ديروا المَيّ

“وجعلنا من الماء كل شيء حي”

شربل نجار
هنا لبنان
19032019

كتب رئيس البعثة اليسوعيّة من عين تراز لصديقه في ليفورنو يطمئنه عن حاله في هذه الديار البائسة بعد وصوله إليها وصاحبيه يوم عيد الميلاد سنة 1831 قال : ” إننا بين البرابرة .هنا لا وجود في البيوت للنّوافذ ولا للأثاث .لا وجود للكراسي والأسرّة والطاولات والصّحون والشوَك والسّكاكين والملاعق والأكْواب. لا خبز ولا نبيذ، لا شورباء ولا لحم ولا طبخ ولا أية هبة من عند الله . إنه عالم آخر، يسكنون الخرائب ويأكلون البرغل والعشب ومشتقات الحليب …..يكفيك للإطمئنان أن تعرف أننا لا نزال أحياء بأعجوبة من الله. ( 1)

في عالم ثلاثينيّات القرن التاسع عشر كانت المياه بعيدة عن البيوت . والناس يملأون جرارهم من عين ماء أو نبعة استهدوا اليها في أرضهم. وبيوت الخلاء إن وجدت فخارج المنازل وإن لم توجد وهذا ما كان واقعًا ، يقضي الإنسان حاجته في الحقول المجاورة لسكنه. ومن هنا مصدر عبارة ” أنا ضاهر لبرّا” التي تَعني ” أنا أخرج من المنزل لأقضي حاجتي”.

في جو كهذا ، المياه عزيزة والرّفاه معدوم وقد بقي الحال على هذا الحال الى أن أقام أحد العقليين من المتين مشروعًا
جبّارًا يقضي بإيصال مياه المنبوخ
الى القرى المتنية وقد وصل عددها الى 33 قرية في بداية الثلاثينيات.

حبيب بك عقل

في 24 تشرين الأول 1924 أعطت سلطات الإنتداب حبيب عقل إمتياز جرّ مياه نبع المنبوخ الى قرى المروج ، بتغرين، الخنشارة . الشوير ، عين السنديانة، ضهور الشوير، العيرون، الدوّار ، بكفيا، بيت شباب ، …. ،وبعبدات برمانا بيت مري المنصورية
(2)

لم يكن إنجاز هذا المشروع بالسهل. إنه مشروع كلّف صاحبه أموالا طائلةً وعناءً كبيرًا ومعارضة قاسية من قبل جزء من أهالي بسكنتا وجزء آخر من أهالي المتين الذين اعتبروا أن مشروع جر المياه هذا سيفقدهم ما توارثوه من استعمال لمياه المنبوخ للشرب و ري المزروعات وتشغيل الطواحين.

لقد رفع المزارعون المتينيون وسواهم في منطقة المنبوخ عريضة الى البطريرك الماروني يشكون له فيها أمرهم ويطلبون منه مساعدتهم لإسترجاع حقوقهم المهدورة. إلا أن كنيسة تلك الأيام على ما وصل إلينا كانت تميّز ناسًا على حساب ناس فلم تستمع الى شكوى الفلاحين وجارت آل عقل في ما هم عليه من تصميم. ومما يروى عن المطران الدبس آنذاك أنه كان يواجه العامة الذين يأتون شاكين بالعبارات التالية : ” بدي كتير تيجيني ناس متل بيت عقل بالمتين وبيت لحود في بعبدات”. وفي هذا دليل على إنحياز “نسبي” للإكليروس الى العائلات الكبرى

(3)


. غير أن بعض أهالي المتين يرد ذلك المعروض أو العريضة الى الخصام السياسي الذي شطر المتين الى شطرين أحدهما بقيادة بيت بواللمع وآخر ينام على يد آل عقل.ودليل المؤرخين على ذلك ان غالبية من وقّع على العريضة غير متضرّرة إذ أنها لا تملك أرضًا بجوار نبع المنبوخ.

لم يكتف المتضرّرون بتقديم العرائض بل عملوا على إيقاف المشروع من خلال تعطيل مدّ القساطل وعطب حوافر الجمال التي كانت تحملها .

لقد واجهت حبيب عقل مصاعب جمّة كان أقساها وُعورة الطبيعة الصخرية وضراوة الصقيع لا سيما في موسم الثلوج شتاء . مما جعل حبيب عقل يصرف كامل ثروته على هذا المشروع . إلا أنه أوصل المياه الى حيث يجب أن تصل وملّكها لمن اشتراها دون أن يستفيد بملّيم واحد . كانت أكلاف المشروع مرتفعة وشروط الإمتياز قاسية وظنون ذوي القربى وظلمهم أشدّ مضاضة …. رحم الله طرف بن العبد!!.
(4).

لقد قدّم حبيب عقل خدمة لأهالي المتن ، لا يزال المتنيون يذكرونها حتى اليوم وقد أرخ لذلك ابراهيم بك الأسود من خلال قصيدة ألقاها بمناسبة الذكرى الستين لتأسيس مدرسة هايسكول برمانا إذ قال :

أكْرِمْ بِها بلداً يكسو منابتَها
ارزٌ نضيرٌ ونسرينٌ ورِيحانُ
صَحتْ بها انفسٌ من جَهلِها وبِها
صَحتْ مِن السّقمِ ارواحٌ وابدانُ
والماءُ فيها مِنَ المَنْبُوخِ حينَ جَرى
لم يَبْقَ من دَوحِها في الرَّوضِ عَطْشَانُ

(5)

غير أن حبيب واجه إثر هذا المشروع الإنهيار المادي والإنكفاء السياسي بعد فشله في الوصول الى الندوة النيابية خلال دورات متتالية .

(1) Sami Kuri : une histoire du Liban a travers les archives des Jesuite 1816-1845, Dar el-machreq,2eme edition, Beyrouth 2001 , p.32-33


(2) مياه يملكها حبيب بك عقل وإخوته على إرتفاع 1450 متر في جرد المتين

(3) محاضرة في حفل تكريم حبيب عقل صاحب المشروع ألقاها المؤرخ جوزيف لبكي البعبداتي عميد كلّيّة الآداب في الجامعة اللبنانيّة

(4)

يعرف طرفة بن العبد بشاعر المعلقات وهو شاعر جاهلي من إقليم البحرين التاريخي ولد حوالي سنة 543 م


(5)
إبراهيم بن نجم بن إلياس بن حنا الأسود

مؤرخ لبناني من رجال القانون، له نظم. من أهل برمانا في لبنان. تعلم بها وبالمدرسة الوطنية ببيروت. وأجاد مع العربية التركية والفرنسية.
عين مديرا لمدرسة برمانا، ثم كاتبا في دائرة التحقيق. وتقدم حتى كان مدعياً عاما لدى محكمة الاستئناف ومن أعضاء مجلس الإدارة، فقائم مقام لقضاء الكورة (1913) .
ألف عشرة كتب مطبوعة، منها (دليل لبنان) و (ذخائر لبنان) و (تنوير الأذهان في تاريخ لبنان) أربع مجلدات و (ديوان) منظوماته، و ( الخطابة) رسالة، و (الرحلة الإمبراطورية في الممالك العثمانية ).


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*