الرئيسية / home slide / «دراويش مارادونا»: عن الدراسات الثقافية والاجتماعية حول كرة القدم

«دراويش مارادونا»: عن الدراسات الثقافية والاجتماعية حول كرة القدم

8 – أكتوبر – 2021

 محمد تركي الربيعو
القدس العربي
10102021

غالبا ما يدور الحديث في نشرات أخبار كرة القدم حول جداول المباريات وأسعار اللاعبين ونتائج المباريات وغيرها من القصص المتعلقة بحياة وأبطال هذا العالم، ومقابل هذا الاهتمام اليومي، حاول عدد من الباحثين في الدراسات الثقافية والسوسيولوجية النظر في ذاكرة هذه اللعبة وما باتت تخلقه من صور وهويات مشتركة جديدة في عدة نواحي، وربما كان نصيب العالم العربي من هذه القراءات قليلاً نسبيا، بحكم التقصير في الترجمة من ناحية، وعدم إعطاء الموضوع أهمية تذكر، خلافاً للشعبية التي تمتاز بها هذه اللعبة في العالم العربي وباقي المناطق الأخرى.
مع ذلك، يمكن القول إنه أتيحت الفرصة أحيانا في عالم المنشورات العربية لصدور بعض الكتب التي تتناول جانباً من تأثيرات كرة القدم في يومياتنا، وما باتت تخلقه من هويات وصداقات جديدة بين عشاقها وممارسيها، وهو ما سنعثر عليه مثلاً في كتاب الأنثروبولوجي الفرنسي سكوت أتران حول الجهاديين وكرة القدم والصداقات. ففي إحدى المقابلات العديدة التي كان قد بدأ بإجرائها مع الجهاديين بعد الحرب الأفغانية/السوفييتية قال له أحدهم، في سياق الإجابة عن سؤال «كيف حافظتم على ارتباطكم بالجهاد؟» «لم نتوقف نحن الخريجين الأفغان قط عن لعب كرة القدم مع بعضنا بعضا» وهنا سيلاحظ أتران أنّ الصداقات بين الجهاديين لم تعد تتشكل بالضرورة في الجوامع أو المدارس الفقهية، وإنما أخذت تتشكّل وتزداد ترابطاً في نوادي كرة القدم، وأثناء لعب هذه الرياضة.
وربما لم يتوقع أكثر المتفائلين بهذه الملاحظات، التي دونها مؤلفها في عام 2010، أنه لن تمر سوى سنوات قليلة حتى يظهر «ميسي الجهاديين» (أبو بكر البغدادي) كما كان يصفه أصدقاء اللعبة في سجن بوكر الأمريكي في العراق، ليشن مع فريقه أخطر الهجمات في المنطقة لسنوات طويلة، ولنكتشف بعدها عشرات القصص عن هوايات هؤلاء اللاعبين وزيارات شيوخهم (بن لادن) لحضور مباريات كرة القدم في إنكلترا (متابعة نادي أرسنال) ومع هذا التطور، بدا أنّ لهذه اللعبة تواريخ سياسية وأخرى جهادية، وأخرى تتعلق بدورها في صناعة الصداقات في هذا العالم، حيث باتت تغيب العلاقات الاجتماعية التقليدية. وفي الأعوام التالية لملاحظات أتران السابقة، نشرت بعض المقالات المهمة لباحثين عرب حول كرة القدم من منظور ثقافي، حاول كل واحد من زاويته النظر إلى حجم المتعة ولحظات الهروب التي باتت تتيحها لنا هذه اللعبة في ظل حيواتنا العربية المشحونة بالانتفاضات والسجون والقتل اليومي، كما هناك من وجد في ذاكرة هذه اللعبة فرصة لقراءة تواريخنا المحلية. لكن يمكن القول إنه على صعيد الكتب لم تصدر سوى إصدارات قليلة؛ أذكر منها عمل الروائي التونسي شكري المبخوت «باغندا» التي تطرقت لحياة لاعب أسمر شغل الدنيا والناس، قبل أن يختفي، ليحاول المبخوت من خلاله الغوص بنا في حياة التهميش والفقر والسياسة في بلاده، إضافة إلى عمل آخر بعنوان «الإمبريالية والهوية الثقافية وكرة القدم» وتناول فيه مؤلفه المؤرخ الأمريكي كريستوفر فيرارو بدايات كرة القدم في مصر، وتواريخ نوادي الزمالك والأهلي، وتقوم حجة فيرارو هنا على أن الجنود البريطانيين هم من عرّفوا المصريين بهذه اللعبة، لكن لن تمر سوى سنوات قليلة حتى غدت لعبة شعبية، وأصبحت الملاعب المكان الأنسب للسكان المحليين لمواجهة البريطانيين وهزيمتهم، ولو رمزياً. وفي السياق ذاته، صدر عن دار الجمل قبل أيام قليلة، كتاب ممتع ومهم في هذا الجانب بعنوان «الولاء البديل: دراسة ثقافية في التأثيرات العميقة لكرة القدم» للباحث العراقي علي ناصر كنانة، الذي سيحاول تعريفنا أكثر بما كتب أو يكتب اليوم من دراسات سوسيولوجية وثقافية حول كرة القدم في العالم، ما يجعل من كتابه مدخلاً جيداً لفهم النقاش المعرفي الدائر اليوم حول لعبة كرة القدم.

نظرة اجتماعية جديدة

يبين المؤلف أنه منذ ثمانينيات القرن الماضي جرت محاولة اجتماعية جدية للنظر في كرة القدم كعلم اجتماع للحشود، وقد تمددت كرة القدم لتحتل العالم في كل زاوية وزقاق ولتسيطر على البث التلفزيوني وتصبح شاغلا للناس، حتى أضحت هي الحياة، وأمسى لهذه اللعبة فلسفة وأدب ومنظرون وكتاب وجماهير وطقوس واقتصاد وسلطة. ويعتمد علم اجتماع كرة القدم على ثلاث وجهات نظر بحثية؛ الأولى تدرس كيف ولماذا نشأت اللعبة في المجتمع الحديث، وتستكشف كيف تشكلت كرة القدم من خلال إطارها الاجتماعي، وفي المقابل يدرس المنظور الثاني كيف أثّرت كرة القدم في المجتمع الحديث واحتلت مواقع مؤثرة في الرياضة ووسائل الإعلام وغيرها من مجالات الحياة، أما الثالث فيركز على العمليات الداخلية مثل القضايا المرتبطة بالأندية والفرق والبطولات.

يمكن القول إنه على صعيد الكتب لم تصدر سوى إصدارات قليلة؛ أذكر منها عمل الروائي التونسي شكري المبخوت «باغندا» التي تطرقت لحياة لاعب أسمر شغل الدنيا والناس، قبل أن يختفي، ليحاول المبخوت من خلاله الغوص بنا في حياة التهميش والفقر والسياسة في بلاده.

وفي ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، شهدت الجامعات الغربية مزيدا من الأبحاث في التاريخ الثقافي والاجتماعي لكرة القدم، مع عدة مجموعات من الأوراق المنشورة التي تعكس الاهتمام المتزايد باللعبة بين العلماء، وفي هذا السياق نكتشف أن بيير بوريو أبدى اهتماماً واضحا بهذه اللعبة، فقد كان مهتما طوال حياته بتوضيح إعادة إنتاج الامتيازات في المجتمعات الحديثة، وقد أدرك مبكرا أهمية ممارسة إدارة الرياضة والجسم في ما يتعلق بتراكم رأس المال الثقافي وعرضه، وقد وجد بورديو أن الانخراط في رياضات معينة، أي تذوق الرياضة، هي جزء مكون من ممارسات تشغيل وعرض الجسم، فالطبقات الاجتماعية المختلفة لديها نزعات ثقافية وجسدية متجذرة بعمق، يحدد من خلالها الموقع الطبقي والاعتراف به وتمثيله.
ولا يخفي المؤلف تأثره في هذا الجانب بمقاربة مدرسة فرانكفورت التي وجد مفكروها في هذه اللعبة طقسا يحتفل فيه الخاضعون بإخضاعهم، كما نقرأ لدى نعوم تشومسكي مقاربة تقول إن هذه اللعبة تولد «ولاء غير عقلاني إلى نوع من المجتمع بلا معنى، وهو بمثابة تدريب على الخضوع للسلطة والشوفينية، كما ينظر إلى اللعبة بصفتها جزءا من أنظمة القوة الرأسمالية».
كما ذهب إمبرتو أيكو في سلسلة مقالات نشرها خلال كأس العالم في إيطاليا 1990 إلى وصف بعض لاعبي كرة القدم بالكائنات الوحشية (كأخصية كنيسة سكستين الذين وضعوا داخل حلبة من أجل الفرجة والمراهنة) الذين صنعوا ليصبحوا أبطالا بلا روح، تحيط بهم جماهير مبتهجة تتفرج عليهم لترى كيف يحركون أجسادهم، ويتعلق الأمر هنا بنوع من الاستبداد المعنوي، الذي يفرض على الأغلبية نسيان جسدها لتعجب بجسد أقلية.

محمود درويش ومارادونا

وعلى صعيد المثقفين العرب، يرصد الباحث عشرات المقالات التي نشرت في هذا الشأن، وربما من أغناها ما كتبه الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، الذي نظر إلى هذه اللعبة بوصفها «أشرف الحروب» وكان مشجعا لنادري ريال مدريد، ومما ينقل عنه في إحدى أمسياته الشعرية في مدينة فاس المغربية، أنه تعجب من حضورهم لأمسية، بينما هناك مباراة مهمة بين فرنسا وإسبانيا في التوقيت نفسه، وقد كتب درويش نصا فريدا عقب مباراة الأرجنتين وألمانيا في مونديال المكسيك عام 1986 التي انتهت بفوز الأرجنتين على ألمانيا بثلاثة أهداف لهدفين، ومما جاء في المقال من وصف استثنائي لماردوانا:
«ماذا نفعل بعدما عاد مارادونا إلى أهله في الأرجنتين؟ مع من سنسهر، بعدما اعتدنا أن نعلق طمأنينة القلب، وخوفه، على قدميه المعجزتين؟ وإلى من نأنس ونتحمس بعدما أدمناه شهرا تحولنا خلاله من مشاهدين إلى عشاق؟ ولمن سنرفع صرخة الحماسة والمتعة ودبابيس الدم.. مارادونا هو النجم الذي لا تزاحمه النجوم.. النجوم تبتعد عن منطقة جاذبيته لتفتتن بما تراه.. لتبهر في معجزة التكوين» ويكمل درويش «لماذا لا تكون كرة القدم موضوعا للفن والأدب؟». كما نظر الشاعر المغربي محمد بنيس إلى كرة القدم بوصفها ظاهرة كونية مركبة، تمثل جزءا من التاريخ الاجتماعي لمعظم المجتمعات المعاصرة، بحكم تعبيرها عن مختلف الانتماءات الجغرافية والدينية والاجتماعية والمهنية، لتؤسس مصدرا متفردا للهوية والانتماء، مشيرا إلى ما خصصته عالمة الاجتماع البريطانية الراحلة روزماري كرومبتون في كتابها «الطبقات والتراصف الطبقي» للحديث عن كرة القدم باعتبارها شأنا سوسيولوجيا خلال العقود المنصرمة، لاسيما في ما يتعلق برصد تزايد اهتمام الطبقة الوسطى بها، وتحولها إلى عنصر جذب اقتصادي ومالي، إلى درجة أنّ اللاعبين باتوا يشكلون طبقة اجتماعية شبه مستقلة بذاتها.

دراويش مارادونا

في الفصول اللاحقة، لا يخفي المؤلف تأثره بمدرسة فرانكفورت، التي لا ترى في اللعبة سوى أداة بيد القوى الرأسمالية والدول، ولذلك نراه يرسم صورة أحيانا عن عاشقي هذه اللعبة بوصفهم أشخاصا يغفلون ما وراء هذه اللعبة من مصالح سياسية ومؤسسات رأسمالية ضخمة، إذ غدت هذه الرياضة تستخدم من قبل الأنظمة الفاشية كامتداد للتدريب العسكري، وكأفيون للجماهير، وفي أمريكا اللاتينية تبدو العلاقة بين السياسة وكرة القدم أقوى من سواها، مع إيلاء الرؤساء أهمية كبيرة لكرة القدم لما تتمتع به من مكانة ثقافية في المجتمع، وقد وظّفت الحكومات العسكرية على وجه الخصوص مزيجاً جيداً من القمع والخبز من أجل السيطرة على شعوبها، ولعبت كرة القدم دورا رائداً في هذا الأمر، كما عملت الأنظمة العربية على تحويل الأندية الرياضية إلى أحزاب جماهيرية غير سياسية في تعويض لغياب الحياة السياسية ـ الحزبية، فكانت كرة القدم هي القناة البديلة لتحويل الطاقات الطبيعة الكامنة في نفوس الشباب من التوجهات السياسية إلى توجهات رياضية بديلة. وهنا قد يعترض البعض على هذه القراءة، خاصة أن ملاعب كرة القدم، وهذا ما يذكره المؤلف أحيانا، غدت ميداناً مهما لفهم ما يجري في البلدان العربية مثلاً من قضايا وتطورات، التي كان يمكن رصدها أحياناً عبر شعارات الجماهير، كما أن لعبة كرة القدم مثلت أحياناً ميدانا مناسباً لمواجهة السلطة، ولو رمزياً، سواء عبر تشجيع الفرق التي تنافس النوادي المدعومة (الجيش والشرطة في سوريا مثلا). كما أن المقاربة التي تنظر لكرة القدم بوصفها أفيون الشعوب، عادة ما تهمل ما باتت توفره هذه اللعبة من متعة وجماليات لمشاهديها، ومن فرص للتعرف أكثر على عدد من البلدان وثقافاتها.
وربما ما يسجل على هذا الكتاب، أن مؤلفه، وفي سياق انشغاله بالتطرق لكل ما كتب في الجامعات الغربية، وهو جهد مهم يشكر عليه، بقيت فصوله فقيرة حقيقة على صعيد تتبع ذاكرة وتاريخ هذه اللعبة في عالمنا العربي، ففي مقابل تخصيصه صفحات كاملة لمتابعة اقتصاديات وملاعب النوادي الإنكليزية والإسبانية، بدا بخيلاً وهو يروي لنا قصة نادي الكرخ العراقي، مع أن الغوص في هذه التواريخ المحلية قد يوفر لنا صورة أدق حول ما إذا كانت هذه النوادي قد لعبت دور البديل عن الأحزاب السياسية لإلهاء الشعوب بها؟ أم أن هذه الأندية مع مرور الزمن كانت تتحول إلى جزء من النقاش السياسي والحساسيات الإثنية والطائفية في هذه البلدان (النوادي المحلية في سوريا)؟ وربما لو أتيح للمؤلف الخوض في هذه التواريخ المحلية الصغيرة (وهو أهل لذلك) بدلاً من اعتماد قراءات عامة، لربما فهمنا علاقة هذه اللعبة بالتحولات الهوياتية والسياسية التي عرفتها المنطقة على مدار الخمسين سنة الأخيرة. لكن خلافاً لهذه النقطة، يتنبه المؤلف لفكرة أساسية تتعلق بدور كرة القدم اليوم في خلق الرفاه النفسي، فالتماهي مع الفرق الرياضية يمكن أن يحل محل العلاقات الاجتماعية التقليدية المتضعضعة، وقد تكون الروابط الاجتماعية الناتجة عن التماهي مفيدة للصحة النفسية من خلال العمل كحاجز ضد الاكتئاب والاغتراب مع زيادة تقدير الذات.
كما أنّ التجارب التي أخذ يتقاسمها المشجعون مع الفريق تربطهم بشكل أكثر إحكاما ببعضهم وبناديهم، وبمرور الوقت يغدو مكان التشجيع هوية مشتركة، ويبني صداقات أكثر متانة، كما أنّ ظهور أبطال كرة القدم قد عوض عن الأبطال التقليديين القوميين والوطنيين، ولذلك غدا اللاعبون يبجلون مثل الآلهة وغدت كرة القدم بمثابة الديانة الجديدة، وباتت الملاعب بمثابة معابد للمشجعين، وهذا ما نراه في حادثة إغلاق ملعب بيونس آيرس، ففي مشهد طقسي، هرع مشجعو الفريق في لحظة تشييد سوبر ماركت كارفور في بيونس آيرس على أنقاض ملعب نادي سان لورينزو، ليلتقطوا حفنات من التراب ويضعونها في جيوبهم كبقايا من ذكرى أثيرة في نفوسهم، كما نرى هذه الظاهرة التقديسية في فيلم يتناول موضوع إنشاء قاعدة مشجعي كرة القدم في الأرجنتين رسميا لكنيسة في ذكرى ولادة لاعب كرة القدم مارادونا، وفي هذه الكنيسة أخذ مارادونا يعبد كإله، وباتت حياته نموذجا يوفر التوجيه للاتباع، وقد بلغ عدد معتنقي تعاليم هذه الكنيسة 120 ألفا حتى عام 2008، وبذلك نرى كيف أصبحت هذه اللعبة وذاكرتها تحفظ جزءا من حكاياتنا وتقلبات هذا العالم الدينية في زمن دعاه أوليفيه روا بزمن «السوق الديني».

كاتب سوري