ذكّرني العائدون إلى سوريا

غسان حجار
31072018
النهار

رأيتهم بالأمس يجمعون أغراضهم وينتظرون الباصات التي تقلّهم إلى مسقطهم. هناك حيث ولدوا وتربّوا وكبروا بالسن والنعمة. نعم بالنعمة لأنّها تحل في أرض الآباء والأجداد. سيعودون حتماً إلى أمكنة ربّما باتوا يشعرون فيها بالغربة لأن لا بيت صامداً، ولا مقوّمات للحياة. سيبكون الحجر الذي عمّروه فوق آخر فكان لهم منزلاً يؤويهم غدر الزمان. هكذا ظنّوا، لأن الغدر لحق بهم وهجّرهم من ديارهم، فحولهم غرباء نازحين لاجئين بلا وطن ولا كرامة.

اللّاجئون السوريّون نريدهم أن يُغادروا ويعودوا إلى أرضهم، لا حُبّاً بهم كما يعلن البعض كذباً، بل لتخفيف الحمل الثقيل على لبنان واقتصاده ومجتمعه. ومع ان لبنان يعرف بحسن الضيافة، لكن الضيافة لا تتسع لمليون ونصف مليون، ولأن خبرتهم سيئة جداً مع اللاجئين الفلسطينيين. لكن الرفض ليس عنصرية كما يحلو لبعض المغالين ان يعلنوا في بيانات مرتبطة بمساعدات منظمات دولية لا تدفع متوجباتها الا لقاء تلك البيانات. في العادة لا نرفض سوريّين ولا أي كان من جنسيّة أخرى، إذا كان يملك المال ويقيم الاستثمارات، إلّا أن الفقراء منبوذون في كل زمان ومكان، ليس فقط في بلدان اللجوء، بل أيضاً في أوطانهم. امام هذا الواقع تزول العنصرية.

ذكّرني العائدون – النازحون – اللاجئون – المهجّرون، بما عاناه اللبنانيّون زمناً عندما هجَّر بعضهم البعض الآخر، وساهم اسرائيليّون وسوريّون وفلسطينيّون في هذا التهجير. وعادوا بعد زمن، فاقدي الثقة بالبلد، وبمؤسّساته، وبشريكهم في الوطن. ولم يعمل أحد حتّى تاريخه على رأب هذا الصدع، ومعالجة آثار التهجير والقتل، إلّا باحتفالات يتقدّمها الرسميّون من قادة الميليشيات، وتلتقط لهم الصور لاستغلالها في الانتخابات والحملات البلديّة. معالجة ندوب الذاكرة لم تتم. وكذلك المصالحة الحقيقية التي تزيل كل الرواسب من دون ان تسقط الاحداث من الذاكرة.

ذكّرني العائدون إلى سوريا، وبعضهم واجه آلة القتل مع “داعش”، باللبنانيين الذين قتل لهم أقارب، والذين خُطف ذووهم، وقبعوا طويلاً، أو قليلاً، في سجون الميليشيات، وبعضهم في السجون السوريّة، وكثيرون ماتوا تحت وطأة التعذيب.

عندما ننظر في المرآة، وفي الماضي القريب الذي اختبرناه، تتبدّل نظرتنا إلى اللاجئين – النازحين، لنفكّر جديّاً في ضمانة عودة آمنة لهم، فلا يهربون من “داعش” ليسقط بعضهم في أيدي النظام، ولا يعودون إلى حيث لا مأوى ولا مأكل ولا مشرب.

في الواقع، لا نتحمّل مسؤوليّة الظروف الحياتيّة التي ستُواجههم، بل ان دولتهم، ومؤسّسات الأمم المتحدة، ومنظّمات الاغاثة الدولية، هي المسؤولة مجتمعة، لكنّنا أيضاً نعرف أن كثيراً من عمل هذه أو تلك يكون إعلاميّاً أكثر منه فاعلاً بجد، ويكون موقّتاً قبل أن يترك الناس لمواجهة مصيرهم وظروفهم القاسية بعيداً عن الكاميرات وبهرجة المهرجانات.

ذكّرني العائدون إلى سوريا، بقرى العودة اللبنانيّة. أعادني إلى بلدتي في ثمانينيات القرن الماضي، عندما لحق بها التهجير والاضطهاد والقتل. لا أريد أن أفتح صفحات الحرب مُجدّداً، لكنّي أود لو ينعش اللبنانيّون ذاكرتهم الجماعيّة فلا يسقطوا مُجدّداً، وأبداً، في تلك التجربة، تجربة الاقتتال، والتهجير، والعودة المنقوصة.

ghassan.hajjar@annahar.com.lb / Twitter :@ghassanhajjar

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*