الرئيسية / home slide / دم الثقافة ودماء المثقفين

دم الثقافة ودماء المثقفين

23-03-2021 | 00:30 المصدر: النهار

جهاد الزين

منحوتات لجنان مكي باشو.

(إلى #لقمان سليم في ذكرى أربعينه)
 لا فارق في الاغتيال. كل سقوط بل إسقاط إجرامي لمثقف هو طبعاً إسقاط للثقافة. لا ثقافة مزدهرة من دون حرية، وأيضا ودائما كما علّمتنا تجارب الاستبداديين أو التجارب مع الاستبداديّين، لا ثقافة مزدهرة من دون مواجهة. فالمهم وسط غابة المحرّمات هو رفض التنميط. تعليب مجتمع أو جماعة. ما تتعرّض له جماعاتنا على يد الأصوليات الفكرية هو سمة هذه الحقبة. لاسيما الأصوليات الحاكمة. وفي اللحظة الراهنة، يبدو الأمر وكأن المثقفين يذهبون كغيرهم إلى الغرب ليس للنجاة أو للبقاء على قيد الحياة فقط بل للإبداع. للتفتّح الحياتي بما فيه الثقافي فينقذون معهم ما تبقى من الثقافة الأصيلة كما تُنقَذ الآثار أو بقايا الآثار المدمّرة. هكذا يحوّلنا الاستبداد إلى “لصوص” لثقافتنا نفسها. نحن “لصوص”أنفسنا. الشكل الأكثر مهزلةً لتاريخنا الثقافي. ما نمر به ليس لحظة تاريخية، بل لحظة غير تاريخية لأنه عندما ينعدم الأمان الثقافي فما يحدث هو عدم انكتاب لتاريخنا الذي يبدو ذاهبا إلى هباء. الهباء يهدِّدنا بل يجرفنا. وحدهم “لصوصنا” في الغرب،أي المهاجرون والمهجّرون من البيوت والجامعات والمنابر المُفْلِتون من مجازر التنميط والتفاهة في بلداننا هم الذين يبدون وكأنهم يحملون طوق النجاة الباقي من أرض غير ناجية. “لصوص” أنفسهم حين تكون سرقة النفس، ضمن المهزلة المفروضة، هي العمل الأكثر نبلا.إنه الاندثار البنّاء. الذهاب من حالة السوسيولوجيا إلى حالة الأنتروبولوجيا. كل مقيم كائن اجتماعي. فهل كل مهاجر كائن “أثري”؟ منذ بدأت الحرب الأهلية وهي تلتهم دمَ الثقافة، وبين الحين والآخر دمَ مثقفين. أهم جامعاتنا لم تعد أكثر من سفن أو طائرات ترانزيت إلى جامعات الخارج. فلا رحلة علمية أو إبداعية تنتهي في محيطها بل عليها أن تولد خارج هذا المحيط. عليها أن تولد خارجيةً لتولد وتأخذ مكانها القِيَمي. دائما تصدر نتاجات بحثية أو إبداعية ما كان لها أن تصدر، بل الأدق أن تجرؤ على الصدور لو لم تكن في الخارج. ليس الباقون على هذه الأرض “هنوداً حمرا” كما يحلو لبعضنا أن يقول، إنهم كائنات فقدت السيطرة على أصولها. أصولها لا تخصّها بل هي “ملك” غرباء صاروا أكثر امتلاكا لها من أصحابها. عندما لا تعود الثقافة قادرة على التنفّس فالدول، دولنا، تصبح كالرئات الاصطناعية الموجودة هنا ولكن المنتَجة هناك، في الخارج. في هذه اللحظة غير التاريخية نحن متحف للفوضى غير الخلاّقة التي يديرها إما استبداديون وإما “مفكِّرون” يملكون كل طاقة التفكير القمعي. نحتت فنانة لبنانية منذ عامين ونيّف، هي جنان مكي باشو، خرفانا وحيوانات معدنية بصفوف طويلة يقودها  “رعاة” داعشيون (مع التفسير الواسع للمصطلح لا الضيّق). كادت تقول بل قالت، أريد أن أصنع شعوبا معدنية وهي تقصد أنها ترى فينا هذه المعدنيات الذاهبة إلى خردة التاريخ، اللاتاريخ. كان مشهد الحيوانات جميلاً وهي تلمع لا تحت الأضواء بل تحت الألق الصامت لاستسلام منتظِم. قُتِل كثيرون قبل لقمان سليم. مساره الشجاع واغتياله (الخسيس ككل اغتيال) يدفعان إلى الاعتقاد أن قتله هو علامة على أن كثيرين سيقتلون لاحقا إذا استمر اللاتاريخ في تسوير منطقتنا بجدران الانحطاط. سألتُ قبل قليل: كل مقيم هو كائن اجتماعي فهل كل مهاجر كائن “أثري”؟ أعترف أن السؤال مخطئ لأن المهاجر حتى وهو ينقذ قديمه، بما فيه نفْسُه ونفَسُه، فهو ينقذ جديده، بينما المقيم حتى لو كان كآثار بعلبك معرّض في العمق للاقتلاع الذي لا يُبقي قديما ولا جديدا. نحن مجتمع مقتلَع في دولة مخلّعة. إذن نحن آثار أنفسنا بما هي حطام. لا أجد مبرِّراً ولا مبرَّراً لأي ملاءمة في اقتصاد الكلام، أي ما يُسمّى ضبطه. فمن يضبط مضبوطات؟! وما تبقّى من صياغاتنا الكلامية هو الهوامش المفرَغة من حق التسمية حتى بتنا جميعاً، لولا بعض الابتهالات، على مسرح إيمائي، لعل أكثره تأثيرا هو أكثره ابتذالاً. من يضبط مضبوطات؟ أعني من يضبط ممنوعات مضبوطة؟ في هذه اللحظة اللاتاريخية وفيما الركام المنظور والمخفي يحتل لغتنا كيف يمكن للثقافة أن تصنع وجها مقبولا للحياة على أطلالنا؟ يبدو لي هذا جُلَّ طموحنا، فما نقاتل لأجله ليس إحياء الركام بل تجميله كما حصل ذات يوم في قيام أحدالفنانين (جاد خوري)بمبادرة لتحويل برج المر في بيروت إلى لوحة نوافذ ملوّنة. وقد بدا المشهد لوحة فنية جميلة فعلاً تلعب ضد الحرب ولكنها لا تحيي المبنى الشاهد. صار هذا خيارنا كلما ازداد التدهور. أي إنقاذ الذكرى وليس المصير. عاش لقمان سليم سنواتٍ طوالاً مهموما بتوثيق جرائم مرت دون عقاب. بدءاً بمجزرة صبرا وشاتيلا. التوثيق بالنسبة له هو العقاب الوحيد المتاح. فمن سيوثِّق جريمة اغتياله؟ 
j.elzein@hotmail.comTwitter: @ j_elzein