الرئيسية / أضواء على / دراما «غير تقليدية»… حينما يواجه الفرد مجتمعه

دراما «غير تقليدية»… حينما يواجه الفرد مجتمعه

محمد عبد الرحيم 
https://www.alquds.co.uk/
17042020

القاهرة ــ «القدس العربي»: عُرض مؤخراً ضمن عروض شبكة نتفليكس حلقات قصيرة بعنوان Unorthodox «غير تقليدية». وهو عمل درامي يتراوح ما بين الوثائقي والخيالي، يستعرض حياة امرأة ناجية من جحيم مجتمعها الديني المتشدد. يأتي المسلسل كمعالجة لكتاب سيرة ذاتية للمدونة الأمريكية الألمانية الأصل ديبورا فيلدمان ـ مواليد الولايات المتحدة 1986 ـ بعنوان «غير تقليدية .. رفضي الفاضح لجذوري الحسيدية» إصدار عام 2012. مع ملاحظة أن هذه لم تكن أول تجربة فنية تعالج مشكلات هذه الطائفة، ومن إنتاج نتفليكس أيضاً، حيث جاء الوثائقي «واحد منّا» عام 2017، ليستعرض بدوره حيوات ومصائر ثلاث شخصيات من اليهود الحسيديين السابقين من بروكلين، حاولوا الفرار من طائفتهم المتشددة، وهي الطائفة نفسها التي تنتمي إليها ديبورا فيلدمان، والتي ظهرت بدورها في وثائقي آخر بعنوان «أنثى المتعة» عام 2018، يستعرض معاناة خمس سيدات في مجتمعات مختلفة، كانت وصمة الأنوثة هي سبب معاناتهن. والملاحظ أن الأعمال الثلاثة جاءت من إخراج مخرجات، ينتمين بشكل أو بآخر إلى مجتمعات وثقافات تقهر مواطنيها ـ رجلاً كان أو امرأة ـ كما أنهن في الغالب مهاجرات وناجيات من جحيم الأسرة والعائلة والمجتمع. قامت بكتابة المعالجة الدرامية لمسلسل «غير تقليدية» كل من آنا فينجر وأليكسا كارولينسكي، ومن إخراج ماريا شرايدر.

مجتمع الساتمار

تعد طائفة الحسيديم من أكثر الطوائف اليهودية المتشددة، أسسها الحاخام موشيه تيتلبوم في القرن الثامن عشر في هنغاريا. وتتبع هذه الطائفة طريق الأسلاف من أحبار اليهود، وتقتفي آثارهم في كل مناحي الحياة. وكلمة حسيديم مشتقة من العبرية (حسيد)، وتعني الناذر نفسه للدين. ويعد مجتمع (الساتمار) فرعاً منها، حيث يقطن يهود ساتمار في مجتمعات معزولة، ويفصلون أنفسهم عن المجتمع العلماني. وجاء الحاخام يوئيل تيتلبوم (1887 ــ 1979) ـ أحد أحفاد موشيه ـ ليقود الحركة أثناء الهولوكوست، مؤسساً مجتمع ساتمار في ويليامسبرغ، بروكلين. فهذا المجتمع هو نتاج هجرة العديد من اليهود بعد الحرب العالمية الثانية إلى نيويورك. ومن أجل حمايته، وضع الناجون القلائل في البداية العديد من القواعد الصارمة لكي لا يندمجوا مع المجتمع الأمريكي، فحافظوا على ملابسهم التقليدية، وأسسوا مدارسهم الخاصة، التي يدرس فيها الأطفال تعاليم التوراة والتلمود باللغة اليديشية، كما حرّموا استعمال الإنترنت والهواتف الذكية، بل ألزموا كل الرجال بقصة الشعر الخاصة بالأسلاف، بينما ألزموا النساء المتزوجات بقص شعرهن، وارتداء الشعر المستعار والملابس المحتشمة، ووصل الأمر بوجود سيارات الإسعاف الخاصة بهم، ودوريات شرطة من متطوعين ينتمون للطائفة، ويجوبون الأحياء التي يعيش فيها أتباعها، أمناً ومراقبة لمدى التزامهم الديني والأخلاقي.
من ناحية أخرى تعارض الطائفة الشكل العلماني لإسرائيل وتوجهاتها، فيعتقدون أن إنشاء دولة يهــودية مـــن قِبل اليهود هــو تجديف.
وعلى اليهود أن ينتظروا أن يرسل الله المسيح لإعادتهم إلى أرض إسرائيل. وبالتالي فهم من أشد معارضي الصهيونية، كما أنهم ـ المتواجدون داخل إسرائيل ـ لا يصوتون في الانتخابات، ولا يدفعون الضرائب، ويماطلون في تجنيدهم في الجيش، ولا يعترفون بسلطة المحاكم في إسرائيل.

حكاية إستير

إستير بطلة الحكاية، تعيش مع جدتها لأبيها المتوفى وعمتها، حيث هربت أمها ألمانية الأصل إلى بلدها، وهجرت هذه الطائفة ـ معظم أفراد الطائفة في أمريكا لهم أصول ألمانية، وقد فروا من جحيم الهولوكوست ـ وتبدأ الأحداث باتخاذ إستير قرارها بالفرار إلى برلين، ومن خلال تذكّرها ما كان، يتم سرد التفاصيل الحياتية لهذا المجتمع، بداية من التعرف إلى زوجها ومراسم وطقوس الزواج، حيث لم تلتق به إستير إلا لدقائق معدودات قبل إتمام الزواج، والأمر لا يعود سوى لجدتها، أو بمعنى أدق لحاخام الطائفة. كانت إستير دوماً تشعر باختلافها عن محيطها هذا ـ ما بين صاحبة السيرة التي تعشق قراءة الكتب والشخصية الدرامية التي تحب الموسيقى ـ رغم تذكّرها دوماً أمها الهاربة، التي تكرهها إستير أو تظن كذلك. ومن خلال طقوس الخطبة والزواج نتعرف على مجتمع غاية في التشدد، هذا التشدد الذي يُسيطر على الرجال أيضاً، فالرجل/الزوج لا يتصرف، إلا وفق تعاليمه الدينية، ولا يستمع إلا لصوت أمه، التي ترى إستير أولاً حتى توافق على الزيجة، ويتم تدبير ما يُشبه المؤامرة والتواطؤ، فتذهب إستير إلى السوبر ماركت في لقاء مُدبّر، حتى تراها أم زوجها المستقبلي مصادفة، بدون أن تتبادل معها كلمة واحدة، بينما الفتاة تتشاغل بانتقاء إحدى السلع، في إشارة إلى أن عينا أخرى تقوم بتفحصها، كسلعة أخرى بين المعروضات.

ما يميز العمل هو كشفه لتفاصيل مجتمع منغلق، لا يعرفه الكثيرون. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يكشف الكثير من التشابه، بل التطابق مع بعض المجتمعات المتخلفة، خاصة العربية

ويبدو أن هذا الأمر اعتيادي يقبله الجميع. وبعد عام من الزواج غير المتوافق، تقرر إستير الهرب، بعد معرفتها بأمر حملها، هنا تقرر جادة ألا يعيش مولودها المُنتظر في هذا السجن الكبير.

العودة إلى ألمانيا

رحلة إستير إلى ألمانيا لا تعد ذهاباً، بل عودة إلى الأرض التي تركها أجدادها هرباً من جحيم النازي، وها هي الآن تعود هاربة من جحيم طائفتها، التي تحرّم كل شيء، فالمرأة لا قيمة لها سوى إنجاب الأطفال، وفق واجب ديني ــ الأمر أشبه بتناكحوا تناسلوا ــ كما أن التشدد الصارم في الملابس، والتعامل يوحي بأن الجميع يعيش في سجن حقيقي، ترتدي المتزوجات على سبيل المثال شعراً مستعاراً، حيث لا يتوجب إظهار شعرها الحقيقي، وهنا يتم التخلص من شعرها الحقيقي تماماً، كذلك يُمنع عليها التبرّج تماماً، وكأنها تدخل سجناً أبدياً يُسمى الزواج. وبما أنها تحمل طفلاً ينتمي إلى الطائفة، فيتوجب الوصول إليها والعودة بها مرّة أخرى إلى حظيرة الإيمان، هنا تبدأ رحلة المطاردة التي يقودها الزوج (يانكي) وابن عمه (موشيه). الزوج الأشبه بالطفل، وابن عمه المعروف لدى الجميع بأنه شيطان، لكنه الأقدر على إتمام المهمة، فهو هارب سابق لا يثق به أحد، لكنه من ناحية أخرى يحاول أن يبدو حَسن النية، حتى يدخل في رحمتهم مرّة أخرى، بعدما تركته زوجته وأولاده. وما بين يانكي الساذج وموشيه الحانق على الجميع، الذي يبدو ليانكي وكأنه سوبرمان، يدخن ويلعب القمار، بل يذهب بيانكي إلى أحد الملاهي الليلية ويُدخله في تجربة مع فتاة ليل، يرفض بالطبع لمسها أو حتى أن تلمسه، فقط يريد أن يعرف منها.. ما الذي تحبه النساء، لأنه لا يعرف عنهن شيئاً.

الجنة الموعودة

في ألمانيا تعيش إستير حياة أخرى، بالطبع أكثر حرية ورحابة، فهي آتية بموهبة موسيقية، وتتقدم لاختبارات معهد الموسيقى، وتتصادق وبعض الطلبة من العازفين، وهنا تبدأ الحكاية في الكثير من عدم المنطقية في الأحداث ـ ربما تختلف مع الحكاية الحقيقية المدونة في كتاب ديبورا فيلدمان ـ فالأرض الموعودة أو الجنة لهذه الطائفة تضم مجتمع السلام، أو ديانة السلام، لكل الفئات والطوائف والهاربين من مجتمعاتهم المتشددة، فنرى الافريقي المثلي الهارب من مجتمعه، والفتاة اليمنية، والأخرى الآتية من إسرائيل، بخلاف علاقة الحب التي نشأت بينها وبين طالب ألماني، كما أن حياتها التي استقرت رغم نقودها القليلة، ومغامرات قضاء النهار والنوم ليلاً خلسة، ومصالحتها أمها في النهاية والعيش معها، كلها كانت أحداثا واهية غير منطقية، بخلاف الجزء الخاص بأحداث نيويورك، الأكثر تماسكاً وإقناعا رغم قتامتها.

الساتمار العربي

ما يميز العمل هو كشفه لتفاصيل مجتمع منغلق، لا يعرفه الكثيرون. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يكشف الكثير من التشابه، بل التطابق مع بعض المجتمعات المتخلفة، خاصة العربية، في ما يخص المرأة، ووظيفتها المنحصرة في الإنجاب، كما أن وجودها بالكامل عورة أو شراً لابد منه، كل هذا يدعمه بعض من آيات أو أحاديث تأخذ صفة القداسة، تواترت فتأكدت في النفوس، وأصبحت تتيح الكثير من الممارسات بحق الفتيات والنساء، والأمهات في ما بعد، في ظل مجتمع ذكوري واهن يستمد سلطته من سلطة وهمية ابتدعتها مخيلته.

اضف رد