الرئيسية / مقالات / دور جيش لبنان مع “الحزب” كدور جيش إيران مع “الحرس”؟

دور جيش لبنان مع “الحزب” كدور جيش إيران مع “الحرس”؟

يوم الاثنين الماضي كانت معلومات مجموعة صغيرة من الأصدقاء الواصلين إلى مصادر المعلومات في البلاد تفيد أن الاحتجاجات الشعبيّة الوطنيّة واللّاطائفيّة الأكبر في تاريخ لبنان الحديث، والتي شملت غالبيّة مناطقه خلقت جوّاً من الإرباك داخل “حزب الله” كما في أوساطه. فهي من جهة ترفع مطالب اجتماعيّة – خدماتيّة – إنمائيّة، وأخرى تتعلّق بمكافحة الفساد المعيشي في إدارات الدولة كلّها ومؤسّساتها الدستوريّة وأسلاكها المتنوّعة وفي القطاع الخاص، وبضرب الشراكة القائمة بينهما سواء على مستوى رأس الهرم أو على مستوى قاعدته. ومن جهة أخرى تحمِّل القيادات الرسميّة والسياسيّة كلّها على تنوّعها الطائفي والمذهبي مسؤوليّة تحوّل وطنهم دولة فاشلة ومزيّفة، وتُطالب بالتخلّص منها كلّها بشعار “كلُّن يعني كلُّن”. ومن جهة ثالثة تكشف تواطؤ المحور الذي يتزعّمه “الحزب” و”الثنائيّة الشيعيّة” أو بالأحرى سكوته على مسؤوليّة فاعليّات كثيرة من “شعبه” عن الحال المزرية التي بلغها الناس كلّهم، كما على مسؤوليّة حلفائه فضلاً عن مسؤوليّة أخصامه سواء الذين اتّخذ قرار التعامل معهم أو استمر في الابتعاد عنهم لأسباب سياسيّة. وهي تكشف من جهة رابعة إنصات العالم العربي والأجنبي “المُعادي” إلى الحراك واهتمامه به وعودته إلى الرهان عليه لإضعاف “الحزب” ودوره اللبناني والإقليمي، كما لتصعيد الضغط الكبير الذي يقوم به من زمان على حليفته بل راعيته وحاضنته منذ تأسيسه الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة. وفي هذا المجال تلقّى قادة في “الحزب” معلومات من جهة إعلاميّة، تؤكّد صحّة المثل العامّي “دود الخلّ منه وفيه”، تُعزِّز شكوكهم في دور مالي عربي جعل التغطية الإعلاميّة المتنوّعة الشاملة للاحتجاجات تبلغ العالم كلّه، وتجعله أكثر سخطاً عليه وأكثر حقداً ورغبة في التخلّص منه. علماً أنّ ذلك على افتراض صحّته، جعل جهات في “الحزب” ميّالة إلى استعمال القوّة لمنع تفاقم الاحتجاجات وخصوصاً بعدما بلغت ساحته بل ساحة “الثنائيّة الشيعيّة” كلّها، تلافياً لاتّساع التجرّؤ وللاضطرار إلى ضربه في مناطقهما إذ في ذلك خطر كبير على الجميع. واعتبرت ذلك أقل كلفة عليها فيما لو اضطرّت إلى اللجوء إلى خيار القوّة مستقبلاً.

إلّا أن معلومات أخرى داخل مجموعة الأصدقاء نفسها المُشار إليها أعلاه أكّدت أن قرار التدخّل بالقوّة لفضّ الاعتصام اتّخذ، وأن التنفيذ لم يعد بعيداً ولا سيّما بعدما لم يفهم المحتجّون وخصوصاً في ساحتي رياض الصلح والشهداء رسالة “القوّة” الأولى لـ”الثنائيّة” التي منعها الجيش من تنفيذ مهمّتها “الأمنيّة”، أو بعدما ظنّوا أنّ هذا الجيش سيتصرّف على نحو مماثل كلّما حصلت “إغارة” من هذا النوع. في اختصار بدا في اليوم التالي أي الثلثاء الماضي أنّ المعلومات الثانية كانت أكثر دقّة. فحصلت الإغارة. لكن الذي فاجأ المحتجّين في الساحتين المُشار إليهما كان عدم تدخّل الجيش والقوى الأمنيّة لمنعها واقتصار دورها على إخراج من قاموا بها بسرعة بعد تنفيذ مهمّتهم وعلى تلافي إراقة كثير من الدم. كما فاجأهم إقدامه في اليوم التالي على فتح الطرق المقفلة في غالبيّة مناطق لبنان ومنها العاصمة أي بيروت الإداريّة وبيروت الكبرى.

ماذا يعني ذلك؟

“التفلسف” والاجتهاد في الجواب ليس ضروريّاً الآن. ذلك أنّ الناس عموماً من فقراء وطبقة وسطى وحتّى طلّاب أيّدوا الاحتجاج الأكبر (13 أو 14 يوماً)، وشارك عدد كبير منهم فيه كلّ في بلدته أو قضائه أو محافظته، ولا يزالون مؤمنين بضرورته. لكنّهم يحتاجون إلى العمل وإلى الرواتب وإن قليلة وإلى المدارس. فضلاً عن أنّهم يعرفون صعوبة تحقيق “الإنجاز” الذي يريدون في سرعة في ظل قدرة قادة “شعوب” لبنان ونظامه الطائفي المذهبي على تحريك شوارعهم. وما حصل بعد استقالة الحريري أوّل من أمس دليل على ذلك. علماً أنّه قد لا يكون أعطى تعليمات مباشرة بذلك. ومواجهته بتصرّف مماثل من “شعب” الثنائيّة أمر غير مُستغرب ومُحتمل جدّاً إذا دعت الحاجة. لكن ما يشغل بال الناس هو الجيش. فـ”الموقف هذا النهار” دعا دائماً منذ أوّل أيّام الاحتجاج الكبير إلى تفاهم الجيش و”حزب الله” لإرساء وضع أمني وسياسي في البلاد من دون القيام بأي انقلاب، والانقلابات مستحيلة في لبنان، ولـ”مساعدة” الحكّام الرسميّين ومجلسي النوّاب والوزراء على سلوك طريق إصلاحيّة تؤمِّن حاجات الناس وتمنع وقوع لبنان وسريعاً في هاوية لا قرار لها أمنيّاً وسياسيّاً وماليّاً ونقديّاً واقتصاديّاً. و”حزب الله” تمسّك دائماً بـ”المثلّث الذهبي: الجيش والشعب والمقاومة”، وأكّد دائماً أنه يحتاج إلى الجيش في الداخل وعلى الحدود للمحافظة على الأمن ومكافحة الإرهاب الذي هدّده منذ 2011 ولا يزال يُهدّده يوميّاً لولا يقظة الأجهزة الأمنيّة والعسكريّة الرسميّة و”الحزبيّة”. وسبب ذلك دوره الرادع لإسرائيل وخصوصاً جنوباً وبقاعاً غربيّاً، وانخراطه عسكريّاً في حرب إقليميّة واسعة تخوضها راعيته إيران في المنطقة وربّما أمنيّة في مواجهتها ضغوط أميركا المُتزايدة عليها. والجيش لم يقف يوماً ضدّ “المقاومة”. لكن التفاهم الذي دعا إليه “الموقف” أي الشامل لم يحصل، واستمرّ بديله أي “التفاهم على القطعة” إذا جاز هذا الوصف. وربّما يكون لذلك أسباب عدّة، منها أن دور الجيش في إيران مهمّ جدّاً لكن الدور الأكبر لـ”الحرس الثوري” و”البسيج” ربّما لخوف من مداخلات خارجيّة تحرِّض على انقلابات، رغم أن تبايناً بين المؤسَّستين لم يظهر يوماً. وفي لبنان يمثّل “الحزب” “الحرس”، لكن الجيش مؤلَّف من “شعوب” لبنان المختلفة الأمر الذي يُعرّضه دائماً إلى مداخلات خارجيّة مُعادية قد تنجح إحداها وإلى انقسامات غير ظاهرة مطابقة لانقسامات “الشعوب”، وإلى تدخّل أميركا التي تدرّبه وتُسلّحه لمحاربة الارهاب رغم أنّها أوقفت التدريب في حزيران الماضي على ما يقول عارفون. لكنّ الأخير في مفهومها يشمل “حزب الله” الشيعي وليس فقط التنظيمات الارهابية السنيّة البالغة التطرُّف والتشدّد. لكلّ ذلك ربّما يعتبر “الحزب” أنّ وقت الدولة صاحبة الأمر والنهي لم يحن. فضلاً عن أن “نوع” هذه الدولة غير مُحدّد بعد رغم “اتفاق الطائف” الذي قد يترحّم عليه اللبنانيّون قريباً. فلكلّ “شعب” لبناني تصوّر لدولة مختلفة بل مناقضة لدول “الشعوب” الأخرى. وقد ساهمت الحملات الإعلاميّة في وسائل التواصل الاجتماعي في إعادة تذكير الناس بخطب قيادات “حزبيّة” اعتبرت أن هدفها دولة إسلاميّة في لبنان تكون جزءاً من دولة الوليّ الفقيه. وفي هذا المجال ربّما يكون التباين حتّى لا نقول الخلاف بين قيادة الجيش ورئيس الجمهوريّة، الذي يحرص “الحزب” عليه كثيراً لأسباب متنوّعة وإن غير مُقنعة أحياناً، عاملاً إضافيّاً لعدم نسج تفاهم استراتيجي مع الجيش. علماً أنّ المقارنة بين الموقعين المذكورين لا تصحّ لأنّها بالسياسة ستكون في مصلحة بعبدا والرئيس. والشدّ والجذب الذي حصل بينهما دائماً سواء في اجتماعات مجلس الدفاع الأعلى على قلّتها أو في اجتماعات أخرى تساعد “الحزب” على التمسّك بسيّد بعبدا لأنّ الصدام معه أكثر خطورة من الصدام مع الجيش. إذ أنّ له ولقادة “الشعوب” الأخرى “جماهير” داخله. وما نقله حيناً للإعلام وأحياناً لـ”مجالس سياسيّة متنوّعة” مشاركون في لقاءات بين بعبدا واليرزة لمعالجة مشكلات متنوّعة ليس بعيداً من الحقيقة. فيوم حادثة “قبرشمون” طلب عون الرئيس من عون قائد الجيش وبغضب القيام بما يلزم بعد تعرّض باسيل إلى “محاولة اغتيال”، علماً أنّ الأجهزة الأمنيّة المتنوّعة كلّها نفت وجود نيّة اغتيال أحد. وكان ردّ الثاني لوم “الصهر” في صورة غير مباشرة بقوله “وضعت في تصرّفه ستّة كتائب عسكريّة، ماذا أفعل أكثر من ذلك؟”.

وفي أيام الاحتجاج الوطني الأكبر الـ13 أو الـ 14 الذي لم ينطفئ تماماً بعد حصلت مناوشات مماثلة. لكن الجيش صامت اكبر ولا يتكلّم. منها واحدة يقول البعض انها حصلت بين الرئيس والقائد وبعض آخر بين القائد و”الصهر”. لكن المغزى واحد. فالخلاف دفع إمّا الرئيس وإمّا “الصهر” إلى التهديد بإقالة القائد لتركه الاحتجاج المذكور ماشياً أي لعدم قمعه. فكان الجواب: “الإقالة يقوم بها مجلس الوزراء وبأكثريّة الثلثين، أمّنوها وأنا أغادر”.

في أي حال ليس الهدف من ذلك صبّ الزيت على النار. فالمطلوب إطفاؤها ولكن بحكومة توحي الثقة للمجتمع الدولي الذي يحتاج لبنان إلى مساعدته الفوريّة، وللدول العربيّة الغنيّة التي يحتاج ايضاً إلى مساعدتها الفوريّة. فمن الأوّل تحتاج البلاد إلى سيولة لشراء المحروقات والأدوية والطحين (أو القمح) على الأقل لمدّة ثلاثة أشهر وإلى مساعدات أخرى. ومن الثانية يحتاج لبنان إلى مساعدات ماليّة أو على الأقل ودائع تُعزِّز احتياطه المالي الذي يؤكّد كثيرون أنّه لم يعد بعيداً من “الانهيار أو…”. وهي أي الدول العربيّة لن تُقدم على ذلك إلّا إذا عاد لبنان إلى ممارسة سياسة “النأي بالنفس” الفعلية وفي كل المجالات. كما لن تبادر دول أجنبيّة وخصوصاً فرنسا إلى المساعدة إذا لم تكن الحكومة برئاسة سعد الحريري وإذا لم يكن لونها السياسي أو بالأحرى لم تكن ألوانها السياسيّة ضعيفة أو باهتة.

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد