الرئيسية / home slide / دستور نبيه برّي

دستور نبيه برّي

16-11-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

غسان العياش

غسان العياش

رئيس المجلس النيابي نبيه برّي.

من الواجب تذكير السادة النوّاب ورؤساء الكتل السياسية بأن الشغور في #رئاسة الجمهورية وعدم استقرار #الحكومة ليسا ظاهرة منفصلة في الحياة العامّة في لبنان، بل هما يؤثّران تأثيرا بالغ السلبية على كلّ أداء الدولة وقدرتها على إدارة البلاد، واتخاذ القرارات الكبيرة الكفيلة بإنقاذ لبنان.

الأزمة السياسية والدستورية ليست ظاهرة منعزلة عن حياة اللبنانيين، بل هي تتسبّب بتعميق الانهيار وتعزيز الإفلاس ودفع اللبنانيين يوما فيوما نحو آتون الفقر ولهيب التضخّم.

صحيح أن نتائج الفراغ وتعطيل العملية الدستورية تصيب كل اللبنانيين المنتمين إلى كافة الطبقات والمناطق، لكن المسيحيين في لبنان، لاسيما الموارنة، هم أكثر المتضررين من هذا التعطيل على المدى البعيد. فالأقلية، التي تتراجع نسبتها من السكّان مع الوقت بطريقة دراماتيكية، نتيجة التطوّر الديموغرافي والهجرة، لا ضمانة لها إلا بالاحترام المطلق للدستور والمواثيق الوطنية.

فالدستور هو الخطّ الأحمر الذي يمنع الغالبية المتنامية من الإفتئات على حقوق الأقلية والاستبداد بها. من هذا المنطلق يُفترض أن يكون تقديس نصّ الدستور والعملية الدستورية الشعار الأوّل للمسيحيين في لبنان وضمانتهم بوجه أي انحراف من الأكثرية باتّجاه الظلم والاستبداد. ويبدو هذا الحرص على الحياة الدستورية واضحا في خطابات بكركي وأركان الكنيسة الأرثوذكسية، ممّا يدلّ على وعي عميق بأن ضمانة المسيحيين في لبنان تتجسّد في الالتزام الكامل بالدستور والميثاق الوطني.

إلا أنه، كما يبدو، للعماد #ميشال عون وحزبه رأي آخر يعصى على الفهم. فهو، ومنذ تولّيه رئاسة الحكومة العسكرية وفي مختلف مراحل حياته السياسية، اعتمد تعطيل العملية الدستورية كوسيلة من وسائل عمله السياسي. كان، ولا يزال، يغامر بهذا التعطيل ويذهب به إلى حدوده القصوى من دون أن يكترث لمفاعيل إلغاء الحياة الدستورية، لاسيما على المسيحيين.

ولكن، للإنصاف، لا يتحمّل الحزب العوني وحده في الوقت الحاضر مسؤولية تأخير انتخاب رئيس للجمهورية، بل تتضافر مجموعة من القوى والأسباب التي تحول دون إتمام الانتخاب واختيار خلف للعماد ميشال عون. ولعلّ في طليعة الأسباب إصرار رئيس المجلس النيابي #نبيه برّي على جعل النصاب المفروض لانتخاب الرئيس مساويا للنصاب المطلوب للانتخاب في الدورة الأولى، أي أكثرية الثلثين، وهو شرط يتعذّر تحقيقه إلا بتوافق معظم الكتل البرلمانية على اسم الرئيس الجديد.

يحضر هنا تقييم لموقف الرئيس برّي من مقاربة جديدة. فهذا الموقف، مهما قيل عنه وفيه، لا يستند إلى نصّ واضح في الدستور، بل هو مجرد اجتهاد، ويستمدّ هذا الاجتهاد مشروعيته وقوّته من العرف لا من النصّ. ولو شاء الرئيس برّي لغلّب النصّ على العرف وسمح بانتخاب الرئيس في الدورة الثانية من دون حضور الثلثين.

إلا أن موقف رئيس المجلس، بمعزل عن النصوص، ينطوي على فائدة وطنية، فهو بتشدّده يمنع استئثار أي فريق وحده بانتخاب الرئيس، في بلد لا يستقرّ بتحكّم أي فريق منفردا بالسلطة. إنه دستور نبيه برّي المستند إلى دور رئيس المجلس في الحياة السياسية والنيابية منذ ثلاثة عقود.

دستور نبيه برّي له فضائل على البلاد، لأنه أبقى جسور التواصل قائمة بين أفرقاء السياسة والطوائف ومنع القطيعة بينها وانجرار اللبنانيين، بالتالي، إلى العنف والاقتتال. لكن رئيس المجلس هو أبرز المسؤولين عن الخلل الرئيسي في النظام لأنه كان أشرس المدافعين عن المحاصصة وتقاسم المراكز والمناصب في مختلف المراجع السياسية الطائفية. إنه صاحب شعار “السلّة”، أي سلّة التعيينات، وهو شعارٌ جعل أصحاب المناصب الإدارية والديبلوماسية والأمنية والقضائية تابعين لمراجعهم وليس للدولة. وبعد برّي، وليس قبله، استساغ النافذون في طوائفهم هذه الطريقة ودافعوا عن حصصهم في المراكز السياسية والإدارات وحوّلوا السلطة إلى مسرح لتقاسم المنافع.

لكن “السلّة” ألغت الدولة وكرّست سلطة “بارونات” السياسة والطوائف، كما سمّيناهم في المقال السابق. إنها سلّة مقيتة قضت على الجمهورية اللبنانية وحوّلتها إلى جمهوريات متقاطعة ومتلاصقة، وهي، بالنتيجة، المسؤولة عن الانهيار الشامل في البلاد ومنع تحميل المسؤولية لمن تسبّب بالانهيار.

ما زال الوقت متاحا أمام رئيس مجلس النوّاب، بما له من سلطة وتأثير، لتعديل النظام وضبط، بل قمع، المحاصصة لكي تولد الجمهورية من جديد.

رئاسة الجمهورية الحكومة ميشال عون نبيه برّيhttps://www.youtube.com/embed/OVmayo1raFI?autoplay=false&responsive=1&rel=0