أنّ حجم الخسائر المتراكمة التي يصفها اختصاصيّون دوليّون بأنّها أكبر من خسائر اليونان والأرجنتين، وعجزالحكومة عن تأمين المساعدات المطلوبة لمنع انهيار الاقتصاد، سيتركان بصماتهما ليس فقط على نموذج لبنان الاقتصادي بل على نظامه السياسي وحتى على نسيجه الاجتماعي.

رغم هذا الوضع المأسوي، علينا التحضير للمرحلة الدقيقة والصعبة للخروج منها بأقل ضرر ممكن. لذلك، تواصلتُ في الأسابيع الأخيرة مع أصدقاء ومعارف يعملون في المنظمات الدولية المعنيّة بتقديم مساعدات للدول المتعثّرة، للاستفسار عن شروط الخروج من وضعنا المالي من خلال تجربة البلدان التي مرّت بظروف مشابهة لما يمرّ به لبنان. وكانت هذه الخلاصة:

أوّلاً، نظام سياسي فعّال:

الإنهيار المالي ليس نتيجة فساد أحزاب السلطة وسوء إدارتها فحسب، بل هو انعكاس لنظام سياسي غير فعّال أدّى إلى شلل الدولة مدى عقود. فقد استغلت القيادات السياسية بعض الغموض والثغرات في دستورنا لتحوّله تدريجاً إلى نظام شبيه بالأمم المتحدة التي تملك فيها القوى الأساسيّة “حق النقض” على كل القضايا. نظام الـ”فيتو” المتبادل أو “الفيتوقراطيّة” هو نظام التعطيل المستمر. والشلل يؤدّي عاجلاً أم آجلاً إلى الانهيار.

في غياب نظام فعّال، كان من المفترض أن تَمنَح أحزاب السلطة صلاحيّات استثنائيّة لحكومتها الجديدة لتفادي وقوعها، على غرار سابقاتها، في فخ الشروط والشروط المضادة التي بدأت تظهر.

والتأخير في إعداد خطة إنقاذ شاملة بعدما أعلن وزير المال أنّها لن تكون جاهزة قبل آخر السنة، في حين كان من المفترض أن تُعلن قبل تعليق دفع “الأوروبوندز”، يُعبّر عن عجز هذا النظام عن إدارة أزمة بهذا الحجم. أمّا الخلافات التي ظهرت على “الكابيتال كونترول” والتعيينات في المراكز الماليّة العليا ضمن حكومة اللون الواحد، فجاءت لتؤكد أنّ القيادات لا تزال متمسّكة بدورها وبـ”حق النقض” في الأمور الأساسيّة.

لذلك ستتحوّل هذه الأزمة حتماً إلى أزمة نظام بدأت بانتفاضة 17 تشرين ولن تنتهي إلا باعتماد نظام جديد يجب أن يجمع بين الفعاليّة والديموقراطيّة والتعدّدية، ويأخذ العِبر من تجربتنا الدستورية منذ التسعينات، والتي يمكن اختصارها بالآتي: إنّ الجمْع بين نظام توافقي من جهة وحصريّة تمثيل الطوائف لدى بعض الأحزاب من جهة أخرى، ألغى تداول السلطة والمحاسبة وأدّى في نهاية المطاف إلى الإفلاس والانهيار.

ثانياً، قيادة سياسيّة تعتبر أنّ لا خلاص لها إلا من خلال الإصلاحات:

الإصلاحات موجعة كعمليّة جراحيّة، لذلك فإنّ معظم الحكومات تُفضِّل المسكّنات لشراء الوقت، علماً ان اي إصلاحات لا تعيد التوازن إلى موازنة الدولة هي استمرار في سياسة الهروب إلى الأمام وشراء مزيد من الوقت على حساب الاجيال الجديدة.

أحزاب السلطة في لبنان، كما في كل الدول، معنيّة أوّلاً باستمرارها في السلطة. وبالتالي لن تُقدِم على إصلاحات موجعة إلا إذا اعتبرت أنّ وجودها على المحك. ومن بين كل قيادات البلاد، يعتبر البعض أنّ رئيس الحكومة “التكنوقراطي” هو المسؤول الوحيد المعني بتنفيذ الإصلاحات الضروريّة، فيما الحقيقة أنّ استمراره مرتبط بدعم عرّابيه المحليّين فقط. أمّا القيادات الأخرى، فهي مقتنعة بوفاء قواعدها الشعبيّة لها مهما اشتدت الأزمة، وأنّ الكلام الشعبوي وتحميل المسؤولية للغير مفيد أكثرمن مصارحة الناس. وهذا يؤكد القول الشعبي الذي ردّدناه مراراً: “يلّي خربها، ما بحياتو رجع عمّرها”.

ثالثاً، وجود رؤية واضحة وخطاب سياسي جديد:

في الوقت الذي نعت الحكومة النموذج الاقتصادي اللبناني من خلال السماح بـ “الكابيتال كونترول” والتخلّف عن دفع الديون، كان من المفترض أنْ تكون لديها رؤية واضحة عن النموذج الاقتصادي والاجتماعي الجديد. غياب هذه الرؤية كما التأخير في الخطة الموعودة للدائنين، يفتح الباب أمام تغييرات غير مدروسة أو مرغوبة في نظامنا، ما يزيد مخاوف اللبنانيّين من الوقوع في المجهول.

أمّا خطاب الحكومة السياسي، فلا يزال يفتقد الصدقية لسببين:

أولاً، القيام بإجراءات فورية للحد من اكبر مصدر هدر وفساد وهو محميات الأحزاب: من النفايات الى الاتصالات مرورا بالفيول وبعض المشاريع الكبرى، مليارات تهدر سنوياً ويجب تحصيلها قبل التطاول على المواطن بضرائب جديدة وإنْ كانت ضرورية، اضافة الى انه يجب وضع خطة جدية لاستعادة الاموال المنهوبة ولو تطلَّب ذلك عقداً او عقدين. وعدم محاسبة من تطاول على المال العام هو تحفيز للاستمرار في هذه الظاهرة.

ثانياً، يجب إقناع الناس بأن هناك بصيص نور بعد النفق المظلم. لذلك يجب التركيز على فوائد الإصلاحات الموجعة والتي سترتد إيجاباً بعد سنة أو سنتين على الفئات الأضعف في المجتمع من خلال نمو الحركة الاقتصادية وتأمين العدالة الاجتماعية وخلق فرص عمل والحد من الهجرة. وإنّ خيار الإصلاحات الجذريّة بدعم مالي دولي (يجب التفاوض على شروطه) سيكون أقل وجعاً على اللبنانيّين من الخيار الآخر، أي تفادي الإصلاحات وغياب المساعدات.

للأسف، الحكومة عاجزة عن مكافحة فساد عرّابيها، وبالتالي عاجزة عن اقناع المواطنين بأن التضحيات المطلوبة ستنعكس ايجابا عليهم في المستقبل المنظو.

ويبدو ان لبنان محكوم بالبقاء في دوّامة الأزمات والتراجع في ظل طبقة سياسية متمسكة بالسلطة ومحمياتها، ومقتنعة بوفاء قواعدها الشعبية مهما أفقرت البلاد.

كيف نخرج من قدر الفشل المستمر؟

في غياب شروط الخروج من الأزمة، تسعى “الكتلة الوطنيّة” وبعض المجموعات في المعارضة إلى القيام بخطوات أساسيّة للتحضير للمتغيّرات الآتية والحتميّة:

1. طرح رؤية لبنان الجديد: الأحزاب التقليديّة عاجزة عن تصوّر لبنان الجديد لأنّها مستفيدة من النظام الحالي ومسؤولة عن فشله. وبالتالي، على قوى 17 تشرين أن تلتقي حول رؤية موحّدة تحدّد معالم لبنان الجديد من حيث نظامه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي؛ وأن تشمل هذه الرؤية نظاماً اقتصادياً جديداً منفتحاً على العالم، عادلاً، منتجاً ولا يتّكل على الخارج؛ ونظاماً سياسياً جديداً يتناسب مع متطلّبات إدارة دولة عصريّة بعيدة من الـ”فيتوقراطيّة” والمحاصصة، وتكون في الوقت عينه حامية للتعددية والحرّيات العامة في منطقة تعيش حروباً طائفية و”تنظيفاً عرقياً” وصعوداً للأنظمة الشمولية.

2. وضع خطة إصلاحات شاملة: ثمة ضمن المعارضة طاقات وخبرات في المجالين المالي والنقدي، سواء في داخل لبنان أو في الإنتشار، تُوازي أو تتخطى قدرات الحكومة. وقد برهنت هذه المجموعات على أنّها معنيّة بالمصلحة العامة، والعدالة الاجتماعيّة وسلامة الاقتصاد اللبناني فوق كل اعتبار قطاعي أو فئوي. وبالتالي بإمكان هذه المجموعات وضع مسودة خطة إصلاحات شاملة تكون وثيقة مدروسة وشاملة وطموحة، ومن ثمّ الضغط على الحكومة للعمل بها.

3. التحضير للفوز في الانتخابات النيابيّة المقبلة: تبيّن أنّ الشعب اللبناني أصبح جاهزاً لتغيير قياداته إذا وَجَدَ بديلاً مقنعاً وفق ما أكّدت انتخابات نقابة المحامين. والشعب سيُسلّم مفاتيح السلطة للمعارضة إذا أظهرت أنّ لديها الخبرة والصدقية والإلتزام والطاقات والقيم والقدرة التنظيميّة لإدارة بلد بالغ التعقيد كلبنان. لذلك، بدأت معظم المجموعات المعارضة التنسيق في ما بينها للتحضير للانتخابات النقابيّة والنيابيّة المقبلة من خلال تكوين إطار تنظيمي وبرنامج موحّد وفرز قيادات جديدة من جيل ثورة 17 تشرين.

إنّ لبنان ما بعد الأزمة لن يكون مثل لبنان ما قبل الأزمة، وتقع علينا مسؤولية أنْ يكون أفضل.

اضف رد