الرئيسية / home slide / ذكرى ميلاد: مي زيادة وأسئلة النهضة

ذكرى ميلاد: مي زيادة وأسئلة النهضة

آداب وفنون
القاهرةالعربي الجديد11 فبراير 2021

(مي زيادة، 1886 – 1941)

تستعيد هذه الزاوية شخصية ثقافية عربية أو عالمية بمناسبة ذكرى ميلادها، في محاولة لإضاءة جوانب أخرى من شخصيتها أو من عوالمها الإبداعية. يصادف اليوم، الحادي عشر من شباط/ فبراير، ذكرى ميلاد الشاعرة والكاتبة اللبنانية الفلسطينية مي زيادة (1886 – 1941).


في كتابها “بين المدّ والجزر” الذي صدر عام 1924، تكتب مي زيادة مقالاً في معرض إجابتها على استفتاء طرحته جريدة “الهلال”، آنذاك، حول إمكانيات نهضة العالم العربي ومعوقاتها، فترى أن هذه النهضة لا تعني تجدّد الأمة في مجموع أحوالها، إنما هي في مصر وسورية –البلدين اللذين خصّتهما في التحليل- نوع من “الانتباه لوجوب إحداث التغيير، والشعور بابتداء وقوع ذاك التغيير”.

ووصفت الكاتبة والشاعرة اللبنانية الفلسطينية (1886 – 1941) التي تحلّ اليوم ذكرى ميلادها، أن هذا المعنى للنهضة يتطابق والحالة في سورية ومصر، بما يتضمّنه من “قلق واضطراب، واندفاع ورعونة صبيانية، وإخلاص وارتباك، ونشاط وخطأ وإصابة”، وتقودها هذه الرؤية الواقعية لواقعها إلى التفاؤل بحذر إذ تقول: “وبمثل هذا تبدأ دوماً النهضات الحقيقية بهذا الاسم؛ إذ لا طفرة في الحياة، ولا بدّ لكلّ نضوج أن يستكمل وقته ونظامه”.

قدّمت زيادة مقاربتها في فترة كان اسمها في أوج صعوده على صفحات الجرائد المصرية، باعتبارها صاحبة رأي في حداثة المجتمع وتحرّر المرأة، وكانت قبل ذلك بنحو عشر سنوات قد أسّست صالونها الأدبي الذي عبّر عن لحظة تحوّل مع تنامي الشعور الوطني المصري والدعوة إلى الاستقلال، بالتزامن مع التنظير للحريات والمساواة وتحرير المرأة.

شكّل صالونها الأدبي نموذجاً جديداً في الثقافة العربية، حيث تحتلّ المرأة صدارة المجلس وتناقش في الثقافة والشأن العام

ولم يكن العديد من روّاد الصالون بمنأى عن تلك الدعوات، ومنهم أحمد لطفي السيد، ومصطفى عبد الرازق، ويعقوب صروف، وشبلي شميل، وسلامة موسى، وإسماعيل مظهر، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، وزكي مبارك، وعبد الرحمن شكري، لكنهم كانوا جميعاً بمواجهة نموذج جديد في الثقافة المصرية والعربية، حيث تحتلّ المرأة الكاتبة صدارة المجلس وتناقش في الأدب والفنون والشأن العام.

في المقالة ذاتها، تردّ صاحبة كتاب “المساواة” (1923) على العلاقة بين النهضة المنشودة والأخذ بالمدنية الغربية، بأنه “لم تقم في الشرق والغرب والشمال والجنوب سوى مدنية واحدة تعاونت الشعوب، على غير اتفاق، أن تتناوب العمل كل جانب من جوانبها الموافق طبيعتها..”، وتضرب مثلاً بأن القانون الساري في المحاكم المصرية هو نفسه قانون نابليون معدلاً بعض الشيء، والذي أخذه الفرنسيون عن قانون يوستنيانس الروماني، الذي استمدّ القانون اليوناني بعد تأثره بالمذهب الرواقي. والرواقيون واليونان جاؤوا بأنظمتهم بعد تخليص الفرس وغيرهم من القانون المصري القديم.

طرحت زيادة عدّة مقترحات في المقال من أجل تحقيق النهضة، ومنها في مجال التربية والتعليم، حيث قالت: “فحاجتنا إلى الأساليب التي تعرفنا ببلادنا أولا وموقفها وشأنها، وتربي على الاستقلال والرجولة والنشاط والاتكال على النفس، وتدفع رجالنا عن الوظائف الحكومية إلى الأعمال الحرة والعناية بتجارة البلاد وزراعتها ومنتوجاتها واستغلال مواردها”.

التحرّر والاستقلالية متلازمتان عند صاحبة كتاب “غاية الحياة” (1921) والتي درست الفلسفة والآداب وأتقنت اللغات الفرنسية والإنكليزية والإيطالية والألمانية، وعملت في التدريس والصحافة، لكنها كانت دائمة الترحال في التنقّل بين حواضر مصر والشام، داعية إلى الحرية في كتاباتها ومحاضراتها بآراء تجاوزت العديد من الطروحات في عصرها حول تحرّر المرأة والمجتمع.

أصيبت مي بالاكتئاب بعد رحيل والدها عام 1930، ثم غادر جبران خليل جبران الذي أحبّته بصدق الدنيا بعد سنة واحدة، وفي عام 1932 رحلت والدتها، ليُدخلها أهلها مستشفى الأمراض النفسية والعقلية في لبنان، وهناك كتبت مذكراتها، لكنّ أحداً لم يكترث لغيابها، وحتى حين خرجت من المستشفى وعادت إلى مصر انفضّ عنها جميع الأصدقاء، بل إن بعض روّاد صالونها كتبوا بنظرة مهينة وجاحدة لوصف حالتها الصحية والذهنية.

رحلت مي عام 1941 ولم يحضر جنازتها سوى ثلاثة أشخاص فقط، إذ يبدو أن أحداً لم يحتمل على نحو حقيقي خروجها المتقصّد عن منطق المجتمع ومألوف الحياة.