ديموقراطيّة بصوت تفضيلي


سمير عطاالله
النهار
22 آذار 2018

      طلبتُ من سائق التاكسي ان يغيِّر موسيقى الراديو الى نشرة أخبار، فقال معتذراً ومؤنباً: لا نشرات أخبار في هذه السيارة. أنا شاب وأريد ان أعيش حياتي على وقع الحياة، لا على هراء السياسيين وشهواتهم.
أكبرت فيه عقله واعتذرت، وشعرت خلال مسافة الطريق بجمال الدرس وفائدته النفسية. ذكّرني هذا الشاب بحوار مع سائق تاكسي في سنغافورة عندما سألته عن رأيه بالرئيس لي كوان يو فقال: أعيش في منزل من ثلاث غرف، دخلي 40 ألف دولار في السنة، وابني يدرس في هارفرد!

كانت ديموقراطية لي كوان يو من نوع فريد: لا سياسة داخلية ولا سياسة خارجية، بل ورشة واحدة في الانتاج وعمل واحد في ظل القانون. وحتى عندما تقف على شرفة الفندق ترى الشعب السنغافوري يؤدّي برمّته رياضة الصباح كأنه في درس رياضي. لا لغو في الجمهورية.

هل الديموقراطية ضرورية؟ هذا العالم المفجع غالباً، المضحك نادراً، لا يمكنك ان تتابع اخباره: رئيس الديموقراطية الاميركية خلع في عام واحد ثلاثين من أقرب الناس إليه. ورئيس الصين، التي ظن العالم انها خرجت من ابديات ماو، عاد فاختار الأبد هو أيضاً. وفي بلاد المستشارية بدأت الفراو أنغيلا ولايتها الرابعة. ووريث الاتحاد السوفياتي، العامل على الحكم منذ نهاية القرن الماضي، رئيس وزراء أو رئيساً، عاد فدخل الكرملين من البوابة الذهبية الرقم 4 – الخامسة تتبع.

مبروك للرفيق فلاديمير فلاديميروفيتش، فإن له اللائحة والصوت التفضيلي. ولكل انتخابات قانونها، شرط ان يكون باب الخروج هو باب العودة.

هذا هو العالم، وهذه هي نشرة اخباره. دعوا الشباب يعيشون حياتهم بعيداً من باقي أنواع التلوث. في زمن اللياقات كان الوزراء يُقالون ببيان شكر واحتفال وقالب كاتو. في زمن ترامب يُبلّغ تويتر العزل الى جميع من يهمهم الأمر: الحاضر يبلغ الغايب: وزير خارجية أميركا “أوت”. محروم الصوت التفضيلي الذي قضى به النظام الديموقراطي اللبناني المنيع: مرة من دون برلمان لمدة عامين، ومرة من دون رئيس لعامين واكثر. وعلى رغم ذلك انظر أين نحن. وكلّي أمل بأنك لا تؤخذ بالارقام الدولية عن مرتبتنا في الفساد أو في التلوث، فتلك دسائس امبريالية انحرافية ذيلية صهيوأميركية.

أين المفاجأة؟ ان يرث شي جينبينغ، التشرمان ماو تسي تونغ، في الوهيات الأرض، فلا غرو ولا غرابة، وفوقها لا مندوحة. أن يرث الرفيق بوتين نفسه، فالمثل الانكليزي يقول “العادات القديمة تموت بصعوبة”. ان تحظى أنغيلا ميركل بولاية رابعة فذلك ضمن مسار ديموقراطي عريق وخاضع لمحاسبة يومية. أن تقترع في لبنان لمن لا تريد من أجل ان تختار من تريد، فما الجديد في الأمر؟ هو بلدك وأنت سيد العارفين.

بقيت المفاجأة، إذن، في بنسلفانيا أفينيو. كلما مررت من أمام البيت الأبيض رأيتَ رؤوساً أينعت وحان قطافها، ولمحتَ كأنما عمامة الحجاج وراء النافذة وسمعت صوتاً يصرخ ويسمي صراخه تغريداً. “الصخب والغضب” قال فوكنر نقلاً عن شكسبير. إذن، المسألة لغوية أولاً. ورمي الناس من النوافذ ليس تغريداً. كان محمد حسن الزيات، وزير خارجية مصر، يخطب في الأمم المتحدة عندما أقاله محمد أنور السادات. ولكن لم يفاجأ بالأمر سوى البسطاء. فـ”الرئيس المؤمن” كان قد ملأ سجون مصر برفاق الأمس والصحافيين والمعارضين المحتملين. لكننا عالم ثالث – نسبياً – فلا مفاجأة. ولا فوجئ أحد عندما أقالت الديموقراطية اللبنانية سعد الحريري لحظة دخوله الاجتماع مع باراك أوباما. فمن أبقى البلد من دون برلمان وقصر جمهوري، يبقيه من دون سرايا. أليست هذه ما يسمى الاعجوبة اللبنانية التي ظللنا نتغنى بها الى ان لم يبق مفعول لبخور ونذور؟

المرحلة التي تمر بها الولايات المتحدة مفزعة للعالم أجمع. فالمفروض أنها نموذج ديموقراطي قام على دستور هو أشبه بالماغنا كارتا في بريطانيا أو الثورة في فرنسا. وقد أوصل الناخب الاميركي الى الكونغرس والبيت الأبيض مرات كثيرة رجالاً ليسوا من قيمة الدستور، ولا يحترمون الطقوس الديموقراطية. لكن ليس في الذاكرة، منذ دوايت ايزنهاور الى اليوم، رئيس يوزع الاهانات على خصومه ورفاقه بهذا الأسلوب الفج وهيه البساطة المبتذلة.

ولا في الذاكرة مثل هذا الجدل الذي قام حول علاقاته الشخصية والتجارية والسياسية منذ اللحظة الأولى لترشحه. وكان العالم أجمع يتوقع انه بعد فوزه سوف يترك شخصية المقاولين وطباعهم في أحد أبراجه كي يتصرف بما يليق بأعلى منصب سياسي في العالم. لكنه تصرف مع ريكس تيلرسون كما تصرف السادات مع محمد حسن الزيات، صهر طه حسين، وأحد أعرق الديبلوماسيين في تاريخ مصر.

لا يخيفنا نحن، أهل العالم الثالث، ومن كان قدره مثل قدرنا في مضاضة السياسة، لكن “الدونالد”، كما كان يسميه باراك أوباما، اصبح يشكل خطراً يزعزع مفهوم الديموقراطية في بلدانها. لم تستطع ميركل منذ أشهر طويلة تشكيل حكومتها لأنها لا تريد وزيراً واحداً. وهذا الرجل يرمي وزراءه من النوافذ، ثم يركلهم، غير آبه بردود الفعل حول الكون، غير آبه بسمعة حزبه وبلده وحيث تقيم أكبر انتليجنسيا في العالم.

سلوك الرئيس الأميركي ليس قضية محلية. ولا تعيين أو إقصاء وزير الخارجية. أو مستشار الأمن القومي. أو السفيرة لدى الأمم المتحدة. ان قرارات، أو تغريدات، هذا الرجل تقلب صورة العالم، من قرار القدس الى رمي الرفاق بفظاظة الطرد من دون مصافحة.

الدونالد، مثله مثل الرئيس شي، يعتبر الولايات المتحدة الاميركية حرثاً له. وعندما علّق بأن ابدية الصين فكرة حسنة، لم يكن يمزح اطلاقاً. فهو رجل مغلق على ذكاء الدعابة السياسية. وعندما تخطر لوزير خارجيته الجديد المفاكهة، يقول “يجب قصف كيم جون – ايل لكي ينفصل جسمه عن مكبس الزر النووي”.

لا يشعر أهل هذا الكوكب بالكثير من الطمأنينة عندما يصبح تفسير الديموقراطية رؤوساً واجساماً تلقى من النوافذ. فقد كان الاعتقاد ان هذا التأويل متروك لدولة مثل تركيا، نشأ صاحبها على إرث “الباب العالي” و”الصدر الأعظم” و”الحضرتلري”. خصوصاً عندما اصبحت في يد رجب طيب. أو عندما تصبح في يد صيني خلفه كونفوشيوس وماو معاً. أو عندما يصبح عنوان الشيء المعروف سابقاً بالديموقراطية، اللائحة المقدسة والصوت التفضيلي، ويصار الى الحاقهما بغابة من الشعارات المسطحة والمكرورات المفرغة والخطب المصنوعة في لبنان.

والبلد خارج هذا المهرجان الرابض على الصدور. البلد أصدق من ذلك بكثير وأبسط بكثير. وديع وطيب القلب. ولا يتطلب سوى كلمات قليلة وضمانة بسيطة بأن الذي يحبونه هو أرضهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*