الرئيسية / مقالات / دولة فلسطينيّة “بلا ولا شي”

دولة فلسطينيّة “بلا ولا شي”

تجاوزت “صفقة القرن” أكثر التقديرات تفاؤلاً بسخاء أميركي حيال إسرائيل وانحياز أعمى إليها، وذهبت أبعد بكثير مما تكرمت به كل عروض الإدارات الاميركية السابقة لانهاء نزاع ألهب المنطقة.

لا تفوّت الصفقة تفصيلاً صغيراً يتعلق بضمان أمن الدولة العبرية. من إعطائها سيطرة تامة على غور الأردن إلى إبقائها المواقع الاستراتيجية الحساسة تحت سيطرتها، وصولاً إلى المجالين الجوي والكهرومغناطيسي.

وبينما تنزع الخطة سلاح دولة فلسطينية موعودة، تمنح الجيش الاسرائيلي بترسانته الكاملة، حرية الحركة في المنطقة الواقعة غرب نهر الاردن بدعوى مكافحة الإرهاب. وبذلك تضمن إسرائيل سيطرة أمنية تامة على المنطقة المحيطة بـ”دولة فلسطين” وكل معابرها، وهو ما لا يغير شيئاً في وضعها الراهن كدولة محاصرة.

وتقترح الصفقة إقامة دولة فلسطينية في غضون أربع سنوات ستكون “بلا ولا شي” على حد التعبير الساخر لزياد الرحباني، ذلك إنها ستكون بلا جيش ولا سيادة، ورهناً بشروط أقل ما يقال فيها إنها استسلام لدولة محتلة. وتشمل الشروط اعترافاً باسرائيل دولة يهودية عاصمتها القدس وتفكيك كل البنى التحتية العسكرية لــ”حماس” مقابل لا شيء تقريباً.

وتبقي الصفقة القدس تحت سيطرة اسرائيل عند السياج الأمني، وهو ما يستبعد العديد من الأحياء العربية من النطاق البلدي للمدينة. ولن يكون للفلسطينيين في القدس الا وجود رمزي مع سماح بالوصول إلى الأماكن المقدسة وعاصمة في الضاحية الشرقية للمدينة.

وكما بات معروفاً، لا تعترف الخطة بــ”حق العودة” للفلسطينيين إلى أراضي إسرائيل، وإن تكن تتضمن عودة رمزية ومحدودة للاجئين الى المنطقة التي ستكون خاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية، على أن يتم توطين الغالبية العظمى من اللاجئين في الدول التي يقيمون فيها.

ويزيد الشكوك في “دولة فلسطينية” موعودة كون المستوطنات في الضفة الغربية لن تفكك، في ما عدا بعض المواقع غير القانونية التي لا تؤوي أكثر من عشرة آلاف شخص يعتبرون من المتطرفين في الحركة الاستيطانية.

لعل خطة بشروط كهذه هي أفضل عرض يمكن أن تقدمه ادارة ترامب أو أية إدارة أخرى لاسرائيل. وبالتأكيد هي لا تمهد لأية محادثات بين اسرائيل والفلسطينيين ولا توحي بأي سلام قريب أو بعيد. وفي المقابل، تعزز الخطة التي تتبنى أكثر أفكار بنيامين نتنياهو واليمين الاسرائيلي حظوظ هذا الرجل ليدخل تاريخ البلاد كرجل يحكم بلاده فترة هي الأطول.

ولم يتأخر الزعيم الاسرائيلي في استثمار هذا الانجاز. وقبل اعلان الخطة رسمياً، أعلن من واشنطن تراجعه عن طلب الحصانة من الكنيست الإسرائيلية، وهو ما يعني أن لائحة الاتهام في حقّه يمكن أن تقدم قريباً جداً إلى المحكمة المركزية في القدس.

لم يعد نتنياهو في حاجة إلى حصانة برلمانية. فمع “صفقة العمر” التي قدمها له ترامب، سيكون “بيبي” قادراً على دحض ليس ثلاثة اتهامات بالفساد فحسب، وإنما أي اتهام آخر يوجه إليه.

monalisa.freiha@annahar.com.lb

اضف رد