رأي: نوبل السلام إلى الامارات

في سنوات العمل الصحافي، كنت كلما أجريت مقابلة مع شخصية سياسية ذات وزن، أستأذِنُ صاحبها إن كان في إمكاني الإدلاء برأي خاص. تستحق التدوين في هذا الباب حادثتان. الأولى في “الكي دورسيه” مع الوزير كلود شيسون. فلما انتهت المقابلة وقمت مستأذناً، لمحت على طاولته صورة الطفلة الفيتنامية التي تبناها. فقلت له، هل هذه ابنتك الأصغر؟ وكمثل الفرنسيين في عواطفهم، طلب مني أن أعود الى الجلوس. وتحدث بعفوية عن قضايا الإنسان ولبنان وفلسطين. وتوقف عند “رفيقنا في الاشتراكية الدولية”.

في تلك السنة، أو بعدها بقليل، قابلت في “الفورين أوفيس” وزير خارجية مارغريت تاتشر، المستر دوغلاس هيرد. وبعكس شيسون وغليونه وأناقته الفرنسية وتلقائيته، كان المستر هيرد، أقرب الى الجفاف، محافظاً بأدب، يرتدي طقماً أقرب الى اللون البني الذي زال في هندام الرجال.

عدت فالتقيت المستر هيرد ثلاث مرات. آخرها في توقيع كتابه بعد تركه الخارجية والعمل السياسي. أما في المرة الأولى، فوقفت مستأذناً وقام يرافقني. فقلت له هل تسمح لي ببضع كلمات. قال تفضل. قلت: أليس من الأفضل لكم ولنا التوصل ال حلول لقضايانا؟ إن دائرة العنف تزداد وتتوسع.

اسرع المستر هيرد الخطى نحو الباب. وشدَّ على يدي بيد من حملة الاثقال. وقال لي تلك الجملة التي لا يمكن أن تُنسى: “نحن، في الغرب، نبدأ في خوف العنف، عندما يصبح في يد الرجل الأبيض”. لا أدري في من كان يفكر هيرد آنذاك: هتلر في بولونيا، ماك آرثر في اليابان، جونسون في الفيتنام.

كان يفكر، على الأرجح، في سفاح كرايستتشيرش بعد 36 سنة، ليس الجنون الجماعي المنظم، بل الجنون الفردي المرضي، الذي يبدأ جرثومة ويتحول وباء بالتلوث والعدوى. وقد تعلم الإنسان من تجارب الطاعون والجدري والهواء الأصفر، أن للحرب على الأوبئة سبيلاً واحداً: نظافة البيئة. وبعد الفي سنة من التجارب، تبين للعلم أن المهندسين لعبوا دوراً أكبر بكثير من الأطباء في إطالة معدل الأعمار البشرية.

الفكر الملوث لا يطيق فكرة الوجود مع الغير. هذه عادة قديمة من أيام التوراة، عندما سمي كل من ليس يهودياً، غريباً. وصنَّف هتلر كل من ليس آرياً، عرقاً دونياً. وكان بين الدونيين “الصفر”، الذين هم عباقرة هذا العصر، والمان الصناعة والتقدم.

ليس الخوف على التفجر بين المسيحية والاسلام ابن اليوم. فالكراس الذي وضعه الاوسترالي برينتون تارانت في 74 صفحة يعيد العالم الى الدانوب وبواتييه. ويبدو من مدى ثقافته أنه لم يبدأ في الحروب الصليبية. وأهل هذا النوع من الرؤوس المتحجرة يعانون انفصاماً صخرياً لا يستوي: الهوية هي الفظاعة، مرتكباً أو ضحية، ولا مكان لعصور السماح ودائرة النسيان في الدماغ البشري، التي منها تنشأ الحضارات والالتقاءات البشرية.

ارتدت جاسيندا أرديرن عباءة سعودية عندما ذهبت لتعزية ضحايا مجزرة المسجدين. وكانت خجلة بالسفّاح وحزينة، فقالت إنه ليس حتى مقيماً في نيوزيلندا، بل هو مشرد الاقامات. إنه عار حتى كزائر. لكن الخلفية الحضارية هنا ليست شرطاً. رجل من نروج، ارتكب من قبل مجزرة مشابهة. كان الألمان أرقى شعوب العالم عندما ساروا خلف هتلر، تاركين خلفهم بيتهوفن وغوته واينشتاين. وفي زمن واحد نشأ هتلر في النمسا، ونشأ ستيفان زفايغ، الذي لم يطق فكرة الحرب حتى في البرازيل، فانتحر مع زوجته.

الأفضل لنا أن نختار من كرايستتشيرش، صورة السيدة أرديرن، بالعباءة السعودية والحجاب المطرّز. فهي في أي حال، السيدة الوحيدة التي اصبحت أماً وهي في رئاسة الحكومة. وقد تركت طفلها للمربية، لكي تتولى هي شؤون الدولة في “أحد أحلك أيامها”. وماذا كانت شؤون نيوزيلندا قبل ان يعبر السفاح الحدود؟ لا شيء. أكبر مرعى للأبقار في العالم، وعشب بلا نهاية، وهدوء مطلق على حافة الأرض.

سرت اشاعات – من النوع الذي يتجدد حول العالم في ازمان الازمات – في السنوات الأخيرة، أن اثرياء اليهود (الذين يقررون أو يعرفون مصائر البشر) يشترون الأراضي في نيوزيلندا، لأنها فقط آمنة إذا انفجر هذا العالم الكثير الفتائل. اصبحت الإشاعات مضحكة الآن. لا أمان حتى في اقصى الأرض.

بسبب فارق الوقت، بدأنا متابعة تطورات المجزرة منذ الصباح. وكان يخطر لي طوال الوقت مشهد واحد: 135 الف شخص يحضرون في أبو ظبي قداساً يقيمه البابا فرنسيس، الذي سبقه شفيعه فرنسيس الذي من أسيزي، الى هذه المنطقة، يطلب انهاء الحروب بين المسيحيين والمسلمين. 135 الف إنسان، من كل عرق وبشرة وأرض، يسجدون على طريقتهم ويبتهلون على طريقتهم، في ما يُعرف، تحبباً، ببلاد زايد.

أُعطيَت نوبل السلام لباراك أوباما مقدماً وباعتبار ما سيكون. وما كان شيء ولا أحد. ومشهد المجزرة المريضة في المسجدين يذكّر العالم بذلك المنظر البشري في أبو ظبي: كأنك في سيدة لورد، أو في القديسة فاطمة في البرتغال، أو حشود القديسة تيريزا.

فلتذهب نوبل السلام هذه السنة الى دولة الآمارات. في الماضي كان البابا يأتي إلى لبنان، باعتباره بلداً رئيسه مسيحي وفيه بطريركية المشرق. الآن يأتي الحبر الاعظم الى دولة في شبه الجزيرة العربية، يعيش ويعمل فيها مليون مسيحي.

ارتقى ذلك المشهد التاريخي في أبو ظبي، مشهد العقول والقلوب والارادات الكبرى، فيما كانت فلول الدواعش تعود مع أفكارها من حيث أعميت. وقد اخذتنا مجزرة المسجدين بهولها وفظاعتها. لكن طوبى لمحبي السلام فهم أهل الدرب الحقيقي نحو الصفح والسكينة. المجرمون ومرضى النفوس، مشاهد عابرة أياً كانت آلامها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*