الرئيسية / home slide / دفاعا عن فيلم «خيمة 56»

دفاعا عن فيلم «خيمة 56»

 إيلي عبدو
القدس العربي
28072022

استندت الحملة ضد فيلم «خيمة 56»، الذي يتناول الصعوبات التي يعانيها مهجرون من درعا في أحد المخيمات، عند ممارسة الجنس، إلى ثلاث حجج. الأولى، وجود «إساءة» لنساء المنطقة، والثانية، التركيز على مسألة الجنس وإهمال معاناة اللاجئين، الذين لا يتوفر لهم الماء والكهرباء ويعانون من ظروف قاسية، أما الثالثة، فهي أن النظام وراء إنتاج العمل القصير، لتشويه سمعة أهالي «مهد الثورة» والانتقام منهم.
وأصحاب الحجة الأولى، حصروا «الإساءة»، بالنساء، اللواتي يُفصحن في الفيلم عن حاجاتهن الجنسية، ورغبتهن في مضاجعة أزواجهن، في ظل اكتظاظ المخيم، ونقص المساحات الخاصة. وسريعا ما تعممت «الإساءة» وتوسعت، لتشمل كل درعا وأهلها، وكل حوران وأهله، فتحولت أجساد النساء، موضوعا أو إحالة للخارج، يبدأ، بذكورية منع المرأة من الإفصاح عن رغباتها، وينتهي بجعل هذا الإفصاح «إساءة»، للمدينة والمنطقة بكاملها، ولترسيخ موقع المرأة كموضوع، وليس كائنا من لحم ودم ورغبات وخيارات، جرى استحضار كلمة «حرائر»، التي شاعت في بداية «الثورة السورية»، كدلالة على مشاركة النساء ودورهن في الأخيرة، بحيث توزع الاستيلاء الذكوري على النساء، بين جعلهن، إما موضوعا لـ»شرف القبيلة» و»كرامتها»، أو وظيفة لنصرة «الثورة»، والانخراط فيها.

موقع اللاجئ في «خيمة 56»، يتحدد انطلاقا من اجتماع مخيمي تضيق فيه الخيارات، وليس انطلاقا من عواصف الطبيعة، أو نزعات عنصرية من مجتمع آخر

 من هنا، جاء لوم الرجل الذي تحدث أيضاً في الفيلم عن رغبته الجنسية، على قاعدة المشاركة في كسر استراتيجية، جعل المرأة موضوعا ووظيفة، لقد خرج الرجل في الفيلم عن موقعه الذكوري المستولي على جسد المرأة، ليشارك زوجته هاجس ممارسة الجنس، فصار الطرفان متساويين في الحاجة لمساحة خاصة، وهو ما خلق فكرة إنشاء خيمة، يتناوب عليها نساء ورجال المخيم. الرجل ترك موقعه مؤقتاً، وهذا ما يفسر النقمة عليه، هو ملام ليس لإفصاحه عن رغباته كالمرأة، بل لمشاركتها هذا الأمر، والقبول بموقع المتساوي معها. اعتذار أحد الفنانين عن المشاركة في الفيلم، قد يوضع في هذا السياق. صحيح أن حملة ترهيب خيضت ضد هذا الممثل، لكن أصل اعتذاره يتبدى في قبوله التنازل عن موقعه الذكوري ومشاركة المرأة، في التعبير عن الحاجة الجنسية.
وهذه الأخيرة، جرى إنكارها وتصنيفها كـ»عيب» عند أصحاب الحجة الثانية، الذين انتقدوا إهمال الفيلم لمعاناة اللاجئين، والتركيز على الجنس، فحصروا هذه المعاناة بالبرد والجوع والافتقار لأساسيات الحياة، مستثنين عدم موجود مساحة خاصة لممارسة الجنس من قائمة أولوياتهم. وراء هذا النقد، الذي يبدو، للوهلة الأولى، أن خلفيته إنسانية، صورة أحادية للاجئ السوري، الذي اعتادت وسائل الإعلام على تذكره عندما تشتد العواصف في الشتاء وتنهار الخيم، وكذلك عندما يكون ضحية حوادث عنصرية في لبنان وتركيا وسواهما من البلدان.
الفيلم خرج عن ترسيمة جعل اللاجئ ضحية الطبيعة، أو ضحية العنصرية، أراده مندرجا ضمن الاجتماع الذي يشكله المخيم، اجتماع مكتظ كثيف، تنعدم فيه الخصوصيات، يتحكم فيه «شاويش»، والناس تكبت حاجاتها وتصرفها بالعنف تجاه الضعفاء (الأطفال)، كما يصور أحد مشاهد الفيلم. بمعنى أن موقع اللاجئ في «خيمة 56»، يتحدد انطلاقا من اجتماع مخيمي تضيق فيه الخيارات، وليس انطلاقا من عواصف الطبيعة، أو نزعات عنصرية من مجتمع آخر.
والفرق بين الحالتين، يكشف طبيعة مقاربة مسألة اللجوء، بين كونها حالة اضطرارية استثنائية، تنتج مجتمعات فيها بشر من لحم ودم، لديهم حاجات ممنوعة، وكونها حالة مؤبدة، تنتح صورة عن اللاجئ، تستحضر عند كل عاصفة أو موقف عنصري، فالاضطرار فعل اجتماعي يتعلق بالناس وحاجاتهم، أما التأبيد، فهو فعل غير اجتماعي يرتبط بالطبيعة وبخارج عنصري.
ولعل التمسك بصورة اللاجئ، المصاغة من قبل كوارث الطبيعة، ونزعات العنصرية، هي ما دفعت أصحاب الحجة الثالثة، للقول من دون دليل، إن النظام وراء إنتاج الفيلم لتشويه صورة اللاجئ، وتحديدا الهارب من درعا. علما أن العمل جرى إنتاجه قبل أربع سنوات، ولم نسمع عنه أي دعاية في الإعلام الرسمي، بل على العكس إحدى المشاركات فيه انتقدت التقصير الرسمي في تغطية حصوله على جائرة في مهرجان عربي. فكيف يمكن أن ينتج النظام فيلما ضد أهالي درعا للانتقام منهم، ثم يهمله إعلامياً؟ الأرجح أن الفيلم جرح صورة اللاجئ التأبيدية الخارجة عن الاجتماع، والأهم، أنه أزاح الرجل قليلا عن موقعه المستولي على أجساد النساء، قبل أن يعود ويعتذر. والجرحان يسهل معالجتهما بالهروب إلى اتهام النظام.
كاتب سوري