الرئيسية / مقالات / درب القيصر

درب القيصر


سمير عطاالله
النهار
29082018

قبل ان ينقسم العالم في مجلس العموم إلى يمين ويسار بزمن طويل، كانت مشكلته الكبرى نرجسية الحكام: قياصرة مثل يوليوس، أو مغول مثل هولاكو. يصاب ذوو النشأة المتواضعة بلوثة الألوهة، ويطيب لهم أنهم مرسلون ومكلفون إنقاذ البشرية، غالباً من طريق ابادتها اولاً، كما حدث مع بول بوت في كمبوديا، حيث رمَّد العاصمة التاريخية بنوم بنه، وأقام في وسطها متاحف للجماجم، من أجل أن يعيد بناء البلاد بدءاً من الريف وحقول الارز.

بدأ بول بوت على انه يحارب العدوان الاميركي في جنوب شرق آسيا، لكن شبق السلطة حوَّل الحكم في نفسه الى تقديس للإبادة. وليس إبادة الاميركيين وقاذفات هنري كيسينجر، بل أهله ورفاقه وصغار المزارعين. وبما أن الأنظمة الديكتاتورية لا تنتهي الا بنهاية الديكتاتور، فعندما عثر على بول بوت ميتاً على سرير حديد في غابة من غابات الثورة الزراعية، كانت كمبويا قد أصبحت متحفاً لأكبر عدد من الجماجم، ومعرضاً لأكبر متحف بشري من الاطراف المقطوعة.

هناك نوع آخر هو النرجسي الذي يصل بانتخابات ديموقراطية ويحصد إما أكثرية حقيقية، وإما اكثرية هزيلة، لكن في الحالتين، يحق له الحكم، وهذا ما كان تشرشل يقول إنه علّة الديموقراطية الكبرى. فقد انتخبت فنزويلا، الحاضنة إحدى كبرى ثروات الأرض، السيد مادورو رئيساً، على رغم محاربة أميركا له. وهذه بوضوح، ارادة شعبية وتعبير عن عداء مقيم للرأسمالية اليانكية. لكن هذه البطولة القومية في بلاد سيمون بوليفار تكبد الفنزويليين تضخماً بلغ مليوناً في المئة. وكل ما فعله مادورو، أو هو قادر على فعله، أنه الغى ستة اصفار من البوليفار، كأنما المشكلة في مطابع المصرف المركزي. المشكلة أن الشعب جائع ومريض وعاطل عن العمل، وأمثال مادورو لا يمكن ان يكونوا حلاً.

أقامت أميركا نظامين مستبدين لا شرعية لهما. الأول، فرض العقوبات، حيث وحين تشاء، والثاني تجميد الاموال المودعة لديها ساعة تشاء، وهو أشبه بعملية سطو في عز الظهيرة. وبسبب قوتها المالية وسطوة الدولار التي لا حدود لها، الحق ببلد حليف، أو بقايا حليف، مثل تركيا، اضراراً وخسائر كبيرة.

في هذه القواعد غير المتساوية وغير العادلة، كان على رجب طيب اردوغان أن يكون أقل نرجسية وأكثر وعياً. لكنه تصرف تماماً مثل صدام حسين عندما منع الدواء عن مئات الآلاف من اطفال العراق كي لا يتحاور مع الامبريالية. بقي العراق محاصراً. وبقيت ليبيا 15 عاماً تحت الحصار، لا متنفس لها إلا “الكتاب الاخضر” ولافتات “طز في أمريكا”، وأثواب ملك ملوك أفريقيا.

دائماً يدفع ثمن البلوى النرجسية الفقراء. القصور لا يمكن ان تطالها العقوبات. طوال حصار العراق ظل عدد القصور الرئاسية كما هو: 48 قصراً، مفتوحة جميعها كل يوم، لأن أحداً لا يعرف أين سينام السيد الرئيس.

السيد الرئيس كان مقتنعاً في داخله أنه جاء لإنقاذ العر اق وهو محروس بالبركة الإلهية. ثم جاء من يهمس في اذنه ويكتب في الصحف ويصوره على حصان أبيض، مؤكداً ان نبوءة الفرنسي نوستراداموس قد صحَّت بعد 400 عام: هذا هو الفارس المسلم الذي سوف يجيء على فرس أبيض ليحكم العالم.

قراء نوستراداموس، وما أسفرت عنه مخيلته في زمن الطاعون، فاتهم أن يقرأوا الحاليات التي تقول إن 33 دولة جمعت نحو 700 الف عسكري مكايدة بالمنجم الفرنسي الذي رتب كل أشعاره على طريقة قارئي الفنجان: أمامك دربان، رزقتان، بسمتان، وباقي المثنَّيات.

قال دونالد ترامب لأغنى شعوب التاريخ: “إذا عزلتُ، فسوف تفتقرون”. قبل أسبوعين فقط من تهديد الفقر، كانت شركة أميركية واحدة قد استكملت رقم التريليون دولار من بيع الهواتف وتوابعها: الف الف مليون دولار.

كأنما لم يلحظ الدونالد أن اقتصاد بلاده ليس اقتصاد تركيا، ولا حتى روسيا، وأن ولاية واحدة من ولايات بلاده، بما فيها ولايات الدجاج، تنافس دول أوروبا. لكن نرسيس يرى صورته في المياه، ثم يرفع رأسه قائلاً: ماذا سوف تفعلون من دوني؟

ما هو اسوأ من مرض النرجسية؟ الذين يكررون عبر التاريخ، إهمال عمل العقل ومنطق الخيار. ربما كانت بريطانيا أم البرلمانات في العالم، لكن البريطانيين عزلوا منقذهم تشرشل. والفرنسيون نزلوا الى الشوارع يقتلعون بلاطها لطرد ديغول.

وهنا، نحن، حرمنا فؤاد شهاب رئاسة ثانية (وليس التجديد)، ومنعنا ريمون اده من الوصول، مع أننا نعيش كل يوم من كل سنة معركة الرئاسة. أحياناً قبل وقوعها بأربع سنوات.

الدول العربية اختارت مفهوماً ثالثاً للرئاسة: بدل الانتخاب، الاستفتاء. وبدل التمديد، مدى الحياة. وبدل مدى الحياة، مدى الدهر.

تدور الدنيا، يا بنيّ. فما هو إلا كوكب سيّار دوّار وبلا قرار. وكفى سجع. وإذا اردت أن تعرف تجربتي من معايشة هذا الدوار (وأنا أعرف أنك لا تحب ولا يعنيك ان تعرف، لأنك ولدت مهاجراً في الاساس، أقصد انتشارياً بلغة هذا الزمن)، فإن موسكو جديدة علي. الله العليم، كان المرشح الرئاسي في الماضي يذهب الى باريس، ويعرج على مصر، بعد أن يكون قد طلب بركة الكرسي الرسولي. ومن ثم لم نعد نذهب الى مصر لأنها جاءت الى هنا. ثم حلّت واشنطن محل جميع الاقانيم والاقاليم (لزوم التسجيع). وبعد جولة في البعيد، وصلت الدورة الى دمشق.

الآن هنا موسكو! كانت السفارة السوفياتية توزع مجلة علمية بالعربية اسمها “المدار”، مستوحية الإسم باعتزاز، من الرفيق غاغارين، أول من دار حول الكوكب الازرق. وها نحن في مدارها. ومعنا، كالعادة، سابقاتنا. فالعادة أن يكون للدول الكبرى استشاريون في شؤون الدول الصغرى، ليس نحن. يذهب رئيس حكومتنا الى بلاد الموسكوب ومعه مستشاره الخاص في شؤونهم، ثم يذهب وزير الخارجية ومعه مستشاره في قضاياهم. ويذهب سائر الزعماء والسياسيين مجردين من هذه الأفضلية.

آه، نسيت، ما كان قبل ذلك كله: الباب العالي في اسطنبول. ليست مسألة أن الدنيا تدور، بل أننا شعب اعتاد ركوب الامواج. في مصطلحات التكنولوجيا. وموج اليوم يفقش في لدن الكرملين، واللهم هبني من لدنك رحمة.

يفتح الكرملين أبوابه العالية الممجدة بالذهب منذ أيام القياصرة، ويتدافع المتدافعون ملوّحين لواشنطن بالتحية، وقد اكتفت من أمرنا بايفاد مساعد وزير الدفاع. البعض يقول إن سبب هذا التصرف الاميركي هو الملل  عند الفرنسيين. الزهق، في ربوعنا وفي ضلوعنا. زَهَق الحياة الصغيرة، والنفوس الصغيرة، والحسابات الصغيرة، والمعارك الصغيرة، والقضايا الصغيرة. زهق الفساد المدمر والتخالب على رغيف الأرملة.

من البحر الأسود الى البحر الأزرق يسيطر فلاديمير بوتين على استراتيجيات المنطقة، بما فيها اسرائيل. يدمّر ويعمّر. يقاتل ويفاوض. وما بين رئيس أميركي متمهل، وآخر متوتر، اعطى هو لروسيا في الشرق الأوسط ما لم تعرفه مع أي قيصر من قبل! وقد قال امرؤ القيس: بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه/ وايقن إنّا لاحقان بقيصرا! درب القيصر.

اضف رد