الرئيسية / مقالات / دفاتر فارس يواكيم: رياض المعلوف… لو لم يصبح شاعراً لكان استثناءً عائلياً

دفاتر فارس يواكيم: رياض المعلوف… لو لم يصبح شاعراً لكان استثناءً عائلياً

فارس يواكيم 18 نوفمبر 2019
https://www.alaraby.co.uk/
العربي الجديد

بين المسرح والإذاعة والموسيقى، قضى فارس يواكيم (1945، مصر)، عقوداً من حياته، مواكباً ومؤرّخاً ومشاركاً في أبرز محطات المشهد الفني العربي في القرن الماضي، وشاهداً على التحوّلات في عالم الفنّ.تنشر “العربي الجديد” كل يوم اثنين مذكرات يواكيم مع أبرز الفنانين والمنتجين والمخرجين العرب، مستعيدة محطات شخصية ولقاءاته مع هؤلاء في القاهرة وبيروت وباريس وغيرها من العواصم.

أبوه عيسى إسكندر المعلوف، العلامة والمؤرخ وعضو ثلاثة مجامع علمية عربية. والدته عفيفة ابنة إبراهيم باشا المعلوف. أخواله شعراء المهجر: قيصر وميشال وشاهين المعلوف. أقاموا في ساو باولو في البرازيل، أو صنبول كما كان يكتبها العرب المقيمون فيها آنذاك. قيصر أسس في مطلع القرن جماعة أدبية “رواق المعري”، لكنها توقفت عن النشاط، فنشأت “العصبة الأندلسية” سنة 1932 برئاسة ميشال معلوف، وكانت مرجعية الأدباء والشعراء المقيمين في البرازيل وعموم قارة أميركا اللاتينية على غرار “الرابطة القلمية” التي نشأت في الولايات المتحدة وأضحت مرجعية أدباء أميركا الشمالية. ضمت “العصبة الأندلسية” أقلاماً شهيرة، مثل الشاعر القروي (رشيد سليم الخوري)، والياس فرحات، ونعمة قازان، وزكي قنصل، وجورج صيدح. ثم انضم إليها الوافدون الجدد إلى البرازيل، الإخوة الثلاثة: فوزي وشفيق ورياض المعلوف أبناء عيسى إسكندر.

هو شاعر من شعراء المهجر، نعم. لكنني سميته “نصف المهجري” لأن إقامته في البرازيل دامت ثماني سنوات فقط، من 1938 إلى 1946، وعاد إلى الإقامة الدائمة في مدينة زحلة في لبنان، التي شهدت مولده سنة 1912 وفيها توفي سنة 2002. درس في المدرسة الأسقفية ثم في المدرسة اليسوعية. ولو لم يصبح رياض المعلوف شاعراً لكان استثناء في هذا البستان الأدبي المعلوفي. نهل تذوُّق الشعر من أخواله وأخويه وأبيه. وأضاف إلى هذه الباقة اسم الشاعر الياس أبو شبكة الذي كان مدرّس مادة الأدب العربي في مدرسة الفرير/ الجمّيزة التي كان رياض المعلوف طالباً فيها في المرحلة الثانوية. بيد أنه ختم الدراسة في مدرسة عينطورة. وكان قبل ذلك قد أمضى فترة تلميذا في مدرسة الآباء اللعازريين في دمشق حين أقام أبوه في عاصمة سورية.

في مراحل التعليم في لبنان أتقن رياض المعلوف اللغات العربية والفرنسية والإنكليزية. وحين أقام في البرازيل تعلّم اللغة البرتغالية وأتقنها أيضاً. وقد ظهرت موهبته الشعرية مبكراً، وكان في الثانية والعشرين من عمره حين نشر أول ديوان بعنوان “الأوتار المتقطعة”. صدر الكتاب عن “المطبعة العصرية” في القاهرة مزيّناً برسوم الفنان التشكيلي اللبناني قيصر الجميل. والديوان هو مطوّلة شعرية من عشرة أناشيد وعشر موشحات كان قد نشر بعضاً منها في مجلة “أبوللو” الأدبية الشهيرة في القاهرة. وأصبح اسم رياض المعلوف معروفاً في الأوساط الأدبية في مصر وبلاد الشام، ونشر قصائده ومقالاته في “المقتطف”، و”الأديب”، و”الرسالة”، و”المشرق”.

وفي إحدى مقالاته ألقى الضوء على شعراء لبنانيين يكتبون باللغة البرتغالية، ومنهم منصور جميل الحداد، وفرنسسكو كرم، وإسكندر ابن شقيقه شفيق، ونشر له أبياتاً من قصيدة بعنوان “أنا البحر” بترجمة عربية بقلم أبيه: “أنا البحرُ.. إنْ أصخب، مضيتُ مجرراً بذيلي أشلاء الضحايا ورائيا/ ولو غمرتني نجمةُ الصبح، وارتمت ممرّغة جسماً على الشطِّ عاريا/ لَغِرْتُ عليها من صخور حضنها.. ورحتُ أعضّ الصخر بالشدق راغيا”.

بعد وصوله إلى ساو باولو بعام نشر رياض المعلوف ديواناً باللغة الفرنسية بعنوان “تلاوين” Aquarelles، صدر في باريس 1939. ثم بالفرنسية أيضاً نشر سنة 1943 ديوان “غيوم” Nuages مع مقدمة كتبها بالبرتغالية الأديب مونتي ديل بيكيا، عضو المجمع العلمي البرازيلي. وقد نشر رياض المعلوف بقلمه ترجمة إلى اللغة العربية لبعض قصائد الديوان، ومنها قصيدة “ظلال” وفيها: “وراح النور يمحو ما يرسمه الظل/ أيها الظلّ، أيها النور الأسود/ والفحم الذي لم تلتهمه الشمسُ بعد/ والخمرة السوداء المهرقة في كوب النهار”. وقبل عودته من البرازيل إلى لبنان بسنة أصدر ديوان “خيالات” (دار النشر العربية، ساو باولو، 1945).

وفي لبنان واصل رياض المعلوف إصدار الكتب ودواوين الشعر. ديوان “زورق الغياب” ثم “غمائم الخريف”، وعدة كتب نثرية، منها “صور قروية” و”ريفيات”، ودراسة بعنوان “شعراء المعالفة”، وكتاب “أخي فوزي المعلوف” ووقف على نشر ديوان “ستائر الهودج” لأخيه شفيق. كما واصل نشر مقالاته في الصحف الأدبية اللبنانية والعربية، وترجمت دواوينه إلى لغات مختلفة.

وقد اشتهر فوزي بلقب “شاعر الطيارة”، نسبة إلى ديوانه “على بساط الريح”؛ واشتهر شفيق بلقب “شاعر عبقر”، نسبة إلى ديوان “عبقر”. أما رياض فأُطلق عليه لقب “شاعر الكوخ الأخضر”، لأنه كان يلتقي بالأصدقاء في بستان أخضر وبه كوخ صغير مطل على نهر البردوني في وادي زحلة حيث اليوم سلسلة المطاعم والمقاهي الشهيرة. ومرة كان في هذا الموقع مع زوجته وهما في عمر الشباب ومرّ بهما الشاعر حليم دموس فارتجل بيتين: “للكوخ أنت مسرّهْ.. وأنت للشعر قرّهْ/ ومن رياض الأماني، قطفت أجمل زهرهْ”. وحين أتى الشاعر القروي من البرازيل في زيارة إلى لبنان أخبر رياض المعلوف بالأبيات التالية: “تحية أطيب من نفحةٍ عن كوخك الأخضر هبّت عليكْ/ أما عن الشعر وعنّي فسَلْ كلّ الطيور الشوادي لديك/ تنبؤكَ أنْ قد هجرتُ بيدري إلى الرياضِ الفيحِ، أعني: إليكْ”.

وقد حافظ رياض المعلوف على مكتبة أبيه بعد وفاته سنة 1956، وهي من أضخم المكتبات الخاصة في الشرق التي يملكها فردٌ واحد، وتضم نحو خمسين ألف كتاب، ومجموعة من المخطوطات القديمة النادرة. ولأن المحافظة على هذه المكتبة يتطلب شروطاً خاصة تتعلق بدرجة الحرارة والتهوية وتصنيف الكتب، وطاقم متخصص لإدارتها، وهذه تتطلب رصد مبالغ مالية لا قدرة لعائلة رياض المعلوف على تحملها، قام أبناؤه ببيع المكتبة إلى الجامعة الأميركية في بيروت للحفاظ على محتوياتها وحتى لا تتعرض للتلف بمرور الزمن وتكون في متناول الباحثين. وكان قد أتى على ذكر المكتبة في قصيدة ألقاها في قاعة الأونيسكو في بيروت سنة 1959 في ذكرى وفاة أبيه. قال: “لله مكتبةٌ بها الضادُ اغتنتْ.. فالضاد تبكي فقدَ عيسى الألمعي/ كتبٌ هي الكنز أبقيتهُ.. حزنَتْ عليك كأنها مثلي تعي/ فإذا التفتُّ وما رأيتك قربها، شرَقتْ عيوني من أسايَ بأدمعي/ تُفضي إليَّ بحزنها وبدمعها.. وعلى أبي من حزنها تبكي معي”.

حين توفي أخوه فوزي في البرازيل سنة 1931 كان رياض في التاسعة عشرة من عمره. فلم يشارك في الأمسيات الشعرية التي أقيمت لرثائه. لكنه ألقى قصيدة عاطفية في الاحتفال التأبيني الذي أقيم لرثاء أخيه شفيق في زحلة سنة 1977 بعد سنة من وفاته. ومن أبياتها: “نحن كنّا ثلاثةً نتغنّى.. من ضفاف الوادي لأرض المهجرْ/ فاحتللنا في دولة الشعر صرحاً إثر صرحٍ ومنبراً بعد منبرْ/ طار فوزي على بساطٍ مع الريح.. وراح الشفيق يقصد عبقرْ/ وأنا صرتُ في الحياة وحيداً.. بين هذا وبين ذاك محيّر/ فجناحايَ حُطّما يا لحزني.. بئسَ هذي الحياة بئس المقدَّرْ”. وخاطب أخاه قائلاً: “عمركَ الآن في الخلود مديدٌ.. إنما في الحياة كان الأَقصَرْ”.

كان رياض المعلوف يهوى الموسيقى ويعزف على آلة الكمان. وقد نظم قصيدة “الكمنجة الناطقة”، ومطلعها: “تلك الكمنجة في بَنانكَ تنطقُ باللحن، فاعزف، سمعُنا متشوّقُ/ فبلونها وبشكلها قلبٌ بدا شريانُه وترٌ يرفّ ويخفقُ”. وبعض قصائده لبست ألحاناً وصارت أغنيات. لحّن الأخوان رحباني وغنّت فيروز قصيدة “عودة القمر”: “بكَ ماد البانْ.. من صبا نيسانْ/ هزّكَ الهوا هزّة الهوى.. يا قمرْ/ شعشعِ الأكوان.. قَبّل الأغصان/ فضّض النهَر، لوّن الزهر يا قمرْ “. وغنّى وديع الصافي: “لبنانُ يا ثاني السماء بحُسْنك البَهِجِ العجيب”. وغنّى نجيب حنكش: “هل يا ترى نعود إليك يا لبنان” (مستخدما لحنا غربيا هو نفسه الذي استخدمه الأخوان رحباني في تلحين “يا لور حبك”). وكانت هذه القصيدة تهزّ مشاعر المغتربين في البرازيل كلّما غنّاها حنكش في الحفلات.

وكان رياض المعلوف ظريفاً سريع البديهة حاضر النكتة. وكنت كلما التقيته تبادلنا المزاح. قلت له مرة: “أنت مع الشقيقين فوزي وشفيق، الإخوة معالوف” (على وزن الإخوة كارامازوف). فقال على الفور: “وأنت فارس الفرسان.. بس ولا مرّة شفتك راكب حصان”! وذات يوم قصدَته فتاة تبيع أوراق يانصيب يعود ريعها إلى جمعية خيرية، وعرضت عليه أن يشتري بضعة أوراق. وكانت فتاة أخرى سبقتها بالهدف نفسه لكن الريع إلى جمعية أخرى، فقال رياض للثانية: “يا بنتي.. أنا ممكن كون شاعر كبير، بس أنا مش محسن كبير”! وكان رياض يعيش من قلمه ولم يكن مردود الأدب يتيح للمرء أن يصبح غنيّاً. وهو شيدّ منزلا أقام فيه مع عائلته، وبه شقتان ملحقتان يؤجرهما ليحسّن مدخوله الشهري. وبعد سنوات الحرب انخفض سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار، والليرات الثلاثمئة التي كانت تعادل مئة دولار، أصبحت بعد ارتفاع سعر الدولار إلى ألف ليرة، تساوي 30 سنتا فقط! وتفرّع قانون الإيجارات في لبنان إلى إيجار قديم وإيجار جديد. والثاني تعاقد حرّ بين المالك والمستأجر يتيح للمالك تحديد قيمة الإيجار بحسب تطور أسعار صرف العملات. وكنت في مجلس رياض المعلوف حين أسمعنا أحد الأصدقاء بعض قصائد ميشال طراد من ديوان “كاس ع شفاف الدني”، ومنها قصيدة عنوانها “أوضا” (غرفة).. “أوضا.. اْسْتأجر نصّها (نصفها) ضوّ القمر مِنّا… “، وقبل أن يكمل الصديق القراءة علّق رياض المعلوف قائلا: “اوعى يكون ع الأجار القديم”.

وكانت بين رياض المعلوف ورجل الأعمال الزحلي إيلي غطاس صداقة حميمة لا تخلو من زكزكات متبادلة بقصد الضحك. ذات مرة اتفق غطاس مع صحافي محلي على نشر خبر مفبرك مفاده أن رجل الأعمال أقام مأدبة عشاء فاخرة على شرف الشاعر رياض المعلوف حضرها حشد من محبي الأدب ومن الفعاليات الاقتصادية! وفي اليوم التالي اتصل إيلي غطاس بالشاعر تلفونياً وسأله “كيف لقيت عشا امبارح؟”، فما كان من رياض إلّا أن أجاب على الموجة ذاتها “والله كانت شي فاخر كتير. أطيب لحمة وأطيب مازات. وما زال طعم التبولة الشهية تحت أضراسي”. فاسترسل غطاس قائلاً: “الحمد لله تعبنا ما راح هدر! والله يا بو عيسى المأدبة كلفتنا كتير. حطينا اللي فوقنا واللي تحتنا! وفوق هالخسارة المالية، دعوتك أساءت لعلاقتنا مع الناس. اليوم زارني الشاعر يوسف أبو طعان محتجاً. (وهذا صحيح) عاتبني كيف أدعو إلى مأدبة على شرفك، ولا أقيم مأدبة على شرفه، وهو نسيب زوجتي؟”. وبسرعة بديهة أجاب رياض المعلوف: “بسيطة.. اعزمه في العدد القادم”!

وأختم المقالة بأبيات من قصيدة لرياض معلوف غير منشورة. كان كتبها ليلقيها في حفل إزاحة الستار عن تمثال أخيه شفيق المنصوب في حديقة الشعراء في زحلة. ومات رياض قبل موعد ذلك الحفل فلم تُلقَ القصيدة ولم تنشر. وهو كان أملاها على صديقنا المشترك الكاتب طوني شعشع ومنه حصلت عليها. “عُدنا التقَينا، يا شفيقُ، فمرحبا.. في ضفَّةِ الوادي وفي هذي الرُّبى/ من بعدِ هجرانٍ تقادمَ عهدُه.. قد عُدتَ مُشتاقًا إلى مهد الصِّبا/ هي عودةُ النَّسرِ المحلِّق عاليًا.. جاب السماءَ مُشرِّقًا ومُغرِّبا/ ففرحتُ باللُّقيا، وسالتْ دمعتي.. لـمَّا رأَيتُك بالحديد مُجَلْبَبا”.

اضف رد