الرئيسية / home slide / “ذهب مع الريح” الفيلم الأميركي المفضل يمنع تلفزيونيا بتهمة العنصرية

“ذهب مع الريح” الفيلم الأميركي المفضل يمنع تلفزيونيا بتهمة العنصرية

بعد 80 سنة على رواجه العالمي يقع ضحية الوصاية السياسية ويعود الى واجهة وسائل التواصل

هوفيك حبشيان  الجمعة 12 يونيو 2020 13:50
https://www.independentarabia.com/node/126671

من فيلم “ذهب مع الريح” المتهم بالعنصرية بعد 80 عاما على إنتاجه (موقع الفيلم)

أكثر من 80 سنة على إنتاجه وعرضه في الصالات وتحوله إلى أكثر فيلم تحقيقاً للإيرادات (بحسابات فرق التضخّم)، عاد فيلم “ذهب مع الريح” للمخرج فيكتور فليمينغ إلى الواجهة. تحفة السينما الأميركية هي اليوم، نجمة وسائط التواصل الاجتماعي، وتصدّرت كلّ الأخبار الفنية والثقافية، وذلك بعدما أقدمت شبكة تلفزيون HBO Max على سحب الفيلم من جدول برامجها، بحجّة أنه ينطوي على فصول معادية للأميركيين من أصول أفريقية الذين كانوا يعيشون في الجنوب، خلال الحرب الأهلية الأميركية، وتُعتبر، بمعايير اليوم، عنصرية. 

“ذهب مع الريح” يُعد أهم رابع فيلم أميركي بحسب قائمة أعدّها “معهد الفيلم الأميركي”. استفتاءات شعبية عدة على مر الزمن وضعت الفيلم على رأس قائمة الأفلام المفضّلة لدى الأميركيين. إلا أن كثراً من الأكاديميين يعتبرونه عملاً يحرّف التاريخ ولا يرد الاعتبار بشكل كاف إلى ضحايا العبودية. اتهامات بالعنصرية لم تفلت منها أيضاً أفلام مثل “مولد أمة” لغريفيث ووسترنات لجون فورد. 

ردا على مقتل فلويد

القناة سحبت الفيلم من خدمة البثّ الخاصة بها، تنفيذاً لقرار يأتي في أعقاب الاحتجاجات العنيفة التي عمت المدن الأميركية بعد مقتل جورج فلويد خنقاً تحت قدم شرطي أبيض في مينيابوليس، جريمة حملت طابعاً عنصرياً وأغضبت الشارع الأميركي، فقامت انتفاضة شعبية واسعة النطاق ترفع شعار “حياة السود مهمة”، حتى أن بعض التماثيل في الأماكن العامة، التي تجسّد شخصيات تاريخية ارتبطت بتجارة الرقّ لم تفلت من غضب المحتجين، فتم إنزالها من قاعدتها وأُلقيت في النهر.

“ذهب مع الريح” عمل سينمائي أشهر من أن يُعرَّف، مقتبس من رواية شهيرة بالعنوان نفسه لمارغريت ميتشل، صدرت في العام 1936، وتروي فصولاً من سيرة سكارليت أوهارا، ابنة عائلة ثرية من الجنوب تدير مزرعة قطن إبان الحرب الأهلية الأميركية (1861 -1865). في مقدّمة الفيلم هناك قصّة حب، إلا أن السياق الذي تدور فيه الأحداث يضطلع بدور مهم في تشكيل ملامح الحكاية. مشكلة البعض مع هذا الفيلم هي أنه ممعن في الرومانسية، ويقارب موضوع العبودية بشيء من التهميش. مشكلة أخرى تبرز أيضاً عند المنتقدين: ادعاء الرواية بأن النضال كان من أجل استقلالية الجنوب السياسية المهددة من قبل الشمال، لا لأن الجنوب كان متمسكاً بالعبودية، وهذا في ذاته، بحسب البعض، تشويه للتاريخ.

طمس التاريخ

لكن، هل هذا يبرر طمس التاريخ؟ فهناك الكثير من الأفلام التاريخية التي تقدّم قراءات غير موضوعية لأحداث تاريخية تعود إلى أزمنة غابرة، ولا يتفق عليها الجميع، فهل يجوز تهميشها؟ ومَن يحق له أصلاً ممارسة هذه الوصاية الفنية على الآخرين؟ ربما لو لم يتعلق الأمر بملحمة سينمائية ذائعة الصيت كـ “ذهب مع الريح” لما اهتم أحد بهذا الخبر. لكننا أمام فيلم كبير يعتبره النقّاد السينمائيون ذروة الفنّ الكلاسيكي، وقد تربت عليه أجيال عدة في جميع أنحاء العالم، وهو قبل أي شيء آخر، نصّ سينمائي ممتاز إخراجاً وتصويراً وتمثيلاً وموسيقى، فاز بعشر جوائز “أوسكار”، منها جائزة أفضل ممثّلة في دور ثانوي لهاتي ماكدانيال عن دور الخادمة السوداء التي اضطلعت به في الفيلم، لتصبح أول ممثّلة سوداء تنال هذه الجائزة. 

أشلي ويلكس وفيفيان لي في فيلم “ذهب مع الريح” (موقع الفيلم)

في رأي HBO Max أن الفيلم الذي يصوّر المظالم العرقية التي كانت شائعة في أميركا، كان مناسباً بلا شك للحقبة التي أُنتج فيها، لكن المفاهيم اليوم تغيرت والعالم تطور والكثير ممّا كان مقبولاً في الماضي يحتاج اليوم إلى شرح كي لا يؤخذ كشيء بديهي. أما الأقليات المهمّشة فلم تعد كذلك؛ بات لها دور فعال داخل المجتمع. من هنا، جاء الشعور بأن إبقاء هذا الفيلم داخل البرمجة الخاصة بالقناة، من دون الإحاطة بتفسير أو تنديد بتلك الممارسات هو أمر غير مسؤول، علماً أن الفيلم سيُعرض من جديد على الشبكة مصحوباً بمناقشة لسياقه التاريخي تحمل إدانة واضحة وصريحة للعنصرية. إذاً، إنها محاولة لإعادة وضع الفيلم في سياقه التاريخي والزمني، ولا يمكن وصف الخطوة التي أقدمت عليها المحطة بالرقابة.

مزايدة فولكلورية

كثر من المعلّقين على الحدث، وربما أكون منهم، اعتبروا ممارسة كهذه تدليساً سياسياً ومزايدة فولكلورية لا فائدة منها سوى الخضوع للعبة الليبراليين، وفي أفضل حال بلوغ مستويات جديدة من تطبيق ما بات يُعرف بالصوابية السياسية، خصوصاً أن الفيلم عن حقبة ماضية، لا يكمن نكران ما حصل فيها، وهو لا يدعو، كما يدعي البعض، إلى العبودية، بل يعرضها ويصفها. هناك حتى مَن ذهب أبعد من هذا في الاتهام، واعتبر أن المسألة برمتها تقع في خانة التجاذبات السياسية بين الديمقراطيين والجمهوريين، عشية الانتخابات الرئاسية الأميركية (نوفمبر – تشرين الثاني 2020)، مذكّراً بكلام الرئيس دونالد ترمب بعد فوز “بارازيت” بجائزة الـ”أوسكار”، حيث قال إن على الأميركيين أن ينجزوا أفلاماً على نسق “ذهب مع الريح”. فهل يُمكن النظر إلى سحب الفيلم كنوع من تصفية حساب مع رئيس بات كثر من الأميركيين يبغضونه وينتظرون رحيله؟ 

أياً يكن، فأميركا، ومعها بعض الدول الأوروبية، تحاول منذ بضع سنوات إعادة النظر في تاريخها غير المشرف أحياناً، لكتابته من جديد، فتشكيل وعي يليق بالإنسان في القرن الحادي والعشرين. إنسان يستطيع أن يعيش مع الآخر بسلام ووئام. والفنّ، هو المتهم الأول والضحية الرئيسية في هذه المعركة الجديدة، كي لا نقول إنه كبش محرقة. فهل يجوز العبث بالأعمال القديمة التي هي وليدة زمنها، وشاهدة على فترة محددة، وإن كانت شاهدة زور أحياناً. وهل تحطيم الأصنام، سيحسّن الحاضر؟ ثم، في هذا الزمن الذي تغلب عليه الصوابية السياسية، هل من المنطقي الدعوة إلى أن تشارك جهات عدة في كتابة سيناريو أي فيلم، كي تتمثّل من خلاله كلّ الأقليات. أي فنّ سيولد من هذا المنطق القائم على المحاصصة؟

وصاية سياسية

في أي حال، تبيّن في الفترة الأخيرة، أن وصاية الصوابية السياسية على الفنّ أخطر بأشواط من وصاية السلطات التقليدية. السلطة يمكن الوصول معها إلى تفاهم أو الالتفاف على محظوراتها، وفي أسوأ الأحوال المراهنة على تبدّل مصالحها. أما الصوابية السياسية فيبدو أنها في الطريق إلى صوغ الذوق المعولم الجديد، وصولاً إلى أن تصبح المرجعية الأخلاقية الوحيدة في هذا الزمن. فسنتعاطى حينها مع فنّ مساوم يرضي الجميع، فنّ بلا لون أو “طعم”.

رواية “ذهب مع الريح” بالإنجليزية (دار النشر)

وبحسب جون ريدلي، كاتب السيناريو الذي وضع نصّ “12 سنة عبداً” لستيف ماكوين، يمجّد الفيلم الجنوب قبل اندلاع الحرب الأهلية. لا يتجاهل فقط الرعب المرتبط بالعبودية في تلك الفترة، بل وأيضاً فيه الكثير من التنميط في حقّ الناس الملونين. أما المخرج الأفرو أميركي سبايك لي الذي لطالما روى سيرة نضال أبناء جلدته على الشاشة، فيقول إن “ذهب مع الريح” هو أحد دوافع استمرار العقلية العنصرية عند الأميركيين، ذلك أنه يقارب الجنوب الأميركي والعبودية من باب الرومانسية، ومن خلال القول إن لا علاقة بين الحرب الأهلية والعبودية. في نظره، أن في أفلام كهذه تكمن القوة الناعمة للسينما كأداة توظيف. الفكرة النمطية كلما تكررت، ترسّخت أكثر في الأذهان، لتتحوّل أخيراً إلى حقيقة. يرى سبايك لي أن “ذهب مع الريح” ليس الفيلم الوحيد الذي يندرج في هذا التقليد الذي أضرّ بالأميركيين من أصول أفريقية كثيراً.  

من سخرية القدر أن الطلب على الفيلم على موقع “أمازون” ازداد مند انتشار خبر سحب الفيلم من HBO Max، ليبلغ المرتبة الأولى في قائمة الأكثر طلباً. وقد يكون هذا درساً للوبيات التي تحرك قضايا لا قيمة لها في زمن كورونا والضائقة الاقتصادية، وتحاول فرض مفاهيمها الخاصة، وهي غالباً مفاهيم ضيقة، على الفنّ وعلى كلّ شيء لا يتماشى مع أجندتها السياسية ونظرتها إلى الأخلاق. لكن في دول قائمة على مؤسسات وعلى تقديس حرية الرأي، لا يعدو الأمر أحياناً أكثر من ضجّة أعلامية مفتعلة.