الرئيسية / home slide / دفون قرية جبلية لبنانية تنعم في جمال الطبيعة ومساكنها الأثرية

دفون قرية جبلية لبنانية تنعم في جمال الطبيعة ومساكنها الأثرية

منذ 3 ساعات

عبد معروف
 القدس العربي
6032022 

يخفي لبنان العديد من القرى والبلدات الأثرية الضاربة بعمق التاريخ، وقد تميزت هذه المناطق اللبنانية على امتداد الوديان وأعالي الجبال، بطبيعتها الفاتنة ومواقعها الأثرية وتاريخها الذي يروي حكايات الحضارات قبل مئات السنين.
وما زالت أشجار الأرز والصنوبر، والسرو والسنديان بالإضافة إلى الأشجار المثمرة كأشجار الجوز واللوز والتفاح والخوخ والبرتقال ودوالي العنب تغطي الجبال والوديان وتحتضن المنازل والمعالم التاريخية القديمة، تتحول بها القرية إلى لوحة تدهش النظر، وتمنح الزائر المتعة البصرية إلى جانب الهواء المنعش والهدوء والسكينة التي تخيم على القرى اللبنانية.
وإحدى هذه القرى دفون، وتقع قرب مدينة عاليه في جبل لبنان، وتبعد عن العاصمة بيروت حوالي 30 كلم. قرية ساحرة للغاية، تتربع على سفح جبل أخضر تحيطه الغيوم من كل الجهات، وترتفع عن سطح البحر حوالي 800 م وعدد أهاليها المسجّلين قرابة 7500 نسمة.
يعبر أسفل قرية دفون مجرى نبع الصفا تحت جسر القاضي إلى مصبّ نهر الدامور جنوب بيروت، وتتميز القرية بمناخها المعتدل وبطبيعتها الخلابة ما جعلها فريدة من نوعها خاصة منازلها المبنية من الأحجار الضخمة والصخور الطبيعية القديمة.

احتمالات تسمية دفون

اختلفت الوثائق والكتب التاريخية حول أصل تسمية القرية، ففي حين تذكر بعض الوثائق التاريخية الصادرة عن وزارة السياحة اللبنانية، أن أصل تسمية دفون مشتقة من الفينيقية وتعني مدفن للقوماء الفينيقيين، بينما الوثائق في مكتبة بلدية دفون تشير إلى أن أصل التسمية آراميّ ـ سريانيّ بمعنى الجنب أو الخاصرة، أو الناووس والمدفن.
أما المصادر الأخرى فوضعت أربعة احتمالات لتسمية دفون، الاحتمال الأوّل: من الإغريقيّة دفنة، ويعني شجر الغار. الاحتمال الثاني: dafuna من السريانيّة ويعني تابوت. الاحتمال الثالث: dafne من السريانيّة ويعني نواح. الاحتمال الرابع: dufne من الإغريقيّة ويعني زادًا للطريق ومؤنًا ودفنة، مزار مشهور للإغريق هو مزار لابولون يقع قرب إنطاكية.
ويرى الباحث عفيف مرهج أنه إذا كان الإسم سامياً، فنعتُهُ من السريانية DUFNA أي تابوت، صندوق للمومياء. وقد يكون من DAFNÉ أي جهات ونواح. وهناك لفظ دخيل من الإغريقية DUFNÉ أي زاد للطريق ومؤن ، ومعنى دفنة في الإغريقية شجر الغار.
إلا أن الباحث مرهج في كتابه «إعرف لبنان» لم يرجح أي منها لتكون أصل تسمية القرية، بل عدد الاحتمالات كما ذكرتها مصادرها المختلفة.
من جهته، المونسيور طوبيّا أبي عاد وهو أحد فعاليات القرية فقال في كتابه «دفون» هكذا عُرِفَ إسمها وهو كلمة سريانية شأن كل تسميات معظم قرى لبنان وبلداته ومدنه. معنى دفون الجنب أو الخاصرة وإسمها بالسريانية «دفنو» وتفسير إسمها خير وصف لموقعها، فهي بمثابة خاصرة في جبل رأسه حرج الصنوبر وخاصرته ذلك السهل الصغير من الشرق إلى الغرب وعليه تقوم بيوت الضيعة، أكثرها من العقد العتيق تعلوها سطوح القرميد. أقدام الجبل تطال نهر الصفا المارٌ في جسر القاضي إلى مصبّ الدامور، تقع في مقاطعة الغرب الفوقاني من أعمال الشوف قديماً وفي قضاء عاليه حالياً.
في قرية دفون، لا شيء يعلو صياح الديك الذي ينطلق كل فجر معلنا ميلاد يوم جديد، فالطبيعة الخلابة تتشابك مع ذلك الصوت لرسم حياة جميلة وهادئة، ويغلب على القرية الطابع شبه الريفي وتتميز بالبيوت القديمة (العقد) وبحفاظها على التراث القديم وعلى خصائص القرية النموذجية من خلال الإعمار والنظافة والترتيب، وأعادوا بناءها بعد توقف الحرب الأهلية بتعبهم وجهودهم.

ممرات صخرية

من جهته، أشار الأستاذ الجامعي الدكتور جوزيف أبي عاد وهو أحد أبناء قرية دفون إلى أن القرية تتميز بمظاهر الطبيعة الفاتنة، مضيفا، في حديث لـ«القدس العربي» أن أشجار الزيتون المعمرة ما زالت تغطي مساحات واسعة من أراضيها الزراعية، والصنوبر يتوزع على جانبي الطرقات والأزقة وعند مدخل القرية، وما زالت جنائن الأزهار والورود تزين مداخل ومحيط المساكن والمنازل وتمنحها متعة بصرية وألوانا جميلة كلوحة رسمت بريشة فنان تشكيلي.
لافتا إلى أن أزقة القرية جميلة للغاية مع وجود العديد من الأدراج والممرات الصخرية، بينما معظم المنازل لها أسقف حمراء وبعض المنازل القديمة والتراثية نجت من أيام الحرب الأهلية وأعاد أهلها ترميمها وتأهيلها بعد توقف الحرب، بجهودهم الذاتية وبدعم من وزارة المهجرين.
وحول جمال الطبيعة والأشجار التي تكسو المساحات الواسعة يقول الدكتور أبي عاد، يشكّل الغطاء الأخضر نسبة كبيرة من أراضي قرية دفون، فنسبة المساحات المبنية متدنية ولا تتعدى 15 في المئة من إجمالي مساحة القرية. علماً أن القرية بدأت تشهد خلال السنوات الأخيرة تمدداً عمرانياً ملحوظاً يتبع شبكة الطرق الرئيسية.
لذلك، يعتقد الدكتور أبي عاد أن المساحة الخضراء في القرية أضاف لها جمالا وبيئة نظيفة، وفضاء رحبا.

عيد الموسيقى

تشتهر قرية دفون بزراعة الزيتون والعنب والتين والصنوبر، أما القطاع التجاري فهو محدود جداً ويقتصر على دكان الضيعة فقط. تتمثل السياحة بالأنشطة المختلفة أبرزها مهرجان عيد السيدة وعيد الصليب وعيد الموسيقى.
ومن أبرز معالم قرية دفون الأثرية، منازلها القديمة التي شيدت بالصخور الضخمة والقرميد الأحمر، وما زالت صامدة رغم مرور مئات السنين على بعضها، ومرور عشرات السنين على بعضها الآخر، إلا أن ما يجمعها هو بنائها الصخري المدهش الذي حول منازل القرية إلى معالم أثرية ما زالت تحافظ على تراثها القروي القديم.
وما يلفت الانتباه في القرية أن أدراجا من الصخور الضخمة تربط الأحياء السكنية كشبكة عنكبوتية تتظلل بالأشجار والأزهار والورود، تفصل المنازل عن بعضها لتعطي القرية قيمة مضافة من الجمال . تعد الكنيسة من المباني العامة في البلدة، من الأماكن الأثرية والسياحية الموجودة فيها أقبية عقد، وتعد كنيسة سيدة النجاة في قرية دفون التي شيّدت عام 1862 من أهم المباني التراثية العامة في القرية بعد أن كان أبناء البلدة يؤدون واجباتهم الدينيّة في بلدة رمحالا على مدى حوالي 130 عاما، إلا أن الكنيسة دمّرت تماما وحوّل موقعها إلى ساحة معبّدة في ثمانينات القرن العشرين خلال الحرب اللبنانيّة، لكنّ الأهالي أعادوا بناءها في المكان نفسه مع زيادة مساحتها.
ومنحت بلدية دفون من مؤسسات وجمعيات بيئية عالمية العديد من الأوسمة والجوائز وشهادات التقدير، تكريما لجمالها ومعالمها الطبيعية والأثرية، ولطبيعة مساكنها وطرقاتها.
وفي قرية دفون العديد من الجمعيات والنوادي المحلية المعنية بالمحافظة على البيئة ومعالم القرية، ومن أبرز هذه المؤسسات نادي شباب دفون الثقافي والرياضي والاجتماعي الذي كان له الدور الكبير في المحافظة على البيئة ونظافة القرية.
لا يقلّ جمال أهل قرية دفون عن جمال طبيعتها، وتحتفظ عوائل القرية بطقوس مُشتركة فيما بينها، تجعل الحياة فيها هادئة وآمنة.
استكشاف قرى وبلدات لبنان لا نهاية له، وكل مكان له سحره الذي ميز تاريخه وحياته، وأضاف المزيد من الجاذبية لجماله، بالطبع ، هذه الأماكن الجميلة خاصة جدًا ولكل منها عاداته وطرق حياته.
ربما تكون قرية دفون فيها الكثير من المعالم التي تشبه القرى والبلدات اللبنانية الأخرى، ذلك لأن هذه القرى والبلدات تتشابه بجمال الطبيعة والهدوء والسكينة التي تتميز بها، إلا أن لقرية دفون، ميزات طبيعية وأثرية تجعل لها مكانة خاصة بين المناطق اللبنانية، وتجعل الحديث عنها لا يخلو من الشوق لزيارتها والاستمتاع بجمال وألوان وهدوء طبيعتها ومناخها المعتدل.

عبد معروف