الرئيسية / مقالات / دود الفساد وخلّ السياسة!

دود الفساد وخلّ السياسة!

في ١٢ تشرين الأول الماضي أنهى منسق “مؤتمر سيدر” السفير الفرنسي بيار دوكين جولته الأولى على المسؤولين اللبنانيين، بلقاء مغلق مع الإعلام أعلن خلاله صراحة، ان ما سمعه يدفعه الى القول “إن لبنان بلد غير قابل للإصلاح”، خصوصاً ان البعض همس له: هل صدقتم أننا نستطيع ان ننفذ فعلاً كل ما وعدناكم به في باريس؟

جولة دوكين الثانية على المسؤولين إنتهت يوم السبت الماضي، بوضع كثير من النقاط على حروف الفوضى السياسية اللبنانية، التي لم تضيّع ١١ شهراً مضت على عقد “مؤتمر سيدر” ومنها تسعة أشهر على تشكيل هذه الحكومة السعيدة فحسب، بل بيّنت ان لبنان لم يقدّم بعد حتى الآن خطة للإصلاحات التي إتُفق عليها، لكي تكون الصورة واضحة عند المستثمرين وكسب ثقتهم، وهو بالتالي لا يملك ترف إضاعة المزيد من الوقت.

طبعاً لم يحدد أحد موعداً للحكومة لكي تبدأ عملية الإصلاح، التي تشكل المدخل الوحيد للحصول على الدعم الذي وعدت الدول المانحة بتقديمه، لكن المثير أنه يطالب الحكومة بتحديد الأولويات لديها، إذ لا بد من تحديد ما هي المشاريع ذات الأولوية القصوى، التي يجب ان تنفذ في السنة الأولى ثم الثانية، بما يعني أنه لم يحصل ولو على روزنامة أولوية لتصوّر لبنان، في حين كرر ان المانحين على أتمّ الجهوزية لتمويل هذه المشاريع.

هناك تراتبية للتنفيذ سمّاها دوكين الدعائم الثلاث، أي برنامج المشاريع لتطوير البنى التحتية، ثم الإصلاحات الضرورية التي تساعد في تنفيذ البرنامج، ثم يأتي دور التمويل الذي تعهد المانحون توفيره بمبلغ ١١ مليار دولار!

في هذا السياق كان الكلام واضحاً بمقدار ما صار التحدي الذي تواجهه الدولة اللبنانية كبيراً، بمعنى ان دوكين أوضح للجميع، أنه ليس صحيحاً ان أموال “سيدر” ذهبت، بل أنها موجودة ولكن ليس للصرف أو للتوزيع مجاناً أو بطريقة عشوائية، بما يعني ضمناً ان المانحين تعلّموا الدرس جيداً بعدما تخلّف لبنان عن تنفيذ كل ما وعد به من الإصلاحات في مؤتمري باريس واحد وباريس اثنين.

الدول المانحة لم تحدد لنا موعداً للإصلاح لكن على الحكومة ان تبدأ، على الأقل، ان تباشر إعطاء إشارات، ففي الواقع حتى الإشارات لم تبدأ بعد، وليس من الواضح إن كانت ستبدأ في ظل ما جرى في الأيام الأخيرة بالتوازي مع جولة دوكين!

طبعاً لا أتحدث هنا عن وكالة “ستاندارد أند بورز”، وقرار تصنيف لبنان وخفض النظرة المستقبلية إليه من مستقرّة الى سلبية ولهذا معناه وتأثيره عند الدول المانحة، بل أتحدث عن إشارات التراشق الداخلي بالإتهامات بالفساد، من منطلقات سياسية تعمق الإنقسام، في وقت لا يمكن الحديث عن إصلاح إن لم تتوافر إرادة وطنية جامعة تترجم هذا السباق المضحك المبكي على محاربة الفساد، لكأن هؤلاء الذين أوصلونا الى قعر الهاوية صاروا فجأة من الملائكة الأطهار الذين يريدون إصلاح ما أفسد الدهر كما يقال.

لست أدري كيف ومن أين يمكن ان نستجيب شروط “سيدر” الإصلاحية في بلد تنهمر فيه فضائح الفساد يومياً مثل المطر، في وقت يتعمّق الإنقسام السياسي والمذهبي، والبلد يحتاج الى جمعية أطباء متفاهمين متعاونين وإختصاصيين لمحاربة سرطان الفساد الذي لا شفاء منه على ما يبدو. مسيو دوكين هل سمعت بالمثل القائل “دود الخلّ منه وفيه”؟

rajeh.khoury@annahar.com.lb – Twitter:@khouryrajeh

اضف رد