الرئيسية / مقالات / درج المنفعة

درج المنفعة

قام زميلان من “نداء الوطن”، ماجدة عازار وعماد موسى، بزيارة رئيس “حزب الوطنيين الأحرار” دوري شمعون، في مقر الحزب في السوديكو. وفي وجود عماد موسى في أي مقابلة صحافية، لا بد ان ينتقل السرد إلى دراميات التاريخ وميلودراميات لبنان. نجد المقر الذي اختاره كميل شمعون ذات يوم، خالياً إلا من الريّس دوري، في عامه التسعين، وبحَّته الأبدية، وتواضع البيوت الأصيلة. يقول دوري شمعون إنه من الطبيعي ان يكون المكان خالياً: “لا منفعة هنا لأحد. لا يدقّون بابي”.

والأسوأ، كاد يقول، ولا ضرر ايضاً، فمن يريد إضاعة الوقت في زمن غير ذي زرع. لا حاجة إلى أن يذكر دوري شمعون أحد ان هذا لبنان، وهو يعرفه جيداً، ومِن منزل كميل شمعون. اي ليس مفاجأً. ولا في نفسه مرارة ولا عتب.

ريمون اده كان يروي على الدوام صورة الكوميديا اللبنانية، يوم تجمع رجال السياسة في حديقة اميل اده في الصنائع تحسباً للحظة الرئاسة. وكان هناك من اقترح ايفاد حبيب أبو شهلا الى منزل الوزير المفوض البريطاني ادوارد سبيرز لمعرفة كلمة السر. فلما تأخر في العودة، أدرك المدركون ان الفوز للشيخ بشارة الخوري، فبدأوا يفرون من الحديقة تاركين براميل الليموناضة. وكان للحديقة بوابة كهربائية فسارع ريمون اده الى اقفالها، فما كان من السادة الموقرين إلا أن قفزوا من فوق السور الحديد، عدواً نحو منزل سبيرز.

إقلب المشهد سنوات قليلة. بشارة الخوري يخلي قصر القنطاري وينتقل الى منطقة شبه برية تدعى الكسليك. وسرعان ما تخلو الدار إلا من ساكنها. ويمضي الشيخ العالِم بقية العمر وحيداً، يكتب مذكراته للتاريخ ويقرأ مذكرات سواه. كم تتشابه السياسات ويتشابه السياسيون وترث الازمان رثاثة الازمان.

يتخذ هذا المسرى بشاعة خاصة في الدول الصغيرة والفاسدة في العمق. وحدها الاسماء تتغير. المشهد واحد ويزداد خساسة.

أوّل مرة اسمع، أو أعرف، ان هناك رئاسة جمهورية كان العام 1952، عمر الحادية عشرة. قيل ان كميل شمعون انتُخب رئيساً، وسارع أحد وجهاء الضيعة الى اطلاق رصاص الابتهاج، في اتجاه بيت أهلي، لأنهم “دستوريون” ويقترعون لابراهيم عازار، نسيب الشيخ بشارة. بالطبع، لم يكن هو شمعونياً ولا عرف كميل شمعون، قبل وبعد. لكنه اراد ان يوحي الى الجميع بأن الرئيس الجديد في “سيلته” وعليهم ان يخافوا.

لاحِظ جنابك التعبير القديم الذي استخدمه دوري شمعون: “لا منفعة لأحد هنا”. الدنيا منافع، والسياسة منافع. ووزارة الاشغال كانت تسمى، بكل بساطة، النافعة. سياسياً، نشأتُ على أننا ضد كميل شمعون. وبما أنه عالم صغير (وعقول صغيرة) فقد صدف، بعد الزواج، أن سكن الرئيس السابق في منزل قبالة شقتنا تماماً في السيوفي، أي بعد 30 متراً على الاكثر بين الشرفتين، وانقلب المؤيدون خلفه، وطاف بهم الحي. وبدل ان نذهب الى زيارته والتعرف الى شخصية في مثل حجمه وتاريخه، “استنكفت” عن ذلك، مصراً على الولاء الدستوري الذي اصبح جزءاً من تاريخ التاريخ.

عقلية لبنانية من رأس الجرد، مع أننا، والحمد لله، من قرية ما بين شلال ونهر، أو كما غنى محمد قنديل “بين شطين ومية”. لم يكن هذا سوء الحكم الوحيد في رومانسيات القرن وعادات الأقضية. التقيت دوري شمعون مرات عدة في لندن عند أصدقاء مشتركين. وشعرت بالزمن “الدستوري” يذوب أمام أدبياته وسلوكه المدني. وكميل شمعون الذي كنا “ضده” رأيناه يشيخ محترماً و لبنانياً وصفوحاً. لا حقد ولا غضب ولا ثأر ولا اكفهرار. ترك السلاح مع رجاله في مسبح حالات واستبقى لنفسه العمل السياسي الذي ولد فيه، وجُبل فيه، وبرع فيه براعة فائقة.

لكن من يمكنه البقاء في السياسة إذا كان لا سلاح ولا قوة ولا مال؟ فأين المنفعة؟ بدأ كميل شمعون يرث بشارة الخوري. باع بيته في السعديات لقادم جديد يدعى رفيق الحريري. وتغيرت الخريطة في البيوت المسيحية. جاء من يبلغ أمين الجميل انه ممنوع من البقاء في لبنان، وان المسيحية الجديدة هي “القوات اللبنانية” التي حاول الجيش الغاءها بقيادة ميشال عون. الغاء من هنا والغاء من هناك، وقتل داني شمعون، وغاب كميل شمعون ولم يعد الأحرار يذكرون حتى في توزيع الحقائب، التي يرسلها بابا نويل من الشام مع شجرتها.

العادات اللبنانية في النسيان، عدوى، مثل الكورونا. سفيرة الولايات المتحدة المغادرة، قامت بجولة وداعية على جميع رؤساء الاحزاب، إلا المقر المنسي في بيت الاحرار. لكن الريس دوري يتقبل الامر مثل جميع المتغيرات. ولأن عماد موسى من جيل لم يعش تلك المرحلة، لم يخطر له ان يسأله، ماذا حدث للعلاقة بين واشنطن واول رئيس عربي استدعى الاسطول السادس الى بلاده؟

هذه أحوال السياسة عند جميع الناس. كان الرئيس الياس هراوي يروي دائماً، وفي حزن شديد، إنه ذهب مرة للقاء ايلي حبيقة في مقر “القوات” في الكرنتينا، فوجد كميل شمعون جالساً ينتظر دوره. كان الرئيس هراوي يقول: شعرت بألم اقسى من آلام حرب زحلة.

لكن كميل شمعون كان يعرف مواعيد المتغيرات وكيف وماذا يحدث عندما تحدث. خلال ثورة 1958 كان يُقال له لماذا لا تعلن عدم رغبتك في التجديد؟ وكان يقول، إن أنا فعلت، لن يرد علي “الياس” في السنترال بعد اليوم. واعتقد ان الريس دوري يتذكر جيداً هذا الموقف عندما يقول “لا منفعة هنا لأحد”. حتى السفيرة الاميركية لم تعد تمر لتحية الوداع، هي التي أمضت ثلاث ساعات الى مائدة رئيس حزب المسيحيين الجدد.

مَن تعني؟ لا أدري من أعني، ففي هذا الموضوع لم أكن مرة معنياً في حياتي. وعلى رغم الجهل والسذاجة والعفوية، كنت أعرف ان النهايات واحدة عند السياسيين المسيحيين. اليوم يموت الناس في سبيلك، وغداً يموتون في سبيل خصمك. واليوم يقتلون من أجلك، وغداً لا يأتون حتى الى عزائك. أنت تعرفهم جيداً وهم يعرفونك، والعقد شرعة المتعاقد. بانتهاء المنفعة ينتهي كل شيء.

يجب ان تقرأ بعناية الحواشي المكتوبة بأحرف صغيرة في نهاية العقد. إنها الاعتذار عن “الظروف القاهرة”. وهي تلغي كل ما سبق. وإذا ما أتت انتخابات المتن مثلاً، يمكن أحد النواب الجدد، المنرفز دائماً، ان يقول إنه ليس لديه الوقت لتحمل حفيد بيار الجميل، ذات زمن لواء المسيحية، والمضطهد باسمها.

هل العقوق مرض لبناني مسيحي؟ بعد استقالة مارغريت تاتشر حل عيد الميلاد في منزلها الريفي. تلقت ذلك العام أربع بطاقات معايدة: إثنتين من ابنتها وابنها الغائبين، جنوب افريقيا وهونغ كونغ. تتشابه نهايات السياسيين ويتشابه العقوق والخوف وخنوع المصالح. ولا حاجة الى قيصر وبروتوس. إنها عادة سيئة ليست في حاجة الى عظمة يوليوس قيصر وحكمة ورقي بروتوس.

اضف رد