دُونْ كورليوني يهديكم السلام!

إلياس الديري
النهار
19122018

لنضع أوهام الاصلاح، والقضاء على الفساد، واستباحة مؤسَّسات الدولة جانباً، على افتراض أن المداخلات المحليَّة والعربيَّة والدوليَّة والأمميَّة والكونية، تمكنَّت مجتمعة وأخيراً من حل معضلة هدَّدت أسس الكيان والصيغة والتركيبة والنظام، ولنتحدَّث عن واقع الحال انطلاقاً من الاعصار الذي ولّدته حكاية توزير “سنَّة 8 آذار” وإلا…

لندع البيان الوزاري جانباً. بل سلفاً. ولنضعه قبل صياغته على الرف الى جانب “رفاقه” القدامى الذين أكلهم الغبار والعث. حتى الورق لا الكلمات فقط…

من زمان، من قديم الزمان، من زمن الازدهار اللبناني على جميع الجبهات والمواقع، داخلياً وخارجياً، لم يعد اللبنانيون ينتظرون من الحكومات والوزراء أكثر من السعي الى الحصول على ما تيسَّر من المنافع. وبدءاً بالمناصب والمكاسب، وما يدخل عادة في لائحة الفساد ازداد ازدهاراً في الفترة الأخيرة، أو الفترة التي قيل إن العهد سيجعلها تدخل التاريخ، كونها ستشهد أسلوباً جديداً وطريقة مثالية في صدد مكافحة الفساد والفاسدين، وكيف ستتحرَّك العدالة، وبأي زخم يجعلها محرومة النوم حتى، أو استراحة المحارب التي تحولَّت مثلاً مفرغاً من كل مضمون.

مَنْ لا يعلم أن البلد ينخره الفساد والتسيُّب والاستهتار من أوله الى آخره؟ وفي جميع المؤسّسات وعلى مختلف الصعد والمستويات، ولو؟ حتى بدا لبنان كأنه البديل الناجح والكفي لعصابات المافيا التي نخرت روح أشهر مدينة في أميركا، ولا تزال فروعها في ايطاليا يُحسَبُ لها ألف حساب.

وربما لا تزال هناك حيث وُلدت، وحيث مثَّل النجم السينمائي المبدع مارلون براندو دور “العراب” دون كورليوني. ولِمَ نستكثر على لبنان عرَّاباً أو أكثر ما دام التسيُّب والفلتان يشملان كل الطبقات والمستويات والمواقع؟

دون كورليوني على المصغَّر طبعاً عرفه لبنان في كثير من الساحات، والميادين، والأسواق، ومن زمان الوصل، حيث تجوز المناداة اليوم: من زمان هَـ القمر ما بان…

لكنَّ القمر هنا يحلُّ محلَّ الحكومة التي لا بد أن يأتي يوم تأليفها عاجلاً أم آجلاً… وعلى أسس خنفشاريَّة تُرضي أصحاب النفوذ ومستغلّي الحقائب السيادية المثقلة بالزخم المالي واحتواء المشاريع. وتقريباً على طريقة دون كورليوني الذي كشف ثلاثة أرباع العصابات المنتشرة بين الولايات الأميركية وسائر البلدان…

بصورة عامة، وجماعيّة، لا يتوقَّع اللبنانيون من الحكومة التي ستؤلَّف أكثر مما حصل لهم مع “حكومة تصريف الأعمال”. أو أكثر من التي سبقتها. أو أقل من هاتيك السلسلة من الحكومات وعلى سلسلة طويلة من العهود. وإن كانت الفروقات مختلفة كل الاختلاف.

فـ”البدائع” التي حقَّقتها الحكومات في الحقبة الأخيرة قد ترفع يديها اعترافاً بتفوّق الدون كورليونات الذين سيظهرون على الملأ بعد التأليف ونيل الثقة.

لا أمل في أيّ اصلاح على هذه الصعد، وما من مراهنين على ابداعات الحكومة التي ستشرف على المرحلة المقبلة. فالدونات سيزداد عددهم، ويتضخم فجورهم، وكفَّك عَ المعنى: فحكومة تقويم الاعوجاج، مثلاً، ستبزُّ نفوذ “حكومات” دون كورليوني.

elias.dairy@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*