الرئيسية / مقالات / داخل كل زعيم “دراكولا” فهل يلبس اللبنانيّون “الأكفان”؟

داخل كل زعيم “دراكولا” فهل يلبس اللبنانيّون “الأكفان”؟

هل يعتقد رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون الذي رفع شعار “الإصلاح والتغيير” بعد عودته إلى لبنان، والذي وعد “شعب لبنان العظيم” كما سمّاه دائماً بتنفيذه فور وصوله إلى السلطة أنّه يستطيع إقناع هذا الشعب الذي أثبت أنّه عظيم ثلاث مرّات، الأولى عندما حرّر ثلث شعبه أراضٍ من بلاده احتلّتها اسرائيل منذ عام 1978 بمساعدة من إيران الإسلاميّة وسوريا، والثانية عندما أخرج ثلثا شعبه الوجود السوري العسكري والأمني من لبنان عام 2005 بمساعدة من الأمم المتّحدة والولايات المتحّدة وفرنسا، والثالثة عندما فاجأ الشعب بـ”أثلاثه” الأحزاب والمؤسّسات الثلاث والدولة الفاشلة والمرجعيّات الدينيّة بنزول شبه إجماعي إلى الشارع تحوّل انتفاضة أكّدت أن الطائفيّة والمذهبيّة في لبنان على تجذّرهما يمكن التخلُّص منهما لأن حاجات اللبنانيّين واحدة ومطالبهم واحدة ومظالمهم واحدة، وأن مصلحة قادة “أثلاثه” هي إبقاؤه مُقسّماً لاستعماله في تكريس سلطتها وفي الدفاع عنها وعن مكاسبها، هل يعتقد الرئيس عون أنّه بإحالة القاضية غادة عون رئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي بتهمة الإثراء غير المشروع سيستعيد شعبيّته التي أظهرت “الانتفاضة” العارمة تقلُّص حجمها الكبير؟ وهل يعتقد أن إنكفاء وليّ عهده ووريثه في قيادة “التيّار الوطني الحر” منذ بدء الانتفاضة، وهو عادة متأصّلة فيه عندما تكون السياسة أو الشارع أو الاثنين معاً في غير مصلحته، واستجابته له في رفض قبول أي خطوة وإن صغيرة جدّاً مثل تعديل الحكومة وإبعاده عنه لتهدئة الشارع سيُحبطان “الشعوب” المُنتفضة ويُعيدانها إلى بيوتها؟ وهل يعتقد أخيراً أن حُماته من أقواهم إلى أضعفهم سيُضحّون بأنفسهم من أجله، وأن شعوبهم مُقتنعة بما يقولونه على “التلفزيونات” وأهمّه أنّهم مُستمرّون في دعمه لأنّ عنده مشروع وطني؟ علماً أنّهم يعرفون أن مشروعه كان دائماً السلطة، وأنّهم استخدموا ذلك لتعبيد الطريق أمام “مشروعهم الوطني” وهو جزء من “مشروع إقليمي” لا يُجمع اللبنانيّين على الإعجاب به، وترفضه الغالبيّة الدينيّة المذهبيّة في العالم العربي بل الإسلامي، ومُطلقه رقم قوّته غير المشكوك فيها ونجاحاته المُهمّة في أكثر من بلد يعيش قلقاً في العراق، وبدأ يشعر بقلق في لبنان ويعيش منافسة حادّة في سوريا.

انطلاقاً من ذلك نقول أن الدفاع عن نجيب ميقاتي ليس هدف “الموقف هذا النهار” اليوم. فتهمة الفساد لا تحوم فوقه فقط بل تشمل مجموعات بالمئات وربّما أكثر من رجال السياسة ورجال المال والأعمال والمصارف و… لكن اقتصار الادّعاء عليه بالإثراء غير المشروع فيه الكثير من الكيديّة رغم أنّ القضيّة المُستخدمة في هذا المجال صحيحة. فما فعله مع “بنك عوده” سمح به في حينه تعميم لمصرف لبنان أو لحاكمه، واستفاد منه خمسة إلى ستّة آلاف من المُشار إليهم أعلاه ومن أسلاك رسميّة عدّة يحتاج إليها رجال الحكم والدولة وأصحاب النفوذ في البلاد. وإذا أراد الحكم إبعاد تهمة الكيديّة عنه عليه أن يُوجّه القضاء للإدّعاء على الجميع، كما عليه أن يفتح ملفّات قضايا فساد طاغ بحجمه ورائحته وفي كل المجالات، كما ملفّات حُماة الذين قاموا بها من الكبار في كل “الشعوب”. فهل يتجرّأ على ذلك؟ وهل حاول بالادّعاء المذكور التجاوب مع شقيق للبنان سمح بالفساد عقوداً، وعندما احتاج إلى المال بدأ يفرض على مُمارسيه من أصحاب الثراء الفاحش مبالغ ماليّة باهظة نظراً إلى حاجته إليها في معركته، أي على طريقة مُشابهة إلى حدّ ما للّتي استعملها الأمير محمد بن سلمان في “استعادة المال المنهوب” كما سُمّي؟ علماً أن ما قامت به القاضية عون غير قانوني.

ماذا عن الداخل اللبناني؟

الخلافات تتكاثر داخل المعسكر الرسمي الذي يفترض أن يضم المؤسّسات الدستوريّة الثلاث برؤسائها وغالبيّة أعضائها. وغياب الحلول أو بالأحرى الاقتراحات والمشروعات التي يفترض أن تنبثق منها لا يبشِّر بأي حل سواء بقي “أثلاث الشعب” في الشارع أو خرجوا منه أو استجاب بعضها إلى ضغوط السلاح والطائفيّة والمذهبيّة. والذين يفترض أن يكونوا “قادة” بحكم الأمر الواقع للمحتجّين في الشوارع ليست عندهم حلول. وهم والمحتجّون يعتمدون على الجيش للحماية اقتناعاً منهم بأنّه لن يُنفِّذ أوامر بقمعهم بكل الوسائل، وقد وفّرها. ولكن إلى متى يستطيع أن يستمر معارضاً عمليّاً توجّهات رؤسائه السياسيّين وتوجيهات حلفائهم المدجّجين بالسلاح ولا سيّما إذا نجح هؤلاء وغيرهم في إعادة كل “ثلث” من “الثلاثة” المحتجّين إلى ربَعِه. و”حزب الله” الذي ينتظر منه محبّوه وأنصاره ومُعارضوه تحرّكاً ينصفهم وينصف شعبه بالتعاون مع الجيش لا يزال ينتظر مع احتفاظه بموقعه داخل المثلّث الرئاسي، ويشعر بالقلق وربّما بالغضب في الوقت نفسه. لكنّه لم يُقرِّر موقفاً ثابتاً، وهو عمليّاً أمام موقف من اثنين. إمّا إمساك الدولة بجيشه غير الرسمي وبما له في “الجيوش” الرسميّة حكم البلاد مباشرة مغ تغطية حليفة متنوّعة ليس لها حيثيّة شعبيّة فعليّة. وإمّا اتخاذ قرار بالتشجيع على اتخاذ اجراءات جذريّة وبالاتفاق مع الجيش. وبذلك يبقى متفرّغاً للجنوب واسرائيل وسوريا ويُبقي حصنه اللبناني منيعاً ليس بقوّته العسكريّة فقط ولا بقوّة شعبيّته فقط بل بتأييد الشعوب اللبنانيّة كلّها. علماً أن الموقف الأوّل يحميه موقّتاً (سنوات قد تكون طويلة)، أمّا الثاني فِحمايته أطول بكثير وخصوصاً إذا أسفرت المواجهات والتحدّيات بين الفريق الإقليمي الحاضن له وراعيه والمجتمع الدولي بقيادة أميركا وتأييد العالم الإسلامي عن نتائج قد لا تكون كلّها في صالحه.

في أي حال لا بُدّ هنا من الإشارة إلى أمرين. الأوّل أن إيران أثبتت بعد 40 سنة من ثورتها أنّ الشيعة قادرون على بناء دولة ومؤسّسات بغض النظر عن أسسها ومبادئها، وليسوا فقط شعوب شكوى وتذمّر واحتجاج وثورة وبكاء. وعليها أن تعود الآن إلى واقعيّة “فُرْسِها” وبراغماتيّتهم للمحافظة على ما أنجزت وعدم متابعة ممارسة غرور القوّة الذي أوصل عدوّها الأوّل إلى رئاسة أميركا، وهو يُذيقهم مرارات كثيرة. والثاني أنّ على “حزب الله” الذي أخذ عنها في أثناء احتضانها ورعايتها له الكثير من أسباب قوّتها وميّزات شعبها أن يستمرّ في المرونة، وأن يُثبت أنّه قادر على منع دولة لبنان من السقوط وعلى قيادة عمليّة إعادة بنائها على نحو متين وصحيح. وإذا لم يفعل ذلك يُعزِّز مقولة أن الشيعة أهل ثورة وبطولة وتضحية واستشهاد ومُحاربة الظلم لكنّهم ليسوا أهل بناء دولة مؤسّسات. علماً أنّ الإنصاف يقضي الاعتراف بأنّ بناء دولة لبنان من أصعب المهمّات نظراً إلى كون شعبه شعوباً.

في النهاية بات اللبنانيّون مُقتنعين بأن داخل كل زعيم أو قائد أو رئيس أو سياسي أو مُتموّل أو موظّف كبير “دراكولا” صغير يعشق الدماء ويعيش عليها. وربّما بدأوا يقتنعون بتصرّف إسلامي هو “لبس الكفن” الذي يعني أن من يُقدم عليه صار يائساً من أي حلّ، وأنّه مستعدّ للتضحية حتّى بحياته سواء في قتال أو احتجاج أو انتفاضة. وربّما يبدأ هؤلاء التصرّف على أنّهم “لبسوا الأكفان” وإن أدّى ذلك إلى دفن البلاد.

¶ ملاحظة: منذ سنة ومدسوس أو حاقد على الرئيس نبيه برّي يُكرِّر على وسائل التواصل الاجتماعي نشر مقالات ضدّه باسمي، وهو الآن بدأ يُغرّد تأييداً له وباسمي أيضاً. للعلم أنا لست مُنخرطاً في هذه الوسائل.

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد