الرئيسية / home slide / «ديمقراطية المحاصصة» و«التوافق»على نهب الشعب

«ديمقراطية المحاصصة» و«التوافق»على نهب الشعب

 جلبير الأشقر
القدس العربي
12012022

إن المشهد الذي تقدمّه الساحتان البرلمانيتان اللبنانية والعراقية هذه الأيام لهو بائسٌ منتهى البؤس، ليس على طريقة تحوّل المجلس النيابي إلى حلبة ملاكمة مثلما اعتدنا أن نشاهده بين حين وآخر في منطقتنا، وقد قدّم البرلمان الأردني قبل أيام أحدث نموذج عن ذلك، بل من حيث تأكّد النفاق «الديمقراطي» الذي يقوم عليه نظام المحاصصة الطائفية، وهو نظام تتغلّب فيه موازين القوى الفعلية خارج البرلمان على ما تنتجه الانتخابات وتتحكّم هذه الموازين بالمحاصصة الحكومية أكثر مما تتحكّم بها نسبة التمثيل البرلماني أو تكاد.
وقد راج في العلوم السياسية منذ سنوات عدّة تعبير «الديمقراطية التوافقية» للإشارة إلى أنظمة المحاصصة، والتعبير المذكور تسمية أطلقها الأكاديمي الأمريكي الهولندي الأصل أرِنْد ليبهارت على النظام الذي ساد في هولندا لمدة قرن حتى عام 1967 قاضياً بتقسيم مجتمع البلاد إلى أربع فئات: بروتستانتية كالفينية وكاثوليكية واشتراكية وعامة (أي غير الفئات الثلاث السابقة). وبوحي من تجربة وطنه الأصلي رأى ليبهارت أن المحاصصة طريق مُثلى إلى تخطّي النزاعات الطائفية وسواها، ليس بالطبع بوصفها نظاماً مثالياً بالمُطلق، بل بوصفها نظاماً انتقالياً إلى حين توفّر شروط إرساء ديمقراطية لا تمييز مؤسساتي فيها بين المواطنين.
وقد تعرّضت نظرية «الديمقراطية التوافقية» إلى انتقادات عديدة في الدائرة الأكاديمية ذاتها، فضلاً عن الدائرة السياسية، كما في دائرة التقاطع بين الاثنتين لاسيما في الولايات المتحدة. وأهم انتقاد لتلك النظرية أنها مبنية على تصوير غير واقعي للتجربة الهولندية عينها يغفل المساعي من أجل تخّطي نظام المحاصصة فيها، بما يجعل النظرية تتغافل عن أن النظام المذكور يمكن أن يكرّس التمايز على أساس طائفي ويعزّزه، عوضاً عن أن يوفّر شروط تخطّيه. ومن الجدير بالذكر أن النظام الانتخابي المتّبع حالياً في هولندا هو التمثيل النسبي على أساس القوائم الحزبية، على غرار النظام المتّبع في دولة إسرائيل الذي يقدّم مثالاً بليغاً في موضوعنا. فقد حرص مؤسسو الدولة الصهيونية على أن يصهروا مواطنيها اليهود في بوتقة «إسرائيلية» تتخطّى الفروقات القومية الأصلية والفروقات العرقية بينهم، التي هي أعظم بكثير من تلك التي تقوم بين المنتمين إلى طوائف مختلفة من أبناء وبنات الوطن الواحد (أو بالأحرى تلك التي يُفترض بها أن تكون قائمة بينهم والتي غالباً ما هي من نسج الخيال الطائفي). وقد نجح المشروع الصهيوني في تحقيق هدفه إلى حد بعيد.
أما التمييز الذي أراد مؤسسو الدولة الصهيونية إدامته فهو بالطبع التمييز الطائفي-القومي بين اليهود والعرب، حيث قامت دولتهم عليه تحديداً. وقد عبّر الكاتب الإسرائيلي الناقد للصهيونية شلومو ساند عن استيائه من هذا التمييز في كتاب حمل عنوان «كيف توقفتُ عن أن أكون يهودياً» احتجّ فيه على تصنيف حاملي الجنسية الإسرائيلية بين يهودي وغير يهودي، والاستحالة القانونية لتعريف هوية الفرد بـ«الإسرائيلي» بلا تحديد يهوديته أو غيرها. فتقدّم التجربة الصهيونية درساً مهماً في كيفية صهر جماعات متنافرة الأصل وتمييزها عن جماعة أخرى محدّدة، من خلال نبذ التمييز وأي صنف من أصناف المحاصصة إزاء من يُراد صهرهم، وتكريس التمييز بإرسائه مؤسساتياً إزاء من يُراد عزلهم.

يغفل الباحثون في الغالب فارقاً عظيماً بين نظام ناجم عن «توافق» بين نُخب تسعى وراء تخطّي الانقسامات الطائفية في مجتمعها، ونظام قائم في بلد «متخلف» تابع

هذا وكان من الطبيعي أن يتلقّف مفهوم «الديمقراطية التوافقية» في صدد منطقتنا المنظّرون الأكاديميون لنظامي الديمقراطية البرلمانية القائمة على أساس المحاصصة في كل من لبنان والعراق. فالتقى على التقريظ بالنموذج «التوافقي» أخصائيو التنظير الأكاديمي للسياسات الاستعمارية والاستعمارية الجديدة في الدول التي أشرفت على صياغة النظامين السياسيين اللبناني والعراقي، أي فرنسا والولايات المتحدة بوجه خاص، والأكاديميون والسياسيون اللبنانيون والعراقيون المؤيدون للمحاصصة بحجة صون حقوق طائفتهم، من منطلق يعتبر أن الانتماء الطائفي يشكّل هوية الإنسان الأساسية بما يجعله ممرّاً إلزامياً إلى المواطنة.
ولا بدّ هنا من أن نستثني قضية كُرد العراق، إذ إن المسألة القومية ركن أساسي من أركان الديمقراطية على أساس حق تقرير المصير، ولا يجوز الخلط بينها وبين المسألة الطائفية التي تفرّق بين فئات الانتماء القومي الواحد على أساس المذهب الديني، فتتناقض مع مبدأ فصل الدين عن الدولة الذي بدونه لا تكتمل شروط الديمقراطية الحقيقية. وهو السبب في أن حق تقرير المصير لا ينطبق على الطوائف في العرف الديمقراطي، بل على الشعوب والقوميات حصراً.
ويغفل الباحثون في الغالب فارقاً عظيماً بين نظام ناجم عن «توافق» بين نُخب تسعى وراء تخطّي الانقسامات الطائفية في مجتمعها، على غرار تجربة هولندا التاريخية وكانت بلداً طليعياً في مسار الحداثة الرأسمالية، ونظام قائم في بلد «متخلف» تابع، ناجم عن وصاية إمبراطورية قائمة على مبدأ «فرّق تسُد» كما هي حال لبنان والعراق، حيث أحيى نظام المِلل الذي كانت الإمبراطورية العثمانية قد أرسته، كلٌ من الاستعمار الفرنسي في لبنان والاحتلال الأمريكي في العراق، في نسختين محدّثتين استوحت الثانية من الأولى.
والحقيقة أن نظام المحاصصة في البلدين كان منذ نشأته تعبيراً عن المحاصصة في الحكم وامتيازاته القائمة على تقاسم غنيمة نهب الشعب بين النُخب الاجتماعية-السياسية، وهو لا ينفصم عن نظام الرأسمالية الفاحشة الذي اكتملت أركانه في لبنان في ظل الاحتلال الفرنسي وفي العراق في ظل الاحتلال الأمريكي. ويتجلّى هذا الواقع في نهب خزينة الدولة الذي تقوم عليه المؤسسات السياسية في البلدين حيث يتقاضى النواب والوزراء والرؤساء رواتب ومخصّصات تفوق ما يتقاضاه نظراؤهم في معظم البلدان الغربية بالمطلق أحياناً، ونسبياً في كافة الأحوال نظراً للفارق العظيم بين مستوى الأجور العام في البلدين (حتى قبل الانهيار الاقتصادي في لبنان) ومستواها في البلدان الغربية.
وهذه الامتيازات تجعل من تقاسم غنيمة الدولة مصلحة تنضاف إلى سائر الغنائم التي يُجنيها السياسيون من القطاع الخاص المحلّي ومن التمويل الحكومي الخارجي، بما يكرّس نظام المحاصصة الطائفية بوصفه مصدر رزق النُخب الاجتماعية-السياسية. وتسهر هذه النُخب على ضمان ديمومة النظام المذكور من خلال تجييش دائم لقواعدها الطائفية. وهذا بالطبع ما يفسّر شراستها في التصدّي لأي مساعٍ رامية إلى تخطّي الحواجز والتصنيفات الطائفية، على غرار ما طمحت إليه الانتفاضتان «التشرينيتان» في العراق ولبنان.

كاتب وأكاديمي من لبنان