ذلك المجد الذي لا يُمهل

حسن داوود 
القدس العربي
14032019

أتاحت لنا شيرين أبو شقرا أن نسمع أغنيات المطربة وداد، جميعها ربما. ذاك كان ممكنا ومن طرق عديدة أتاحتها الوسائط الجديدة للتواصل والمعرفة، لكننا لم نبادر إليه. مع أغنياتها كنا نرجع إلى زمن أسبق، كانت فيه الأغنيات تُكتشف اكتشافا. ذلك مثل أن يقول ساهر معنا إنه اهتدى إلى أغنية جديدة وهو راغب في أن يسمعنا إياها. مع وداد الأفضل أن نظل في زمنها، الذي أدركته شيرين أبو شقرا في فيلمها، وهو ليس زمن الغناء وحده، بل زمن الماضي كله. غرام الماضي وشكواه، عاشقات الماضي، وكذلك نساء الماضي. حين نسمع أغنية «بتندم»، نجدنا الآن راغبين بأن نقع في غرام امرأة من زمن وداد، من زمن أغنيات وداد، بل من زمن صوتها. ربما كان هذا بعدا إضافيا لما ذكره الموسيقي عبد الرحمن الباشا، وهو ابنها من الموسيقي توفيق الباشا، عن «صوتها المتصل بالحنين»، «وهنا تكمن قيمته الشعرية» كما قال. النساء اللواتي ظهرن في الفيلم كن يمثّلن غرام المرأة في ذلك الزمن، حيث يظهرن عديدات في مكان واحد، ووحيدات مع عالمهن السري، ومشتركات، وإن بخفاء، في انكشاف أجسامهن وفي ظهورهن على صفحة مرآة واحدة. ثم هناك بيوت ذاك الزمن وبناياته، سواء ما نقلته الصور عن الباقي منها أو المرسومة بالقلم الأسود، ثم وأيضا في الفيلم، تلك المرأة العاشقة متنقّلة بين قطار أعتقه الزمن وبيوت مهجورة.
عرض فيلم «لحظة أيها المجد» في دار النمر لذكرى وداد بمناسبة انقضاء عشر سنوات على رحيلها. كانت في المستشفى حين أجرت معها شيرين أبو شقرا ذلك اللقاء المصوّر، بل ربما كان المشهد الأخير في الفيلم هو اللحظات الأخيرة من حياة الفنانة، إذ يُختتم الفيلم بمشهد دخول وداد، مودِّعة في ما هي مسجّاة على سرير متحرّك، إلى غرفة العمليات. في مشاهد سبقت ذلك، روت كيف كانت تغني، وهي بعد طفلة، أغنية «سجى الليل» لمحمد عبد الوهاب. وإذ سمع الأخير تلك الأغنية بصوتها، أخذه العجب من هذه «العاشقة الطفلة». لكن لم يتسن لها أن تأخذ منه لحن أغنية واحدة، هو الذي خصّ أكثر المطربات العربيات بإبداعه. كان ذلك من سوء طالعها، أو من كبريائها، ربما إذ كان عبد الوهاب قد اشترط عليها أن تغني أغنياته القديمة أولا وهو أصرّ. «جاء إليّ مجدي العمروسي حاملا العقد وقال لي يمكنك أن تطلبي المبلغ الذي تريدينه».

كاميرا شيرين أبو شقرا وقفت طويلا في لقطاتها المقرّبة من وجه وداد. في أحد المشاهد راحت بالتمتمة وبصوت مكتوم ترافق أغنية استعيدت لها هناك في المستشفى.

بليغ حمدي قال لها أيضا أن لا أحد يرفض طلبا مثل هذا. سليم سحاب قال في ليلة ذكراها تلك أنها، لو أدّت بصوتها أغنيات موسيقار الجيل، لكانت أغنت الطرب العربي.
كاميرا شيرين أبو شقرا وقفت طويلا في لقطاتها المقرّبة من وجه وداد. في أحد المشاهد راحت بالتمتمة وبصوت مكتوم ترافق أغنية استعيدت لها هناك في المستشفى. قالت إن نفسها لم يعد يساعدها. والمرات القليلة التي ارتفع فيها صوتها راحت تردّد « ألله.. الله.. يا عيني»، منذهلة بجمال الصوت، صوتها، الذي تسمعه، كأنها لا تكاد تصدّق أن هذا ما كانته». فريد الأطرش أيضا أرسل من يتصل بها، لكن حين رأى أهلها كيف يجري تقبيل الممثّلات في الأفلام، رفضوا جارّين إياها من شعرها «الذي كان طويلا في تلك الأيام». كان وجود الأهل واحدا من أسباب عدم بلوغها النجاح الكبير الذي تستحقه. قالت أيضا في الفيلم إنها ضيّعت فرصة أن تشترك هي وفيروز في مناسبة موسيقية تجمعهما معا: فيروز عن لبنان وهي عن العراق، ربما العراق، حيث، فيما يتعلّق بنسبتها إلى بلد يصير الكلام مبتورا ولا يكتمل. «لو صار هيدا وين كان إسمي هلّق، وين؟». تذكر اسم جدّها لأمها، وهو عزرا حسقيال بنيامين، وهو يهودي روسي كما قالت «وكان يملك ربع روسيا»، وهي تستطيع أن تذهب وتطالب بحقّها هناك إن شاءت. أما خالتها فهي بهية المصرية التي، لجمالها الأخاذ، غُنيّت لها «يا عيون بهية» الشهيرة! ثم، في مكان آخر من ظهورها في الفيلم قال لها… ومن دون أن نعرف من هو الذي قال وفي أي مناسبة: «بسّ إنتِ يهودية» وهي أجابته «إي يهودية،.. ليه عمتنفعوا فيّي هيك؟». قبل ذلك، في الفيلم أيضا، قالت إنها كذلك، لكن في ما يشبه الاعتراف: «إي، يهودية.. أنا بحكي الحقيقة».
عوائق كثيرة حالت دون أن تبلغ بهية عواد النجومية الرفيعة التي كانت تستحقها، بحسب عنوان الفيلم (لحظة أيها المجد) كان الزمن يسير مسرعا لا يُمهل «عْطوني أسبوع حتى فكّر» قالت لمجدي العمروسي حامل العقد من محمد عبد الوهاب. كان يريد منها أن توقّعه الآن وإلا فلا. ثم هناك الأهل، ثم هناك الاسم الغريب لذلك الجد الروسي، ثم إلخ.

٭ روائي لبناني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*