الرئيسية / مقالات / دولة ترمُس؟

دولة ترمُس؟

المدعي العام المالي القاضي علي إبرهيم يضرب يده على الطاولة أيضاً، في لقاء ضروري لا بل ممتاز مع الإعلاميين قائلاً: “التدخلات السياسية ممنوعة، ممنوع لأحد ان يشتغل شغلي، وإذا كل ما دقّلنا سياسي بدنا نعمل مثل ما بدو، منفتحها دكانة ومنصير نبيع ترمس”.

نعم الى هذا الحد يصل الألم والضيق بعدد كبير من القضاة، بعدما وضعت الفوضى السياسية الهائلة، والفساد المتوحش الذي ينهش البلد، لبنان في أول قائمة الدول الأكثر فساداً، ما يعني ان معظم السياسيين والمسؤولين الذين تعاقبوا على السلطة، هم الذين جعلوا لبنان “دكانة للترمس”، وهذه لم تكن مسؤولية القضاء، بل مسؤولية السياسيين، الذين إذا صدقت همروجة محاربة الفساد التي يتجنّدون فيها ولها هذه الايام، [سنلحق بهم الى الباب] يمكن ان تبدأ عملية إنتشال السفينة الغارقة!

يقول القاضي إبرهيم إن دعم السلطة التشريعية للقضاء المالي، يشكّل حافزاً إضافياً لخوض معركة مكافحة الفساد، وهذا يسلتزم بالدرجة الأولى تفعيل دور المجلس الأعلى لمحاكمة الوزراء والرؤساء السابقين، لكن السؤال هل يمكن فعلاً تحقيق الأعاجيب في لبنان، وهل هناك من يجرؤ على ان يتخيّل مجرد تخيّل، وزيراً يقف ذليلاً وراء القضبان أو رئيساً سابقاً يغرق في عرق الخجل أمام قوس العدل؟

الرئيس نبيه بري يقول ان المجلس سيلاحق الحكومة على الدعسة، عظيم رغم ان الأمر في بعض جوانبه يشبه من يلحق ظلّه على الدعسة، بإعتبار ان معالي الوزراء هم أنفسهم سعادة النواب، فكيف للنائب ان يلاحق نفسه. لكن بري دعا جدياً الى محاسبة كل وزير لا يتجاوب مع القاضي ابرهيم، الذي يقول إنه يجد نفسه على جبل، لأن هناك مرجعيات سياسية لا تتدخل في عمله [من فمك الى السماء]، ولهذا دونك الآن يا سيدنا ابرهيم، أولئك الوزراء الذين تقول إنك وجّهت إليهم كتباً من أجل ملاحقة موظفين متّهمين بالهدر والرشى، لكنهم امتنعوا عن الإجابة!

لم يعد كافياً تشخيص المرض المتفشي، ولا يكفي ان يكون في لبنان هذه الأيام بنعمة الله تعالى، جيوش من السياسيين والمسؤولين، يرفعون رايات الطهارة وإصلاح الدولة المهترئة، ويلوّحون بسيوفهم، وأعلنوها حرباً كاسحة ضد الفاسدين، ولست أدري من أين ستبدأ المعارك، لكنني أذكّرهم بالمثل القائل إن شطف الدرج يبدأ من الأعلى الى الأسفل.

كلنا نقف وراء قضاة مثل المدعي العام المالي، وكلنا مع صراخ المطالبين بكنس ومسح شاملين لمعرفة جيوش المستشارين والفنيين والموظفين والمياومين والأجراء والمتعاقدين على الساعة، وبائعي ما يسمى الخدمات، الذين دحشوا دحشاً ليصير عندنا كمايقال 300 ألف موظف بإعتبار أننا الصين العظمى!

هذا الضجيج حول محاربة الفساد لا يكفي، أعطوا الشعب أسماءً لا أشباحاً، المطلوب تسمية الحيتان والسمك والسمك الكبير وعندها ترتدع أسراب سمك البزري بعدما صارت السرقة شطارة والنهب حلالاً و”الشاطر لا يموت”!

نعم سيدي، أمس وقع نظري على عدد من جريدة “النهار” تاريخه عام 1974 أي منذ 45 سنة وكان خبر المانشيت عن مناظرة تلفزيونية قال فيها العميد ريمون أده رحمة الله عليه عنوانها: ماذا فعلتم بالماء، بالكهرباء، بالغلاء، بالأمن؟

وعسى ألا يطرح أحفاد أحفادكم السؤال إياه بعد 45 سنة!

rajeh.khoury@annahar.com.lb – Twitter:@khouryrajeh

اضف رد