الرئيسية / home slide / ذكريات الطفولة في جليل الستينيات: آلام المسيح الشرقي… بحسب فيروز

ذكريات الطفولة في جليل الستينيات: آلام المسيح الشرقي… بحسب فيروز

باكراً، بدأ عشّاق فيروز (21 تشرين الثاني/ نوفمبر 1935) بمعايدتها هذا الأسبوع عبر مواقع التواصل الاجتماعي. في هذه المناسبة، نقدّم دراسة للباحث والموسيقي الفلسطيني الذي ينطلق من ذكريات طفولته في الجليل في الستينيات على صوت «الأم الحزينة» التي رسمت لكل الأمّهات وجهاً واحداً متألّماً. تشكّل أسطوانة «الجمعة الحزينة، ترانيم دينية- فيروز» التي تحتوي على عشر تراتيل مرتبطة بأسبوع الآلام وعيد الفصح لدى المسيحيين، موضوع هذه الدراسة، نظراً إلى أهميتها وسابقيتها لدى طرحها عام 1965

متى نشأتَ في قريتي الجليلية (1) وحملتْ ذاكرتُك تفاصيل أواخر الطفولة من نهاية الستينيات، كان أوضحَها على الأغلب فصلُ الربيع، إذ يأتي متوّجاً بعيد الفصح، أو على الأصح أسبوع ترقّب «العيد الكبير» (أسبوع الآلام). حين طفحت الكروم والحواكير بشقائق النعمان والصفّير خصيصاً لتلوين البيض. ورائحة المستكى والـ«محلب» في كعك العيد المخبوز بالـ«عجوة» زاحمت عبقَ الملابس الجديدة على وقعها في الذاكرة. كل هذا أتاك موشّحاً بصوت فيروز النافذ من كل الشبابيك: «أنا الأمّ الحزينة، وما من يعزيها»! تصحبه نغمات الأرغن المعدنيّة الموجعة كالمسامير. من هي هذه «الأم» الحزينة رغمَ بريق الملابس وبهجة السكّر المطحون على حبات المعمول؟ هل هي أمك؟ جدتك؟ جارتكم؟ ومن هي «فيروز» هذه التي ترسم لكل الأمّهات وجهاً واحداً متألّماً طيلة الأسبوع الربيعيّ المُشمس؟!

متى عُدتَ إلى قريتي الجليليّة بعد عشرين، ثلاثين أو خمسين عاماً، وحاولت أن تُلملِم منثورات الذاكرة الستّيناتية، وجدتَ الحواكير قد تراجعت بأقحوانها وبرقوقها أمام الإسمنت، والبيضَ يُصبغ بالألوان الفوسفورية المصنّعة في الصين، والكعك أصبحَ يُشترى جاهزاً معزولاً بالنايلون، ليبقى بريئاً من بعثِ ذكريات الـ«محلب» في المكان. حينها، تدرك أن عالمك الروحيّ الأول قد تلاشى مع وجوه الراحلين، ولم يتبقَّ من كلّ ما ألِفتَ إلا ثابتٌ واحدٌ وحيد، هو «صوت فيروز» الذي لم يزل ينفذ من كل الشبابيك وبنفسِ الأسى: «أنا الأمّ الحزينة، وما من يعزّيها»! تصحبه نغمات الأرغن المعدنيّة الموجعة كالمسامير.

ad

مِن لبنان
في عام 1965، صدرت عن «صوت الشرق» في بيروت الأسطوانة: «الجمعة الحزينة، ترانيم دينية-فيروز». تحتوي هذه الأسطوانة على عشر تراتيل مرتبطة بأسبوع الآلام وعيد الفصح لدى المسيحيين. قبل التطرق إلى أهمية وسابقية هذه الأسطوانة، وهي محور هذا المقال، تقتضي الإشارة إلى كون المدرسة الرحبانية أطلقت عام 1966 أغنية «غنّيتُ مكّةَ»، بصوت فيروز، وهي من ألحان عاصي الرحباني وكلمات سعيد عقل.

تحيّة الفنان السوري بطرس المعرّي لفيروز في عيدها الـ 87

الإطلاق كان عبر التلفزيون الكويتي، ومن ثم بثّها التلفزيون السعودي، وكان ذلك أول ظهور لسيّدة على شاشة التلفزة السعودية.
أمامنا إذاً ظاهرة لافتة، حين تبادر تشكيلة من المبدعين اللبنانيين إلى هذين الإصدارين في عامين متتاليين، وكل إصدار منهما هو، بخصوصياته، بكريّ من حيث التخاطب فنياً مع شريحة دينية ما من شرائح المجتمع اللبناني، والعربي عموماً. وما يوحّد هذين الإصدارين ويلعب الدور الأهمّ في نجاحهما هو «صوت فيروز» من دون شك. قد تتضح معالم الصورة أكثر إذا تذكّرنا أنّ الإذاعات اللبنانية والسورية احتضنت الأخوين الرحباني ونهاد حداد منذ مطلع خمسينيات القرن الماضي، إلى جانب حليم الرومي، صبري الشريف وآخرين. هذه المجموعة الشابّة كانت واسعة الثقافة والاطلاع وقوية الانتماء أيضاً. من تطلّعاتها كان رسم ملامح خاصة لصوت وشخصية الوطن اللبناني، الشابّ حينها. أو مهمّة إثبات جدارة لبنان بالتحول من «جبل لبنان» كإقليم سوري، إلى «دولة لبنان» المستقلة بكلّ شيء بما فيها الموسيقى والفنون! هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى التمسك بالوشيجة العربية، بل العروبية، لهذا الوطن وتوكيد عدم تناقضها مع الانفتاح على الثقافة والفنون العالمية. وللخلاصة فإلى جانب التنوّع الديني والمذهبي واقترابه من التوازن، أكثر من أي دولةٍ أخرى، فإنّ استقلال لبنان كدولة جديدة، بإذاعة وأصوات جديدة، أوجبَ خلق رُؤى ثقافية ومقولات فنية جديدة لكي لا يبقى استقلالاً «على الورق». من هذا العنفوان ومن هذا الشغف المحسوس بكسر الجمود الفني السائد، ولدت «المدرسة الرحبانية».

لماذا صوتها؟!
في صوت نهاد حدّاد، توافرت مزايا خاصة ساعدت على ولادة فيروز المُثلى في خمسينيات القرن الماضي. إلى جانب جمال الصوت، دقّة الأداء ومخارج الحروف، يأتي ضبط النفْس والتعبير المحايد والمتمنّع عن الإفشاء بأي أحاسيس آنيّة أو بأي انفلات شعوري (قارن مثلاً مع صوت أم كلثوم في عشرينيات عمرها)، فيبدو أن عاصي بحث عن صوت «موضوعي» نتائجه مضمونة، عن صوت مدروس مهندَس إلى حدٍّ ما، بمعنى أنه غير خاضع للمزاج اللحظي. كما أنه صوت مقتصد جداً بالحليات الشرقية، وتلك لا تأتي إلّا عفويّةً ومرتجَلة. أرادهُ صوتاً يصدح خارج المُعجَم «الشرقي التطريبي» المتوارَث والمألوف حدّ الإنهاك، وللخلاصة أراده صوتَ المغنّية لا المطربة! ولولا تبنّي نهاد حدّاد لهذه المعايير وتذويتها بالكامل، لما ولدَت «الأغنية الرحبانية». سريعاً سيأتي الاقتناع الجماهيري بفكرة «الصوت الملائكي» وبالشخصيّة المرفّعة عن الملموس اليومي والعادي.
هكذا لم تمر أكثر من عشر سنوات على زواج فيروز من عاصي (1955) حتى كانت المدرسة الرحبانية قد أثبتت أصالتها الفنية وصدقيّتها الشعبية بل الإنسانية، إلى حد جعل فيروز الصوت الأنسب، إن لم يكن الوحيد القادر على تخطي كل الحواجز الدينية والقومية من دون أي تردد أو تلكّؤ، ومن دون إثارة أيّ استهجان، مثلاً، لقيام سيّدةٍ سريانيّة الديانة، بأداء «غنيتُ مكّةَ أهلَها الصِّيدا»، من ألحان زوجها، الأرثوذكسي، وكلمات سعيد عقل، الماروني! تماماً كما ستغني لاحقاً من أعمال نفس الشاعر والملحن «سيفٌ فليُشهَر-أجراس العودة فلتُقرَع». ولعلها من أكثر الأغاني حماسةً لفلسطين، إن لم تكن أكثرها. المراد هنا أن صوت فيروز طرح نفسه على العالم كقطعة بلّورٍ أمينة، تتلألأ فيها جميع الرؤى الحداثية التي شكّلَت المناخ اللبناني يومها. وهو كما نرى مناخ تقدّمي يطرح معايير حديثة للنغم والفكر، لجمال الطبيعة والإنسان كما لجمال الروح والعقيدة. وهو مناخ وحدويّ يبحث بصدق عن المشترك لجميع شرائح مجتمعه ودياناتها.

تجديدات أسطوانة «الجمعة الحزينة» (2)

◄ صوت المرأة
هناك تحفظ تاريخي شديد على استخدام صوت المرأة في القداس الإلهي المسيحي (ليتورجيا). وهذا يشمل عموم الكنائس المسيحية شرقيةً كانت أم غربية. مع ذلك، أصبحت الكنائس أخيراً تبدي بعض الليونة بخصوص مشاركة أصوات النساء في تراتيل المواسم (باراليتورجيا)، وتسمى بالعربية «رُتبة» تمييزاً لها عن «قداس». والفارق هو أن القداس هو الطقس الرسميّ ويتمحور حول تقديس القرابين (الخبز والنبيذ) والمناولة، وهو يقام أساساً أيام الأحد وفي صباحات الأعياد الهامّة، في حين أن صلوات الـ«رُتبة» لا تتضمّن تقديس القرابين، وتقام إحياءً لأحداث تاريخية دينية، مثل مدائح السيدة العذراء في فترة الصيام الأربعيني، وينتهي بـ«أسبوع الآلام» الذي يتضمن صلوات رُتَب: «خميس الأسرار» و«الجمعة الحزينة».
قد يختلف الأمر بعض الشيء بالنسبة إلى الكنيسة السريانية والمارونية، إذ تفيد الشهادات بأن إدماج صوت المرأة هناك عادة قديمة لا مستحدثة. كذلك الأمر بخصوص استخدام الآلة الموسيقية في الكنيسة، وهو معتاد لدى السريان والموارنة في حين بقي محظوراً في الكنائس البيزنطية حتى يومنا.
• دمج مواريث كنسية لطوائف مختلفة، بل متباينة! بدليل أنها لم تأتلف من قبل.

بهذا الإصدار، تم توكيد المقام المشترك (بازدواج المَعنى) لترانيم معظم الكنائس المتواجدة في منطقتنا، إلى درجة أنه يصعب اليوم على كثير من المسيحيين، حتى المرتلين، أن يمايزوا ما بين الأصول المذهبية لتراتيل هذه الأسطوانة.
• نقل هذه التراتيل من الحيّز الديني-الكنسي إلى الحيّز الفني-الثقافي العام، وباللغة العربية!
لا مانعَ دينياً من نشر التراتيل والصلوات المسيحية عبر الأسطوانات أو الإذاعة، مع ذلك لم يبادر أحد في الشرق إلى إصدار كهذا من قبل. ومن لحظة إصدار هذه الأسطوانة، أصبح بمقدور أي شخص أن يستمع إليها في كل زمان وكل مكان يشاء ولم تعُد محصورة بفترة، طائفة أو دور عبادة معيّنة، بمعنى تعميم هذه المواريث المسيحية- الشرقية وتقريبها من جميع ناطقي العربية في العالم على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم.
بالنتيجة، تحولت هذه الأسطوانة تحديداً إلى أيقونة روحيّة-فنيّة تلخّص عِبَر «أسبوع الآلام» بكل ما فيها من ألم وتضحية وفداء منذ الستينيات حتى يومنا (3). وبذلك، فهذا الإصدار ساعد على توطين المسيح كشخصية بطولية-تراجيدية في ثقافتنا العربية، وترسيخ ملامحه الشرقية المنتمية لمناخاتنا، بخلاف المخيال الغربي-الهوليوودي القائم على شخص أشقر الشعر وأزرق العيون، ناهيك بأن أداء فيروز لهذه التراتيل أصبح أنموذجاً يقلّده بعض المرتلين والمرتلات في الكنائس، فبعض المستمعين الشبّان أصبح يعتقد أنها «فيروزية» الأصل!

«مُصَلّاة» شرقيّة عربيّة

انتقاء التراتيل وترتيبها في الأسطوانة، يكشف المستمع إلى طيف ديناميكي واسع من الأحاسيس والشخصيات والمواقف، ابتداءً من صوت الأم، إلى صوت الابن، إلى انفعالات الجمهور المحيط، وصولاً إلى الذروة الدرامية لهذا العمل وهي موقف الصلب نفسه: «اليوم علّق على خشبة»، بعدها تراتيل الدفن والرثاء، وتُختتم ببهجة القيامة وهي خلاصة وزبدة هذا الركن الأساسي في العقيدة المسيحية: عيد القيامة.
1. «أنا الأمّ الحزينة، وما من يعزّيها»، بلسان مريم العذراء. موروث سرياني/ماروني.
2. «طرق أورشليم نائحة»، وصف عام لمشهد المدينة وخلوّها من الفرح. كلمات وألحان الأخوين رحباني، مع أن اسمهما لا يظهر على الأسطوانة.
3. «يا شعبي وصحبي أين عهدُ الإيمان»، بلسان السيد المسيح. لحنها يشابه، بل يطابق «الأم الحزينة»، ما يرجح كونهما من مصدر واحد. سرياني/ماروني.
4. «قامت مريم بنتُ داود حذاءَ العود»، بلسان المشاهدين للعذراء وهي تبكي ابنها. موروث سرياني.
5. «واه حبيبي، أي حالٍ أنت فيه»، رثائية بلسان عذارى أورشليم. هي غالباً من الموروث اللاتيني وقد تكون عُرِّبَت وانتشرت عبر الكنيسة المارونية. وما يدعم هذا التحليل هو وجودها ضمن تراتيل الكنائس اللاتينية بلغاتٍ أجنبية (4).
6. «اليوم عُلِّقَ على خشبة» وصف مهيب لمشهد الصلب. موروث بيزنطي.
7. «يا يسوعُ الحياة، في قبرٍ وُضِعتَ»، مشهد الدفن. كلمات الأصل اليوناني واللحن للأبّ السوري رومانوس الحمصيّ المرنّم (ت 560م.). بيزنطي.

8. «كامل الأجيال تُقرّبُ التسبيحَ». رثائية. بيزنطي.
9. «استنيري-إنّ الملاكَ تفوّه نحوَ المُنعَمِ عليها، أيتها العذراءُ النقيّةُ افرَحي»، تبشير للسيدة العذراء بقيامة ابنها. كلمات الأصل اليوناني للقديس يوحنا الدمشقي (ت 749م.). بيزنطي.
10. «المسيح قام من بين الأموات»، كلمات الأصل اليوناني للقديس يوحنا الدمشقيّ. بيزنطي.
رغم أن الأسطوانة لا تحمل اسم «الأخوين رحباني»، إلا أن أسلوب الأداء والتوزيع يحملان بصمات عاصي بوضوح. وهنا نقول إن جمع هذه المواريث المختلفة في إصدار واحد أتاح لعاصي الإفادة من: حريات وليونة توفرها التقاليد المارونية/ السريانية، مثل استخدام الآلات بحرية، ودمجها بأصوات الجوقة المختلطة. هذا إلى جانب الفائدة الجوهرية المكتسبة من عراقة الموروث البيزنطي، خاصةً في ما يتعلّق بموضوع «القيامة» (5). وهذا ما يلمسه المستمع بالانتقال من التراتيل الخمس الأولى، السريانية/ المارونية، إلى الخمس الأخيرة، البيزنطية، وهي صوتية محضة وتبتدئ من ترتيلة «اليوم علّق على خشبة».

الارتباط الماروني الوثيق بالجذع السرياني، أسهم في نشر التراتيل القديمة في لبنان باللغة العربية


بالنتيجة ومن تتبّع التسلسُل الدرامي لمواضيع التراتيل كما استعرضناها أعلاه، نرى أن عاصي قصد بهذا تقديم «مُغنّاة دينيّة» أو «مُصَلّاة» شرقيّة عربيّة، وهي سابقة أخرى في محيطنا الشرقيّ رغم كونها معتادة في الموسيقى الأوروبية الدينيّة منذ قرون. قام بعض كبار موسيقيّي أوروبا بتناول روايات دينيّة من الكتب المقدّسة وتلحينها بشخصياتها وحواراتها، وتقديمها على المنصّة بمشاركة مغنّين ومغنّيات وجوقات وأوركسترات موسيقية. وهذا من دون أي استخدام لحركة أو ديكور أو باقي العناصر والمؤثرات «المسرحية». هذه الروايات الدينية المغنّاة سميّت «أوراتوريو»، تمييزاً لها عن «الأوبرا» العلمانية والمُمَسرحة. وفي هذا المضمار، اشتهرت بشكل فارق أعمال باخ الذي تناول «آلام المسيح» تحديداً، طبقاً لرواياتها في الأناجيل الأربعة، ووصلنا منها: «الآلام، بحسب متّى» وأيضاً: «الآلام، بحسب يوحنّا».
أما أسطوانتنا هذه، فليست تتبع سرداً أو نصاً إنجيلياً بعينه، وما يوحّد جميع فقراتها هو صوت فيروز. بالتالي، قد لا نخطئ إذا سمّيناها: «آلام المسيح الشرقيّ، بحسب فيروز».

بين البيزنطية والمواريث الكنسية الشرقية
الكنيسة البيزنطية هي امتداد للكنيسة الجامعة/ المسكونية الأولى التي تمأسست في القسطنطينية (6) عاصمة البيزنطيين عام 330م. وضمّت تحت لوائها جميع مسيحيي العالم الروماني، حينها. وبقيت تسمى بيزنطية اصطلاحاً بعد سقوط القسطنطينية في أيدي العثمانيين عام 1445م. وتحوّلها إلى إسطنبول.

هي كنيسة كانت وبقيت «شرقية» بالمنظور الأوروبي عموماً، وبقيت «أرثوذكسية» مقارنةً بكنيسة روما (الفاتيكان) التي انشقّت (1054م.) ونأت بنفسها عن مسمّى «الأرثوذكسية». ونشير إليها هنا اصطلاحاً بـ «الكنيسة اللاتينية». وهي «بيزنطية» مقارنةً بعدة كنائس أرثوذكسية شرقية هامّة وعريقة كانت قد انفصلت عن الكتلة البيزنطية-الملكانيّة منذ عام 451م (على إثر ما يعرف بمجمع خلقيدونية (7)) وهي الكنائس: السوريّة (سريانية)، القبطية، الأرمنية والإثيوبية.

الموروث السرياني- الماروني
بمنأى عن الخلافات اللاهوتية المؤدية لتلك الانفصالات داخل الأرثوذكسية نفسها، فهذه الكنائس الشرقية التي استقلّت بعد «خلقيدونية» كانت كما نلاحظ ذات طبيعة قومية/ عرقيّة. وفي حين بقيت طقوس الكنيسة البيزنطية الأُمّ تحت هيمنة اللغة اليونانية (8) وتشبثت بمواريثها وألحانها الموحّدة ككنيسة مركزية ذات تاريخ إمبراطوري متواصل (يمتد على ألف عام!)، عادت الكنيسة السريانية وباقي الكنائس القومية إلى أوطانها، وبكل معنى الكلمة، أي إلى توظيف لغاتها الأصلية وألحانها القومية-الشعبية في طقوسها الدينية (9). في النتيجة، حملت ألحان هذه الكنائس ملامح جميع الأقاليم التي انتشرت وتواجدت فيها، وعلى مختلف مراحل تطوّر موسيقات تلك الأقاليم وشعوبها بطبيعة الحال. فاللحن الديني يأتي حتماً من اللغة النغمية للمجتمع، ذاتها! حتى لو امتاز اللحن الديني بمبنى خاص أو بملامح قد يفرضها الطقس أو النص، فمبناه المقامي- النغمي سيكون مطابقاً للمقامات المألوفة والرائجة في موسيقى هذا المجتمع، لا محالة. ولنا إذاً أن نتخيّل التنوّع الهائل من المواريث الموسيقية التي تشرّبتها طقوس الكنائس السريانية المختلفة، والمنتشرة من جبل لبنان غرباً إلى أطراف الجزيرة العربية شرقاً، بل ومناطق من بلاد فارس.

الطائفة المارونية طائفة عربية الجذور، نشأت لاحقاً ومن دون علاقة مباشرة أو واضحة بالانشقاقات المذكورة أعلاه. وطقوسها هي فسيفساء تاريخية للكنائس الشرقية القديمة. فرغم ائتلافهم المبكر جداً مع البابا (القرن الحادي عشر)، بقيت طقوس الموارنة أشبه موسيقياً بطقوس السريان الأرثوذكس منها بالطقس اللاتيني. هذا الارتباط الماروني الوثيق بالجذع السرياني، أسهم في نشر التراتيل القديمة في لبنان وباللغة العربية أيضاً، إلى درجة أن محاولة تمييز وعزل التراتيل المارونية عن تلك السريانية أصبحت اليوم صعبة جداً وعديمة الجدوى.

الألحان البيزنطية
تشكلّت نواتها بدايةً من مجموع تراتيل الكنائس الأولى والسابقة للكنيسة البيزنطية المركزية، مثل الأقباط والسريان والأرمن واليونان والكبادوكيين… في الكنيسة المركزية، تم تنقيح التراتيل وتصنيفها كـ «ألحان كنسية»، ومن ثم إعادة نشرها وتعميمها على جميع كنائس الإمبراطورية البيزنطية (10). هذا المزيج المشرقيّ الضخم من الألحان الكنسية، هو ما صار يعرف بـ «الألحان البيزنطية». طبيعة الحال أن تلك الألحان تعرّضت لتغييرات كثيرة خلال هذه القرون السبعة عشر، خاصةً أنّ التدوين الموسيقي للتراتيل لم يبتدئ قبل القرن الميلادي التاسع. وحتى بعد ذلك استخدمت أساليب تدوين تلميحية مُبهمة يستعصي على الخبراء فك رموزها حتى اليوم، ثم مراحل تدوين معقّدة حدّ الغموض، وهكذا.. حتى ظهور «إصلاحات النظام والتدوين الموسيقيين» عام 1830م.، ما يعني بعد مرور أربعة قرون على انهيار الإمبراطورية البيزنطية ونشوء الدولة العثمانية! غني عن القول إن تلك الألحان «البيزنطية المُحدثَة» (11) كانت قد تشبّعَت بالمقامات الموسيقية الرائجة في إسطنبول العثمانية، وهي مقامات شرقيّة عربيّة، كالبيات والحسيني والسيكاه… لا تختلف في جوهرها عن مقاماتنا الشرق أوسطية اليوم، ولا عن مقامات الطقوس السريانية-المارونية.