دير مار يوحنا الصابغ : منارة بجوار صنّين

شربل نجار
هنا لبنان
24022019


إني لا ابالغ إن قلت ان دير مار يوحنا الصابغ كان مشعلاً  في ظلام تلك الأيام!

ليس من وثائق تؤكد على الصيرورة قبل  عام  1710. ففي تلك السنة جاء الى الشوير خمسة رهبان حلبيين من البلمند (1)  سكنوا حيث كان يسكن وحيدا  الأب رزق صوايا واسّسوا الرّهبانية الشويرية الكاثوليكية. هؤلاء الرهبان اعتنقوا العقيدة الكاثوليكية وراسلوا روما طالبين الذّهاب اليها لكنهم فشلوا فأتوا الى الشوير البعيدة عن الثقل الأرثوذكسي في الشمال عامة والكورة تحديدا(2).

كان الدير اول مشتريات الرهبان . وأول عقد شراء تمّموه كان مع بيت بو اللمع في كانون الأول 1710 . وقّع على  العقد راهبان حلبيان وبو حسين بو اللمع او الأمير عبدالله. وكرَّت السبحة…..

الست “أمارة”  باعتهم عام 1712 في منطقة المروج والأمير نجم باعهم واولاد الأمير عبدالله أيضاً. واستمر الرهبان  يشترون من بيت بو اللمع في الخندق والطيبة والمروج والبالوع والطبْشة المجاورة للدّير وذلك حتى عام 1745.

في النصف الثاني من القرن الثامن عشر تابع الخير طريقه الى الدير وتابع الرهبان شراء الأراضي في الشوير وحواليها والخنشارة وجوارها .

في القرن  التاسع عشر اشترى الرّهبان من الأمير سلمان وعلى دفعتين كل أحراج الصنوبر التي كانت تابعة لقرية المروج وهي ما يُعرف اليوم بغابة بولونيا. كان اسمها يوما ”  القطّارة! ” لأن القطران في صنوبرها وفير وسريع الإشتعال فضلا عن مزايا وأوجه استعمال متنوّعة.(3)

ان شراء هذه الأراضي من الإقطاع لم يكن بالأمر العسير. فالرّهبان كانوا يُطبّبون وينتجون خمراً ولبناً وعسلاً لا بل شتى انواع المأكول والمشروب . فالمدخول السنوي ” للأب بروكوبيوس”  احد الرهبان الأطباء وصل الى 1565  قرشا  عام  1743  من مهنة الطب و 1398 قرشا عام 1751 و 3252 قرشا عام 1754 بينما كان أجر العامل الفلاح يوازي 69 قرشا سنويا على اساس 300 يوم عمل كما ورد في دفاتر الرهبان.(4)

لم يكن ذلك الدير قائما  لفروض  التعبد والصلاة بل أكثر،  كان صرحا  تربويا رحبا وعمارة انتاجية شاهقة  ومنبعا للفن والعلم . كم من ايقونة كتبت في محترفاته وكم من مؤلف اودع في مكتباته وكم من كتاب طُبع في اقبيته وعلى مطبعته، الأولى في لبنان بالحرف العربي.

دير مار يوحنا الصابغ كان مصرفا يلجأ اليه الفلّاح  ويركن اليه  الأمير وتهجع في خزائنه اموال التقتير والتبذير. كان الرهبان  يعلمون ان” قِفِّة الشلوش اهم من قِفِّة القروش”  وكانوا يرددون: ” اشتغل  بالتراب بتاكل منّو”!. من خلال هذا النوع من الثقافة راكم الرهبان الثروات وعرفوا كيف يسايرون الإقطاع ويتعاطون مع الفلاح .

مع الفريقين كانت علاقة  رهبان دير مار يوحنا  على خير وصلاح .
بطرك الملكيين الكاثوليك وعلى الأرجح صرّوف  شرّع للأمير شديد بو اللمع  الماروني الزواج من شقيقة زوجته المتوفاة وهذا  ما كان قد  حرّمه البطريرك الماروني  يوحنا الحلو، فصار “شديد” هذا الأمير اللمعي الدرزي الماروني  مَلَكِيا كاثوليكيا.

ولما جاء توفيق رزق  الكاثوليكي، القادم من خربة قنفار في البقاع الغربي ، ليؤسس بلدية في القطّارة على اسم بلدية  بولونيا  سهّل  له الرهبان وأكرموه .

 لقد كان الإقطاع أول من باع  فاشترى اصحاب القدرة والباع وصار الفلاح في كنفهم كاثوليكيا اغنت بذاره الأرض وذريّته  الشوير و الخنشارة وقرى القاطع على رويسات وادي الجماجم الشمالية .

بولونيا لم تكن موجودة آنذاك وتوفيق رزق كان همه يومها ان ينقل مستشفاه من الخندق الغميق الى الأشرفية.  مستشفى رزق الذي تحول  مع الأيام  الى أحد اهم  المستشفيات الجامعية في المشرق العربي. لم يكن توفيق قد زار بولونيا بعد  ولم يكن قد صار وزيرا وشيد اجمل فيلا في حي بيت سماحة اجمل احياء الغابة على الإطلاق . ولم يكن بعد قد هم بتأسيس بلدية باسم بلدية بولونيا في أعالي الخنشاره.

توفيق رزق نقل في الخمسينيات  جمال المدينة وألقها ورونقها الى قلب الغابة فتألّقت  وجاراه كثيرون   آل  سماحة جاروه و جبر وطراد والأشقر وسواهم ووصلت آنذاك فرحة آل غسطين  أبناء المنطقة الى اعلى من قرعتهم .

بو داود  المتيني أو سليمان صرّوف  كان كاثوليكيا وكان يعشق غابة صنوبر دير مار يوحنا الصابغ  في اعالي الخنشارة لا بل كان ودودا محبا لرهبان ذلك الدير . هكذا علّمه والده داود وعلّم أخاه ابراهيم وعمّهما صرّوف قبل مئة عام وأكثر.
قال لهم انهم من سلالة عائلة  دمشقية قريبة الى حد الإلتصاق بالإكليروس.  فالمطران اغناطيوس  صروف  مطران بيروت مطرانهم ثم بطركهم ثم شهيدهم على “صخرة طانيوس”  قرب دير مار سمعان العمودي في وادي الكرم في أعالي  المتن الشمالي. واغناطيوس  في الأساس وقبل ارتسامه سُمّي يوسف وبهذا الإسم سَمَّى بو داود ابنه الثاني يوسف زوج روزالي عبدو ابو سليمان  ووالد اندريه وروجه وبوليت.

البطرك إغناطيوس صرّوف لم يكن بطركا عاديا.  كان مالئ الدنيا. يروي روجيه  صروف نقلا عن أحد رهبان الدير أن الرّاهب يوسف صروف كان يعاني من مشاكل في النطق ،فكان “منطويا على ذاته” يفضل الإنزواء إلا أنه في إحدى السنوات طلب من الرئيس العام أن يسمح له بقراءة الإنجيل. فقرأه ومن يومها فكّت عقدة لسانه وانفتح على الرهبان والعوام وصار راهبا محبوباً .   وصار   مطراناً  على بيروت فأقام الدنيا وأقعدها ليعدّل في قوانين الرهبنة الباسيلية الشويرية (6) خاصم البطريرك والرهبان وكاد ان يؤسس رهبنة مستقلة في دير مار سمعان وادي الكرم وكاد البطرك  أغابيوس مطر ان يتهمه “بالنّصب” وكاد أن يجرّده من نذوره الرهبانية غير انه عاند مطر ومجلس المطارنة :  كليمنضوس مطران جبيل، اغابيوس مطران ديار بكر، مكاريوس مطران عكا باسيليوس مطران الفرزل بناديكتوس مطران بعلبك وهلم جرّا (7) .

احتمى بالبشيرين  شهاب وجنبلاط عضدا  الكثلكة الناشئة  في الشوف  فانتقل من مطران مهدَّد الى بطريرك مهدِّد.
عام 1798 كاد صرّوف ان يخرج مطرودا من الرهبنة. وفي شباط 1812 صار بطريركا وفي تشرين الثاني عام 1812 قُتل.

دُفن صرّوف في كنيسة مار سمعان وعلى الرّخامية كتب :” هنا يرقد المطران إغناطيوس صرّوف  (وليس البطريرك)ولما سألنا لم يستطع أحد أن يجيب.

 قَتَلَ جِريس البطرك صرّوف   في  جوار مار سمعان،  وطانيوس هرّب جريس (8) كما جاء في وثائق بونا الياس قبل  ان يسرد  امين المعلوف ما سرد في كتابه صخرة طانيوس. وأمين ابن كفر يقدا معذور…. فهو كتب من النافذة الواسعة للرواية الكاملة غير أنه لم يلج باب التاريخ.
لقد قضت الرواية ان يُقتل صرّوف في ثلاثينيات التاسع عشر  بينما التاريخ يؤكد  مقتله عام 1812.
 
زار صرّوف مار يوحنا الصابغ ومكث فيه ومرّ بكفريقدا (عين القبو وكفرعقاب و المشرع) في طريقه الى  مار سمعان في وادي الكرم. ولا ادري… ولا احد يدري إن زار المتين حيث الأقارب. إنما كان في بيت صروف العتيق في المتين  صورة لهذا البطريرك ربما الصورة الوحيدة لهذا الرأس الكاثوليكي  المشاغب الذي امتد نفوذه من بيروت الى الجبل فملأ الدنيا آنذاك وشغل قادرين ومقتدرين.

لقد أخبرني الأب العام  للرهبنة الباسيلية الشويرية “سمعان عبد الأحد” أنه ولما كان مبتدئا في دير مار يوحنا كان يعرف ان بعد ظهر سبت النور سيأتي ابو داود وسيأتي اولاده العشرة او اكثر او اقل بحسب الظروف.  وسيأتي احفاده وعلى رأسهم جورج بن اسما وفي بعض الأحيان يأتي نصري وشاكر وفؤاد وفكتورين أولاد ليزا  وجان وابراهيم ولدا  ليندا  واندريه وروجيه وبولات أولاد يوسف وغيرهم وغيرهن ووفد من صواني الحلوى ووفد من خروفين او ثلاثة أضاح ليوم العيد.
 أمي روز،  كانت تكبر نصري بن ليزا  باربع سنوات وكانت  عضوا دائما في الوفد. وهي أيضا أخبرتني.

ابو داود كان وفدا من الصبايا والشباب والنسوة  والأحفاد  والهدايا والأضاحي!

ابو داود والوفد المرافق يبيتون في الدير ويتهيؤون لصباح العيد الباكر  للهجمة وقداس العيد والزيّاح  والترويقة بعد القداس في ذلك العَقْد العتيق حيث “سُفرة” دير مار يوحنا . ولا يزال روجه بن يوسف ومورييل بنت روجيه وأمّها بريجيت يحترمون هذا التقليد وينفذون متطلباته بحذافيرها بحسب وصية سليمان جدّ روجه ويوسف جدّ مورييل.

كانت روز تقول: ” بيت صروف إلهم بالدير أوضة ” والأب العام دلّني على  مكان  تلك “الأوضة”  في ناحية كانت تسمّى رواق الدمشقيين وقد أزيل ذلك الرّواق اليوم.

وفي كل سنة ويوم العيد  يجتمع في الدير وحول الأب العام  والرهبان روجيه وعمّات روجيه وأولادهن ومنهم من درس في مدرسة الدير فسامي بن ايلين،  وهو اليوم في منتصف العقد السادس ، قانوني ومصرفي بامتياز   قد درس هناك وصار العيد والدير بالنسبة اليه صنوان لا ينفصلان.


(1) عماد إدوار مراد ، الأديرة في قضاء المتن، منشوىات الرسل 2003 ص.233.
(2) الأب قسطنطين الباشا، مجلّة المشرق، عدد 28 سنة 1930 ص. 205.
(3) جوزف أبو نهرا الإكليروس والملكية والسلطة ص46.  نقلا عن ارشيف رىشيف دير مار  يوحنا الخنشارة.
(4)جوزف أبو نهرا الإكليروس والملكية والسلطة ص 86
(5) الأب أنطوان ضو، تاريخ الأمراء اللمعيين،ط1 1990بيروت 1990 ص.211
(6) Ignace Sarrouf et les réformes des Chouérites، Paul HYPERLINK “http://www.persee.fr/author/persee_265010″Bacel  (1774-1790) ÉchosHYPERLINK “http://www.persee.fr/collection/rebyz” HYPERLINK “http://www.persee.fr/collection/rebyz”d’Orient  Année 1910  Volume 13  Numéro 82 
 pp. 162-171
(7)د. عصام خليفة، وثائق هامّة حول طائفة الملكيين الكاثوليك، ج1 ، بيروت 2015
(8)Maalouf Amin, Le Rocher de Tanios, Grasset,  Paris1993, p.171-172

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*