دراسة بالفرنسية عن الروائي الياس خوري

باريس – «الحياة» |
14072018

(غودريدز)

صدر حديثًا للناقدة والباحثة الأكاديمية بالفرنسية كاتيا غصن كتاب بعنوان «الياس خوري: من الالتزام إلى ما بعد الحداثة» عن دار ديموبوليس الفرنسية. يتطرق الكتاب إلى الخصائص الروائية في كتابات الياس خوري، الذي تقدم أعماله تجربة متميزة ومهمة على الصعيدين اللبناني والعربي. فرواية خوري هي وليدة الحرب الأهلية اللبنانية وتداعيات كارثة حرب الـ48 في فلسطين، وهزيمة الـ67 وتبدد الحلم القومي العربي. وتفتح على تساؤلات شتى حول موقع الرواية العربية المعاصرة في الأدب العالمي والتحولات التي غيّرت معالمها منذ أواخر السبعينات وخصوصاً بعد اندثار الأيديولوجيات التحررية التي ينادي بها اليسار وتصاعد الأزمات المتتالية التي صدّعت يقينيات الرأسمالية من جهة أخرى.

في خضم هذه الاضطرابات، تبلورت تجربة الياس خوري الروائية، لتختزل نصف قرن مشوش مليء بالانكسارات، وتشهد على تحلل مجتمع بكامله وعلى عجز ثقافة التوفيق النهضوية، فكانت نموذجاً وانعكاساً لتفكك البنى الروائية التي نادت بها الحداثة العربية.

يبدأ الكتاب بمساءلة منظور «أدب الحرب الأهلية» الذي تنطوي أعمال الياس خوري تحت رايته. وتحذو الباحثة حذو عدد من النقاد لتدرج أدب الحرب الأهلية، على نحو أكثر دقة، ضمن سياق أدب ما بعد 67 كإطار فكري عام يعبّر عما طرأ على الأدب اللبناني من تحول لا يمكن تكشّفه من غير ربطه بمأزق الخطاب العربي وإشكالات العولمة.

ويناقش الكتاب التناقض الظاهري بين مبدأ الالتزام الذي يتمسك به البيان السردي من جهة وخصوصيات أو أساليب الكتابة ما بعد الحداثية من جهة ثانية. إذ كيف يمكن رواية الياس خوري أن تكون ملتزمة بالكامل وما بعد حداثية في الوقت نفسه؟ بعد مراجعة نقدية لقراءة إدوارد سعيد في مفهوم ما بعد الحداثة عند خوري الذي يقوم على غياب الشكل، إذ يكتب سعيد «وما يجده خوري في تلك الأعمال التي بلا شكل هو على وجه الدقة ما دعاه المنظرون الغربيون بما بعد الحديث»، غير أنه يجد هذا النمط أيضاً عند رواد الحداثة مثل توفيق الحكيم وطه حسين وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمه. ترى الباحثة، على غرار تيري إيغلتون وفردريك جيمسون، أن السردية ما بعد الحداثية “ما بعد الحداثة” هي نتاج سقوط السرديات التاريخية الكبرى لعصر الأنوار كما عبّرت عنها خير تعبير النظريات في الهندسة المعمارية، التي ظهرت في أوائل السبعينات مع شارل جنكس وروبرت فنتوري، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بالحقبة الزمنية التي ظهرت فيها. ومفهوم ما بعد الحداثة مرتبط بالتاريخ على نحو وثيق، وليس إنكاراً أو تغييباً له كما رأى البعض، غير أنه تشظى في جميع الاتجاهات. وليس تشظي السرد والمفارقات المتضاربة عند الياس خوري سوى تعبير عن اضطرابات العصر الحاضر، عربياً وعالمياً، ومساءلة لتاريخ فقد بوصلته و «تجربة في البحث عن أفق» جديد له.

ويخوض الكتاب في توظيف العامل الديني في رواية الياس خوري ويقدم قراءة لروايات «باب الشمس» و «يالو» و «كأنها نائمة» كثلاثية تقوم على تحطيم أيقونات كبرى، فتشهد «باب الشمس» على موت الأب (يونس) و «يالو» على موت الابن (يالو) و «كأنها نائمة» على موت الأم «العذراء» (ميليا). وتتجلى صورة المسيح كشخصية رئيسة تجسد الماضي- الحاضر والميتافيزيقي- التاريخي حيث يُصلب المجتمع وتُغرّب الشعوب وتُقتل الأيديولوجيات.

يقدم الكتاب قراءات في مشروع الياس خوري الروائي الذي يتشكل كجزء لا يتجزأ من المسيرة التاريخية الراهنة وتناقضاتها، وكشكل أدبي يعيد تشكيل العلاقات بين الهوامش والمركز، بين الأدبي والسياسي وبين الالتزام كموقع وما بعد الحداثة مقترباً في عالم تغيب فيه الرؤى التاريخية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*