دفاتر فارس يواكيم: هنري بركات….مخرج الواقعية الشعرية في العصر الذهبي للسينما المصرية


فارس يواكيم19 أغسطس 2019بين المسرح والإذاعة والموسيقى، قضى فارس يواكيم (1945، مصر)، عقوداً من حياته، مواكباً ومؤرّخاً ومشاركاً في أبرز محطات المشهد الفني العربي في القرن الماضي، وشاهداً على التحوّلات في عالم الفنّ.
تنشر “العربي الجديد” كل يوم اثنين مذكرات يواكيم مع أبرز الفنانين والمنتجين والمخرجين العرب، مستعيدة محطات شخصية ولقاءاته مع هؤلاء في القاهرة وبيروت وباريس وغيرها من العواصم.

المؤرخ والمؤلف الفرنسي جورج سادول، صاحب الكتاب المرجع “تاريخ السينما”، زار المعهد العالي للسينما بالقاهرة في ربيع 1965. ورافقته بصفتي الطالب الذي يتقن اللغة الفرنسية. ألقى محاضرة قيّمة عن تاريخالسينما المصرية وتطورها، أتاحت لنا فرصة التعرّف على تقييم للسينما المصرية من وجهة نظر أوروبية. عدّد سادول أسماء المخرجين الذين اعتبرهم صنّاع اللغة السينمائية، ومن بينهم هنري بركات. وحين أتى على ذكره قال إن مشهد الولادة في الحقل (فاتن حمامة في فيلم “الحرام”)، هو أجمل مشاهد السينما المصرية على الإطلاق. وقال إنه في قائمة أفضل الأفلام المصرية ينبغي ذكر خمسة من إخراج بركات. 

قبل سنتين من تلك المحاضرة كنتُ تعرّفتُ على بركات شخصياً. كان نسيبي المنتج روفائيل جبور ذاهباً إلى استديو جلال وكنت أعرف أن تصوير فيلم “الباب المفتوح” جارٍ هناك، فطلبت منه أن أرافقه. كانت عندي أسباب: منها رغبتي في حضور تصوير مشاهد من فيلم، أيّا كان الفيلم، فما بالك والمخرج بركات؟.. ومنها رغبتي في التعرف على لاعب كرة القدم الشهير صالح سليم، وكان يؤدي دوراً إلى جانب فاتن حمامة، وهو كان كابتن فريق النادي الأهلي وأنا من مشجّعيه المتحمسين! 
راقبت المخرج بركات في الاستديو: إنسان واثق من نفسه، يعرف ماذا يريد وينقله بكلمات واضحة إلى الممثلين وسائر الفنيين. كان ينادي فاتن حمامة “تونا” (تصغير فتّونه)، وهي تناديه باسمه الأول “هنري”. وكان الجميع في الاستديو ينادونه “بروف” prof، مختصر بروفسور. 

قبل ذلك اللقاء كنت معجباً للغاية بثلاثة أفلام من إخراجه: “دعاء الكروان”، و”حسن ونعيمة”، و”في بيتنا رجل”. وبعده أضفت إلى قائمة أفلامي المفضلة: “الباب المفتوح”، و”الحرام”، و”أفواه وأرانب”، و”سفر برلك”، و”ليلة القبض على فاطمة”، و”لا عزاء للسيدات”. 

بعد بضع سنوات، أتيحت لي فرصة العمل مع “البروف” بركات كمساعد ثانٍ في فيلم “الحب الكبير”، الذي أنتجه وأخرجه في بيروت سنة 1968. كان الفيلم من كتابة المخرج والفنان التشكيلي المصري كامل التلمساني المقيم آنذاك في بيروت، ومن بطولة فريد الأطرش وفاتن حمامة. وهو من الأفلام التي أخرجها بركات اثناء إقامته في بيروت بين 1966 و1969، مع فيلمي “سفر برلك” و”بنت الحارس”، وهما من بطولة فيروز وكتابة وموسيقى الأخوين رحباني. وساهم في إخراج فيلم “3 نساء” المقتبس من ثلاث قصص كتبها إحسان عبد القدوس. أخرج بركات القصة الأولى وكانت من بطولة صباح. وتولّى صلاح أبو سيف إخراج الثانية وهي من بطولة هدى سلطان. وأخرج محمود ذو الفقار الثالثة والبطولة فيها لميرفت أمين. 

كانت بيروت آنذاك تعجّ بالفنانين المصريين إثر انحسار الإنتاج السينمائي في القاهرة بسبب النتائج السلبية لحرب يونيو/ حزيران 1967. كان بركات بين هذه القافلة التي فيها يوسف شاهين، وحسن الإمام، ويوسف وهبي، وفريد شوقي، ورشدي أباظة، وتحية كاريوكا، وعماد حمدي، ونادية الجندي، وسواهم. في تلك الفترة أقام بركات وعائلته في شقة في البناية التي تملكها المطربة صباح في الحازمية. 

قيل في أسلوب إخراجه إنه ينتمي إلى الواقعية الشعرية. وهو كذلك. وأفلامه الممتازة تنتمي إلى الواقعية مضموناً وشكلاً، في موضوعها وفي لغة عرضها، سواء أكانت أحداثها تجري في الريف أم في المدينة. أما الشعرية فلأنه كان يحرص على جمالية الصورة. أسلوبه أنيق مثله. أما براعته الخفية، في رأيي، فهي تكمن في قدرته على جذب المتفرج للمشاركة ومعايشة أجواء الحدث، كأنه يشاهد الفيلم من داخله. 

أخرج بركات الأفلام ذات الطابع المصري الأصيل، التي تطرح إشكاليات اجتماعية معاصرة ومصرية صميمة، وهو المولود سنة 1914 في أسرة من بلاد الشام، في شبرا. وكان أهالي بلاد الشام في القاهرة موزعّين على أحياء الضاهر والفجالة وشبرا. أبوه هو الطبيب أنطون عبد الله بركات. أما هو فتشرّب الأجواء المصرية الصميمة في الحيّ ومع الأصدقاء. كان أخوه الأكبر عبد الله بركات من هواة السينما. وكان الفتى هنري من عشاق الأفلام أيضاً. تخرج في مدرسة الفرير الثانوية، ثم في كلية الحقوق ولم يمارس المحاماة. 

بعد حصوله على ليسانس الحقوق، سافر إلى باريس وفي نيّته دراسة السينما. لكن الفرصة لم تكن متاحة للدراسة الأكاديمية، فاستعاض عنها بزيارة الاستديوهات وتعرّف على الفنيين العاملين في الحقل السينمائي. وشاهد في العاصمة الفرنسية كمّاً هائلاً من الأفلام، وكان بينه وبين نفسه يتأمل في أساليب إخراجها، ويحرص على قراءة آراء النقاد في المجلات المتخصصة في السينما. واقتنى كتبا عن الفن السينمائي. لكن الأهم من هذا وذاك أنه تمكن من التدرّب على فن مونتاج الأفلام. 

عاد إلى القاهرة. وبعد وفاة الوالد الطبيب استثمر حصته من الميراث في الإنتاج السينمائي، شريكاً مع أخيه عبد الله في “أفلام بركات أخوان”، التي أنتجت “عنتر أفندي” سنة 1935، من بطولة الممثل الكوميدي استفان روستي ومن إخراجه. في هذا الفيلم تولّى هنري مهمة المونتاج، أما عبد الله فكان مدير الإنتاج. مُني الفيلم بخسارة مالية، فكان ذلك سبب ابتعاد هنري عن الساحة السينمائية، ومثله توارى عبد الله. وما لبث هنري أن عاد إليها مونتيرا محترفا في فيلم “بائعة التفاح”، الذي أخرجه حسين فوزي سنة 1939. ثم في فيلم “انتصار الشباب”، وهو من إخراج أحمد بدرخان وبطولة فريد الأطرش وأسمهان. وفي السنة ذاتها (1941)، تولّى مونتاج فيلم “العريس الخامس”، وهو من بطولة المنتجة آسيا داغر وبإدارة المخرج أحمد جلال. وفي هذا الفيلم عمل بركات كمساعد مخرج إضافة إلى المونتاج. كذلك عمل مساعداً للمخرج أحمد كامل مرسي في فيلم “العودة إلى الريف”. 

في سنة 1942 أعطته المنتجة آسيا داغر الفرصة ليخرج أول أفلامه “الشريد”، وهو من بطولتها مع حسين رياض. وموضوعه مستوحى من إحدى قصص الأديب الروسي تشيخوف، صاغ السيناريو والحوار الشاعر بيرم التونسي والمخرج المسرحي فتوح نشاطي. في هذا الفيلم حرص هنري بركات على أن يتولى المونتاج أيضا بنفسه. وظل محتفظاً بهذا التقليد في سلسلة أفلامه الأولى التي أخرجها حتى سنة 1948، وفيها تولّى الإخراج والمونتاج. ثم تفرّغ للإخراج وأصبح اسما محترما في الوسط السينمائي المصري. وفي منتصف الأربعينيات اكتشفت آسيا الوجه الجديد، المغنية اللبنانية صباح، وتعاقدت معها على ثلاثة أفلام، أخرج بركات اثنين منها: “القلب له واحد” و”هذا جناه أبي”. 

بين 1942 حين أخرج أول أفلامه، و1993 حين أخرج آخر أفلامه “تحقيق مع مواطنة” من بطولة سهير رمزي، وفاروق الفيشاوي، 51 عاماً، أخرج فيها هنري بركات نحو مئة فيلم. كان يوقعها باسم العائلة فقط “بركات” من دون اسمه الأول. عشرة من هذه يمكن تصنيفها أفلاماً إبداعية ممتازة. ونحو نصف أفلامه نفّذه بإخراج متقن، بما فيها أفلام التسلية التي تولى البطولة فيها مطربون: فريد الأطرش، صباح، ليلى مراد، محمد فوزي. حتى في أفلامه العادية كان هناك حدٌ أدنى من الحرفية. من بين أفلامه التي أخرجها 18 فيلما من بطولة فاتن حمامة. (إضافة إلى مسلسل تلفزيوني من بطولتها ومن إخراجه). كانت النجمة المفضلة لديه، وكان هو مخرجها المفضّل. 

سنة 1947 أسس هنري بمفرده شركة “أفلام بركات”، أنتجت 12 فيلما أخرجها هنري وأسند فيها إلى أخيه عبد الله مهمة إدارة إنتاج عشرة أفلام منها (إلى أن توفي سنة 1978). ولفترة ما أنتجت “أفلام بركات” بعض الأفلام شراكة مع أفلام محمد عبد الوهاب، منها: “موعد مع المجهول”، إخراج عاطف سالم وبطولة عمر الشريف وسامية جمال، و”إغراء” بطولة صباح وإخراج حسن الإمام، و”بنات اليوم” و”حسن ونعيمة”، وكلاهما من إخراج هنري بركات نفسه، وكان عبد الحليم حافظ بطل الفيلم الأول، وفي الثاني أطلق بركات ممثلة جديدة ستصبح نجمة كبيرة واسمها سعاد حسني. 

بركات المخرج والمنتج والمونتير.. وكاتب السيناريو أيضاً لنحو خمسين فيلماً، بمفرده حيناً، وبمشاركة كتاب سيناريو حيناً آخر (غالبا يوسف عيسى يليه يوسف جوهر). وكان ميّالاً في أفلامه إلى اقتباس الروايات التي ألّفها كتاب معروفون. من طه حسين: دعاء الكروان، والحب الضائع. من إحسان عبد القدوس: في بيتنا رجل، والخيط الرفيع. من توفيق الحكيم: ليلة الزفاف. من يوسف إدريس: الحرام. من لطيفة الزيات: الباب المفتوح. من عبد الرحمن الخميسي: حسن ونعيمة. من يوسف السباعي: شيء في حياتي. من محمد عفيفي: حكاية بنت اسمها مرمر. كما من سكينة فؤاد (ليلة القبض على فاطمة)، ومن سمير عبد العظيم (أفواه وأرانب)، ومن كاتيا ثابت (ولا عزاء للسيدات). لكن اللافت للنظر أنه لم يخرج فيلماً واحداً استناداً إلى قصة لنجيب محفوظ، برغم أن مثل هذا التعاون كان ممكنا! وكان من الممكن أن يكون مثمراً. 

في حياته الاجتماعية كان هنري بركات متزوجا من روزيت دهان، المولودة في عائلة شامية في الإسكندرية، وأنجبا بنتين: رنده وجيهان، تقيمان حاليا في القاهرة. توفي الوالدان: هنري سنة 1997 وروزيت سنة 2012. 

وفي علاقاته الفنية مع العالم الخارجي حظي دائما بالاحترام. تمّ ترشيح فيلمين من إخراجه لجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي الدولي: “دعاء الكروان” و”حسن ونعيمة”. كما ترشّح لنيل السعفة الذهبية في المسابقة الرسمية في مهرجان كان الدولي سنة 1965. وفي مهرجان فالنسيا سنة 1984 نال تنويهاً خاصاً من لجنة التحكيم عن فيلم “ليلة القبض على فاطمة”. ومن قبل في سنة 1964 فاز بجائزة أفضل فيلم في مهرجان جاكرتا السينمائي. وفي مصر تمّ تكريمه في عدة مهرجانات، ونال جائزة الدولة التقديرية في الفنون سنة 1994. 

في سنة 1984 كرّمه معهد العالم العربي في باريس بمهرجان عن أفلامه وبحضوره شخصيا. آنذاك التقيته وتحاورت معه. قلت له: “عن الكاتب الذي تتفاوت مستويات أعماله يقال إنه لم يكتب مؤلفاته بحبر واحد. فهل يمكن اعتبار أفلامك التي بينها الممتاز وبينها العادي، أنها لم تُصَوّر بكاميرا واحدة؟”. بهدوئه المعتاد أجاب: “مش كل مسرحيات شكسبير هاملت. صحيح أفلامي فيها الممتاز وفيها العادي. توجد ظروف أحيانا، بعضها لأسباب إنتاجية. إلى أي حدّ يلبي المنتج طلباتك الفنية. لكن لاحظ أن أفلاما كثيرة من المصنفة ممتازة هي من إنتاجي أيضا. ثم دعني أكشف لك سرّاً: أنا مخرج لا أطيق البطالة! إذا لم تتوفر فرصة إنتاج وإخراج فيلم كبير، أقبل عرض إخراج فيلم (صغير) على أمل أن يكبر!!”. 

وذكّرته بلقائي معه أثناء تصوير “الباب المفتوح” وما قاله لي يومها ممازحا حين عرف أنني أدرس الإخراج السينمائي، قال: “لما تتخرج ما تعملش زي ده” (وهو يقصد فيلمه). صمت لحظات قصيرة راقب فيها دهشتي وأضاف: “إعمل أحسن!”. قلت له: “نحتاج إلى معجزات لكي نعمل أحسن منك”. وفي باريس أعاد السؤال ممازحا: “وهل تحققت المعجزة؟”. أجبت: “ولن تتحقق”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*