الرئيسية / مقالات / دولة “الرؤوس الثلاثة” مسؤولة… و”المركزي” والمصارف

دولة “الرؤوس الثلاثة” مسؤولة… و”المركزي” والمصارف

“الموقف هذا النهار” في معالجته الإعلامية لانهيار الليرة اللبنانية وفقدان المصارف سيولتها وانخفاض احتياط
مصرف لبنان الى حدٍ مقلق بل مرعب لا يقف في صف المدافعين عن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة “ظالماً كان أم مظلوماً”. ولا يقف في صف المصارف وجمعيتها التي استسلمت له ومن زمان جرّاء المكاسب التي أمّنها لها سواء كانت مسؤولة عن أوضاعها الصعبة والأوضاع الصعبة لوادعي أموالهم فيها، وفي الوقت نفسه لدولة لبنان و”شعوبه” ونظامه الديموقراطي البرلماني الجمهوري الليبيرالي الحر، أو إذا كانت شريكة في المسؤولية أو بريئة منها “براءة الذئب من دم ابن يعقوب”. كما أن “الموقف” لا يدافع عن الدولة الموجودة اسماً والفاشلة فعلاً محمِّلاً مسؤولية الانهيار لآخرين ومبرّئاً إياها من كل جنحة أو جرم أو ارتكاب. والحلقات الأربع الأخيرة منه خير دليل على ذلك. و”الموقف” لن يغيّر مساره لأن كاتبه ليس “مربوطاً” بأي من هؤلاء سواء بالمال نظيفاً كان وطاهراً أو وسخاً كي لا نستعمل صفة أخرى، أو بالطموح الى أي موقع. فالباقي من الحياة صار أقل من الذي انقضى والسمعة الجيدة والاحترام سواء مع محبة أو من دونها أهم بكثير من المواقع وأموال الفاسدين ومواقع المرتكبين.

“الموقف هذا النهار” يسعى فقط الى لفت الناس الى أن المدافعين عن كل من هؤلاء الأطراف الثلاثة يتوسلّون الفتنة طائفية أو مذهبية في الدرجة الأولى دفاعاً عن شخص أو عن موقع. فهل يستحق أي شخص أو أي موقع وأي شاغل له إعادة البلاد الى حرب أهلية – طائفية – مذهبية تحقيقاً لمصالح داخلية أنانية أو تأميناً لمصالح خارجية أي إقليمية ودولية لم يكن لبنان لأصحابها إلا ساحة رغم تغنّي بعض هؤلاء به وبحريته وديموقراطيته والعيش المشترك الاسلامي – المسيحي فيه. والبعض الآخر من هؤلاء بنضاله ضد إسرائيل العدوّة وحاميتها أميركا والغرب عموماً، والبعض الثالث منهم بالعروبة الحقّة والاسلام الحنيف المقاوم للإسلاميين “الشعوبيين” كما كانوا يسمون. طبعاً لا. انطلاقاً من ذلك لا بد من تنبيه الناس الى أن الدفاع عن حاكم “المركزي” رياض سلامة فقط لأنه مسيحي ماروني يتولّى أرفع مركز غير سياسي في الدولة ومطالبة بكركي بالتدخل لحمايته يؤذيه جداً ويضر المسيحيين عموماً. ذلك أن الدفاع عنه يكون بإظهار عدم مسؤوليته عن الانهيار النقدي – المصرفي – المالي الحاصل سواء تصرّف بمفرده أم كان له شركاء. كما أن الدفاع عن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون و”تياره الوطني الحر” ورئيسه الذي هو في الوقت نفسه “ولي عهده” لا يستقيم إذا كان هدفه ضرب اتفاق الطائف ونصوصه واستعادة سيطرة المسيحيين أو بالأحرى مسيحييه على المواقع الأساسية والأكثر نفوذاً وفاعلية في الدولة، كما استعادة مواقع دنيا لا قيمة “نفوذية” لها رغم ضرورتها (رفض توقيع مراسيم دستورية وقانونية لأن المسلمين المستحقين فيها أكثر من المسيحيين، ولأن الأخيرين يستنكفون عن دخول الدولة إلا في المواقع الكبيرة). ويذكرنا ذلك بالقول العامي “عرّم يا جوخ صاحبك طفران”. والطفر هنا هو الادعاء الذي يعبّر عنه قول عامي آخر ذو دلالة مهمة “المهم نعرِّم ولو على خازوق”.

أما الدفاع عن الدولة ونظامها المكتوب والعرفي الذي يمكن اعتباره متقدماً يوم كان أساسه دستور 1926، ويوم صار أساسه دستور الطائف 1989، فإنه لا يستقيم في الظروف الحالية الصعبة. إذ أن الهدف من الثورة والثورة المضادة عام 1958 كان مثلث الأضلع. الأول منع الرئيس كميل شمعون من تجديد ولايته خلافاً للدستور. والثاني فوران الشعور القومي العربي الوحدوي الذي أطلقه في المنطقة العربية الرئيس جمال عبدالناصر. أما الثالث فكان خيبة المسلمين من إحجام المسيحيين الذين سلّمتهم فرنسا المنتدبة حكم لبنان عن جعل الشراكة بين أبناء الطائفتين فعلية. علماً أن مبرّرَي الخوف والغبن اللذان استُعملا في حينه كانا حقيقيين. وأما من يُدافع عن دولة الطائف من كل المذاهب والطوائف ومن المسؤولين والمرجعيات والسياسيين والأحزاب. وأيضاً من الناس المؤيدين لهم بعد اقتسام كل طائفة من هؤلاء الرئاسات الثلاث والإدارات والمؤسسات الأمنية والقضائية والعسكرية بعدما صار كل منها يمتلك حق “الفيتو” وتالياً قادراً على التعطيل والفوضى والسرقة والنهب والفساد وتوظيف البلاد وناسها لتأمين مصالح جهات دولية وإقليمية متناقضة في مقابل “فضة” زمان التي تساوي اليوم مئات ملايين الدولارات وحتى مليارات لا سيما إذا جُمعت على مدى السنوات وتحديداً من 1975 حتى اليوم.

فحكّام هذه الدولة هم المسؤولون أولاً وبعدما شوّهوا دستور لبنان وحرّفوه ومزّقوا قوانينه أو عطّلوها وبعدما قضوا على النظام الديموقراطي البرلماني الجمهوري الليبيرالي وبعدما ضربوا الاقتصاد الحر، وليس رياض سلامة وحده الذي تنحصر مسؤوليته في أن تعيينه قام به هؤلاء وأن إساءة إدارته الملف المالي “المركزي” والرسمي والمصرفي تمت بمعرفتهم وأمّنت مصالحهم المتنوّعة. وهم مسؤولون أيضاً لا “حزب الله” وإيران راعيته بل ومؤسِّسته رغم أنه لا يؤمن بالنظام اللبناني وعنده مشروعه الخاص المتوافق مع المشروع الإقليمي للأخيرة. علماً أنه لا يستطيع أن ينكر مسؤوليته أيضاً لأنه كان دائماً جزءاً من اللعبة حتى عندما كان بعيداً من السياسة اللبنانية ثم صار سيِّدها بعدما دخلها من الأبواب الواسعة، كما بعدما غابت شمس الآخرين الخارجيين طبعاً وبعض الداخليين. و”حركة أمل” مسؤولة أيضاً والأحزاب المسيحية مسؤولة كلها كما الحزب “الدرزي الأبرز” بزعيمه الأبرز. أما “المستقبل” السنّي فمسؤوليته قائمة وكبيرة اذ شارك ومن زمان أطراف البلاد كلهم في عملية “البيع والشراء” وتأمين المصالح. طبعاً يجب عدم إغفال عرب الخليج ودورهم في ضرب النظام اللبناني ومن زمان. وقد ازداد هذا الضرب بعدما صارت إيران شريكاً مضارباً لهم في المنطقة ثم شريكاً رسمياً، كما بعدما حلّت مكانهم في مناطق عدّة وبدأت تهدّدهم من داخل بلدانهم.

في اختصار إن “المدافعين” عن النظام اليوم لم يؤمنوا به يوماً لكنهم يريدون المحافظة على مصالحهم المالية والزعاماتية. وكل منهم له لبنانه ونظام له، وكلهم يحاولون معرفة إذا كان الانهيار الحالي سيفتح باب التغيير الشامل إذا أعقبه انفجار شعبي دموي وتطوّر معيّن في مواقف الجهات الاقليمية والدولية المعنية. وتفكير بعضهم في جعل سلامة “كبش محرقة” خطأ لأنه لن يحل المشاكل كلها وحده. وتبرئته كما تبرئة المصارف في غير محلها وكذلك “الرؤساء الثلاثة” لدولة لبنان وأحزابها وطوائفها والمذاهب. طبعاً الحلّ ليس سهلاً وربما تخفّف من صعوباته بعض الشيء العودة الى الضمير والوعي والقيم الدينية الحقيقية لا المشوّهة كما القيم الوطنية.

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد