الرئيسية / مقالات / داء البلقان

داء البلقان


سمير عطاالله
النهار
14112018

فركبنا كل يومٍ مركباً
وذهبنا كل يوم مذهباً

امين تقي الدين

من حيث الكل، يقول الأستاذ S.E. FINER ، يبدو النظام الديموقراطي الليبرالي في بريطانيا وسري لانكا ولبنان، واحدا(1). بل أن الديموقراطية الليبرالية أقرب هنا شكلاً الى بريطانيا، منها في الولايات المتحدة والسويد. غير ان العناصر التي تؤلف النظام في الجوهر، مختلفة كلياً. ففي “بلدان مثل سري لانكا أو الفيليبين أو لبنان، يقوم النظام الديموقراطي في صورة اساسية على الصفقات بين المصالح المحلية والطائفية والمناطقية وغيرها”.

كتب فاينر هذا البحث العام 1973 عندما كانت “سويسرا الشرق” على حافة الانكشاف في حرب أهلية أخرى، هي افظع وأطول حروبها، تاركة لاسرائيل أن تعلن، كونها “الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” هي، وحروبها واحتلالاتها واغتيالاتها في قلب بيروت. أما من حيث المظهر فهي ايضاً ديموقراطية باب اول: احزاب، وصحف، وبرلمان، والحاخام عوفاديا يوسف.

بالنسبة الى فاينر ورؤيته للحكم، نحن وسري لانكا والفيليبين، لسنا دولاً ديموقراطية. وكم هي نياته السيئة واضحة عندما يختار ان يضعنا الى جانب بلدين، هما موردنا الاساسي لعاملات المنازل. وإني لأعتذر، بصورة خاصة، من السابحات الفاتنات التي تجر كل منهنَّ رهطاً من الاسيويات، كما كان العبيد يمشون على مسافة خلف سادتهم، وسيداتهم.

استخدم فاينر “المساومة” أو الصفقة بمعنى البيع والشراء. أي بلغة السوق المشرقية وروحيتها وفلسفتها الوحيدة، بعيداً من أي قيمة. فقوام الجمهورية الافلاطونية هنا ملخصة جملة واحدة، لا قبلها ولا بعدها: مَن حضر السوق، باع واشترى.

البعض يتأفف من أننا في سوق القبان الحكومية منذ ستة اشهر. وهذا غلط. فالأصح أننا فيها منذ 60 عاماً. فإذا كانت المشرقية الحربوقة الشاطرة جغرافية، فنحن قلب المركز، لا إزمير ولا الاسكندرية.

ماذا تعني المساومة في عمقها اللغوي؟ تعني، حكماً، غياب المبدأ والقيَم. تتحول قضية مثل الحكم أو المصير، إلى جدل حول الفروقات الحسابية. جميع مكونات البلد دخلوا في جدل حول الفوارق: 3,5 نواب. أو 4,5 وزراء فيما الناس التي كانت تصرخ اصبحت تعوي. المشرق يقايض والشرق يفلس. لم يبق لديه مايبادل به.

من هذه العاصمة كنت تقيس في الماضي نبض الشرق، وتقرأ مزاج العالم. وكانت بيروت تتظاهر ضد عدوان السويس وقصف خي سانة. وأرغمت سينما الحمراء على وقف عرض “القبعات الخضر” لجون واين لأنه يمتدح دور المارينز في الفيتنام. والآن فيما كنا نتفحص حقائبنا ومردود بضاعتها، تمتع نتانياهو بضيافة عُمان، من دون أن تنتبه صحفنا الى أنه نبأ يستحق النشر. وكان قد وصل الى مسقط قبله بيومين الرئيس محمود عباس. وما على الرسول الا البلاغ.

نقول لكم الدنيا تغيرت ولا تصدقون. ونقول الشرق انقلب ولا تأبهون. ايها السادة إنه داء البلقان. بلقان حار في كل مكان وبارد والحمد لله، هنا. تشقق عميق ولكن من دون قتال. بلدان تتكسر لكنها لاتنفصل. هويات تتغير ولكن ضمن الإطار السابق.

البلقنة داء مثل الطاعون والجدري والهواء الأصفر. انظر الى انبعاث الفاشية في اميركا واوروبا. تأمل بريطانيا تسلم نفسها الى وحشة بريكست. تفرَّج على بهلوانيات ترامب وتغريداته المراهقة، كل يوم في اتجاه جزء من العالم. منذ ايام سقراط والعالم يبحث عن مرحلة العقل، لكنه لا يبلغها. حكم الاثنيون عليه بالانتحار سُماّ لأنهم رأوا في دعوته خرقاً لقوانينهم وتقاليدهم وعادات الآلهة. ما اراده سقراط، هو ان يحوِّل الإثني والاسبارطي والأيجي إلى مواطن.

لكن عندما جاءت النهضة، ألصبح طرح الاسئلة ممكناً من غير أن يتجرع سقراط السم، أو أن يحال المفكرون على محاكم التفتيش. كنا نبحث عن “المواطن” في الاشهر الأخيرة فإذا هو من نوعين من الشيعة، ونوعين، أو رقمين من السنة، وبيارق بيارق، من المسيحيين. البلقنة في أفضح صورها والتشقق في هيكل البلد يكاد يطاول الزوايا.

نتحدث دائماً عن الدستور، مقلوباً ومتقلباً، وعن الطائف وتفاسيره، والقوانين وملاحقها. رجاء تذكروا أن تتذكروا دوماً، الرحلة الوطنية الشاملة الى الدوحة، آخر ملجأ قومي طلبنا فيه التحكيم في أحوالنا. منذ تلك الرحلة الميمونة لم نعد نعرف من يكلف ومن يشكل الحكومات، وخلال أي فترة زمنية. الأكيد، أننا مثل البلقان، ولو أننا، مثل الأرض في قصيدة محمود درويش، بنتكلم عربي – وليس بلقاني.

مشكلة الديموقراطية الشكلية أنها تفضح نفسها، مرة بعد مرة. فهي في الغرب قائمة على التناوب والمشاركة. في الشرق تقوم على الآحادية والخلود. يولد الحاكم فرعوناً، والفرعون يولد خالداً. لذلك، تبنى له الاهرامات والمعابد في مصر وأشور والساحل الشرقي السوري، على فكرة العودة الى الحياة.

يقول المستشرق الياباني نوبواكي نوتوهارا، الذي أمضى في مصر والعالم العربي نحو 40 عاماً (2): “أن العرب المعاصرين يضيفون صفة الخلود حتى لرؤسائهم مثل الزعيم الخالد وزعيمنا الى الأبد. وهكذا فإن هذا الأبد المضفى على الحاكم مثير لنا في اليابان ويفوق قدرتنا على التصور، واحياناً قدرتنا على الفهم”.

ذهب السيد نوتوهارا الى مخفر شرطة في عاصمة عربية يشكو سائقاً سرق هاتفه. وبعد لحظات لم يعد يعرف كيف يخرج من الورطة التي ساق نفسه إليها. فقد انهال الشرطيون على المتَّهم ركلاً وضرباً، فيما أصيب هو بالغثيان، وكاد يغيب عن الوعي. ومنذ ذلك الوقت قرر ألا يتقدم بشكوى ضد أحد في العالم العربي.

بعد أربعين عاماً اذهلت نوتوهارا حاجة العرب الى الزعيم: “لماذا يحتاجون الى زعيم إلى هذه الدرجة؟ أما في اليابان فصورة الزعيم فقيرة جداً”. المهم في بلادهم، المسؤولية والاداء. لم يعد الامبراطور إلهً للشمس، لكن بقي شيء اكثر أهمية بكثير: الثقة. وإذا ما زعزعتها الحداثة والعقلية التجارية الفاسدة والسائدة في العالم، فلن يبقى من اليابان شيء.

يطرح نوتوهارا على العربي هذه الأسئلة: هل يثق العامل بشركته؟ هل يثق الناخب بنائبه؟ والتلميذ باستاذه؟ أليست الحياة في الشرق رشوة متبادلة وتستُّراً مشتركاً وفساداً شائعاً؟

في مفهوم فاينر للحكم ان أي صراع يجب ان يقوم من أجل الافكار الكبرى والخطط وطوارىء الدهر. أما الحقائب الكبرى والصغرى فبدعة سقيمة. استقال وزيران في الاردن، ووزير في الكويت، الاسبوع الماضي، بسبب السيول التي ضربت البلدين. هل يمكن ان يكون وزير مسؤولاً عن السيول في بلد صحراوي؟ أجل. بما أنه مسؤول في المبدأ، فهو ليس مسؤولاً في الصحو فقط. وهو مسؤول في المفاجأة وفي الطوارىء. اراد كل من الأردن والكويت أن يؤكد لشعبه أنه خليق باسم الدولة.

(1) Comparative Government – S.E. Fisher Pelican

(2) نوبواكي نوتوهارا (الطبعة السابعة) دار الجمل.

اضف رد