الرئيسية / مقالات / ديفيد هيل لعون مرّتين: لن نتخلّى عن لبنان!

ديفيد هيل لعون مرّتين: لن نتخلّى عن لبنان!

الانطباع الذي خرج به مُتابع أميركي للبنان والمنطقة عن زيارة مساعد وزير خارجية بلاده للشؤون السياسيّة ديفيد هيل لبنان لم يوحِ بالارتياح. فهو خدم فيه وأحبّه وأقام صداقات مُتنوّعة. لكنّه قد يكون أُحبط بسبب ما سمع في محادثاته وخصوصاً من الرؤساء الثلاثة ميشال عون ونبيه برّي وسعد الحريري. ولهذا السبب سمحت إدارته بتسريب عدد من التفاصيل عنها إلى وسائل الإعلام. طبعاً يُلفت المُتابع إلى أن ليس لإدارة بلاده مآخذ على رئيس الحكومة المُكلّف الدكتور حسّان دياب. لكنّه يُشير إلى قلق كبير من نيّات الجهات التي كلّفته وفي مقدّمها “حزب الله” والوزير جبران باسيل والرئيس برّي. ربّما يكون صحيحاً أن دياب يحاول سلوك درب مُستقلّ للقيام بمهمّته، لكنّ السؤال الذي يُطرح هنا هو: هل سيسمح له هؤلاء الثلاثة بالنجاح وخصوصاً أنّهم مع حلفاء لهم قادرون على متابعة تحرّكاته وضبطها ومعها قراراته؟ في أي حال يعتقد المُتابع نفسه أن الولايات المتّحدة وفرنسا لن تتخلّيا عن لبنان لمصلحة هؤلاء وخصوصاً لمصلحة “حزب الله”. ويعتقد أيضاً أنّهما تُمارسان سياسة الانتظار لرؤية المواقف والنتائج. ويعني ذلك أنّ لبنان لن يتلقّى منهما مُساعدات ماليّة رئيسيّة في المستقبل القريب. وإذا أراد الثلاثة المذكورون أعلاه القيام بألعاب والاستمرار في المسرحيّة الدائرة فإنّهم سيُلامون على الكارثة التي ستقع في لبنان نتيجة لها. وأعرب عن أمله في أن يتحلّى هؤلاء ومعهم زعامات لبنان كلّها بالحكمة.

طبعاً هذه الحصيلة الأميركيّة عن زيارة هيل لبنان لا تشبع أحداً، وقد يكون الانشغال الأميركي إدارة وشعباً وإعلاماً وكونغرساً ومُتابعين وباحثين بـ”العزل” الذي أقرّه مجلس النوّاب للرئيس دونالد ترامب، والذي أحاله إلى مجلس الشيوخ المُخوَّل قانوناً محاكمته وتالياً تجريمه أو تبرئته، هو الذي حال دون الحصول على ما يكفي من معلومات ومُعطيات عنها. فضلاً عنّ أن تطوّرات العراق وفي مقدّمها التظاهرات الشعبيّة الدمويّة، والاحتجاجات السائدة في الشوارع والمُحتلّة الساحات والجسور والمُقفلة غالبيّة المرافق العامّة جعلت ما تبقّى من الاهتمام يتركّز عليها. لكن ذلك لا يحول دون مُتابعة محادثات هيل في لبنان من مصادر محليّة متنوّعة، وإطلاع الجمهور اللبناني عليها رغم أن ما كُتب ونُشر عنها في وسائل الإعلام المتنوّعة ليس قليلاً. انطلاقاً من ذلك يمكن إطلاع القرّاء على معلومات مصادر سياسيّة عارفة وموثوق بها ومُطّلعة على جوانب من محادثاته. وهي تُشير إلى أنّ اجتماع هيل مع الرئيس ميشال عون كان جيّداً ومريحاً ومرتاحاً. ذلك أنّه أكّد مواقف ثلاثة مُهمّة، أوّلها “أن أميركا لن تتخلّى عن لبنان”. وقد كرّر هذه الجملة مرّتين كما أبدى استمرار مساعدتها لجيشه واعتزامها معاونته في مجالات أخرى هو في أمسّ الحاجة إليها الآن بعد الاطمئنان إلى سير الأمور الرسميّة والحكوميّة فيه على نحو مرضٍ للناس. وثانيها أن “لا علاقة لأميركا بالحراك الشعبي البادئ في لبنان منذ 17 تشرين الأول الماضي”. وثالثها أنّ الحكومة شأن لبناني أنتم تهتمّون به وهو لا يعنينا على الأقل على النحو الذي يظنّه اللبنانيّون أو قسم منهم. وأكّد أن أميركا وأوروبا ستكونان مُستعدّتين بعد التأليف لمساعدة لبنان بعد البحث معهما طبعاً في الحاجات والوسائل والسُبُل. هنا، تفيد المعلومات، شعر عون بالارتياح إلى جو المحادثات فتحدّث عن ترسيم الحدود البحريّة (جنوباً مع إسرائيل) للإفساح في المجال أمام استثمار لبنان ثروته في النفط والغاز الموجودة في الجانب اللبناني منها وكرّر طلب مساعدة أميركا لإنجاز ذلك. فعلّق هيل أن هذا الملف يعمل عليه مساعد وزير الخارجيّة ديفيد شنكر. وهو ليس مسؤولاً عنه. لكنّه أثار قبل نهاية المحادثات موضوعاً أشارت إليه وسائل الإعلام ولكن من دون تفاصيل وهو إلقاء القبض على اللبناني عامر الفاخوري حامل الجنسيّة الأميركيّة الذي عمل سابقاً مع إسرائيل و”جيش لبنان الجنوبي” الذي أسّسته في جنوب لبنان، وبدء محاكمته على الجرائم التي ارتكبها أو أمر بارتكابها ثمّ تابع تنفيذها، والتي أودت بحياة مدنيّين ومقاومين لبنانيّين لاحتلالها أرضه وسجنت آخرين وعذّبت الكثيرين منهم. ثمّ طلب إيجادحل لقضيّته، ومعروف أنّ “الحلّ” لن يكون إلّا بترحيله من لبنان إلى “وطنه” الثاني أم الثالث الولايات المتّحدة. وأشار هيل إلى أن مايك بومبيو وزير الخارجيّة حمّله رسالة شفهيّة بهذا المعنى للرئيس اللبناني وأكّد أنّها عمليّاً من الرئيس ترامب الذي يعتبر قضيّة الفاخوري شخصيّة بالنسبة إليه، وأن الأخير لن يكون مرتاحاً إذا لم يلبَّ طلبه وقد يتّخذ مواقف معينّة أو قرارات. طبعاً دار نقاش حول هذا الموضوع، وأشار الجانب اللبناني إلى اقتراحات عدّة طرحت في المشاورات بين واشنطن وبيروت وإن في صورة غير رسميّة يقضي أحدها بنزع الجنسيّة اللبنانيّة منه وبترحيله إلى “بلاده” أميركا لاحقاً. كما تمّت الإشارة من مستشار رئاسي إلى أنّ المحكمة جارية وفيها استئناف وتمييز، وإلى أنّ “المسؤولَيْن عن هاتين المرحلتين “يخصّان” حلفاء لكم في لبنان” وسمّى إثنان منهم، فلم لا تبحثون معهما في مخرج قانونيّ لهذا الأمر لا يُثير مشكلة داخليّة ولا يُعطِّل علاقة لبنان بأميركا. وهي جيّدة ويُراد لها أن تبقى كذلك.

طبعاً التقى هيل الرئيس سعد الحريري ثمّ الرئيس نبيه برّي الذي كان الحديث معه جديّاً ووديّاً لأنّ علاقتهما كانت جيّدة يوم كان الأوّل سفيراً في بيروت. كما التقى زعامات وقيادات سياسيّة لبنانيّة أخرى. لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ألم يتناول البحث بين هيل واللبنانيّين تفاصيل الأزمة الحكوميّة وتكليف الدكتور حسّان دياب تأليف الحكومة والتقلُّبات التي حصلت فأوصلته نظريّاً حتّى الآن إلى السرايا الحكوميّة؟

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد