الرئيسية / مقالات / خيبة فرنسا من حلف المقاولين والسياسيين: قصة فساد معلن

خيبة فرنسا من حلف المقاولين والسياسيين: قصة فساد معلن

منير الربيع|الإثنين09/03/2020
Almodon.com

لم يستمع لا الحريري ولا باسيل ولا عون لتحذيرات فرنسا (من الأرشيف، Getty)

تتفرد فرنسا وحدها في توفير الدعم السياسي والمعنوي للبنان ولحكومة حسان دياب. كلام السفير الفرنسي برونو فوشيه المتطابق تماماً مع كلام حزب الله برفض وصف حكومة حسان دياب على أنها حكومة الحزب، وأنه “لا بد من إعطائها فرصة للعمل وإنقاذ البلد”، يشير إلى الموقف الفرنسي المتمايز عن مواقف دول أوروبية أخرى ودول الخليج والولايات المتحدة الأميركية. تبدو فرنسا واثقة من استمرار عملها ومساعيها، لفتح كوة في جدار الأزمة اللبنانية على الصعيد الدولي. اهتماماتها لبنانياً أصبحت معروفة: الحفاظ على النفوذ والدور، حماية المسيحيين ومكانتهم وتأثيرهم في الشرق الأوسط، انطلاقاً من لبنان، وإبقاء لبنان ممراً ومعبراً إلى سوريا مستقبلاً، وساحة تفاوض مع إيران.

فوشيه المتأثر جداً بتجربته خلال وجوده في سفارة بلاده في إيران، والذي لا يُخفى ودّه للإيرانيين وتوجهاتهم، يمثّل رأي شريحة واسعة في فرنسا. وهو الحريص على كل العلاقات مع مختلف القوى اللبنانية، لا يهدئ في تحركاته باتجاه مختلف الأفرقاء بحثاً عن تفاهم لبناني عام.

صندوق النقد الدولي
لم يحقق الموقف الفرنسي بعد أي خرق مع الدول المعنية بلبنان، الذي ينتظر هذا الأسبوع مواقف أوروبية وأميركية متعددة، إزاء قرار “تعليق” دفع سندات اليوروبوندز، ويعد العدة للدخول في مفاوضات مع الدائنين.

كل المساعي الفرنسية في توفير المساعدة للبنان، من خلال مجموعة الدعم الدولية، لم تصل إلى أي نتيجة. حاولت باريس فرض لقاءات واجتماعات سابقة لبحث الأزمة اللبنانية. ولا يخفي المسؤولون الفرنسيون حجم المعاناة التي واجهتهم عندما عقدوا اجتماعاً لمجموعة الدعم بشأن لبنان، فشارك فيها الأميركي من دون قناعة، وقاطعها السعودي والإماراتي. ما أرسى قناعة فرنسية بأن المدخل إلى مساعدة لبنان يبدأ من صندوق النقد الدولي. وهذا هو الشرط الأميركي المفروض.

هنا تدخل الملامة الفرنسية القاسية الموجهة للأفرقاء اللبنانيين، وخصوصاً لأركان تسوية العام 2016، التي كان لباريس الدور الأكبر في بلورتها وتوفير نجاحها. إذ ما بعد التسوية، وخلال التحضير لمؤتمر سيدر وما بعده، أكثر المسؤولون الفرنسيون من نصائحهم وتحذيراتهم للبنانيين بوجوب إنجاز إصلاحات حقيقية، ووقف المنطق الزبائني في إدارة الدولة لحماية أنفسهم. لكنهم لم يستجيبوا لذلك. وأيضاً، كانت زيارة المسؤول عن متابعة ملف سيدر السفير بيار دوكان، في أيلول الفائت، حين أسمع المسؤولين وخصوصاً سعد الحريري وجبران باسيل كلاماً قاسياً، ونبههما أن الوضع لم يعد يحتمل. لكن، لم يوفر الرجلان الغطاء لاستمرار الدعم الفرنسي. ففقدت باريس السيطرة على الوضع بسبب سياساتهما.

الكهرباء والمقاولون 
وفي اللقاءات التي أجراها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع الحريري، وفيما بعد مع رئيس الجمهورية ميشال عون وباسيل، لم يسمع منهم إلا اتهامات متبادلة وتقاذف للمسؤوليات، ولم يسمع إلا الكلام القاسي والذي يتهم فيه كل طرف للآخر بالكذب والمناورة. عندها أوصلت باريس رسالة واضحة وحاسمة للبنان، أنه لا يمكن الحصول على أي مساعدات في ظل استمرار السياسة ذاتها، وفي ظل التوزيع المغانم والمشاريع على كارتيلات المقاولين، الذين أبلغت فرنسا رفضها دخولهم في أي مشروع من مشاريع سيدر. بمعنى أوضح، يومها تبلغ المسؤولون اللبنانيون، أنه لا يمكن للمقاولين المعتمدين من قبل السياسيين أن يكون لهم أي علاقة بمشاريع سيدر. وهؤلاء المقاولون معروفون.

طبعاً أوقفت مساعدات سيدر لأسباب سياسية قبل الأسباب التقنية. أصبح لبنان في مكان آخر، بعد ثورة 17 تشرين، وسلمت فرنسا بخيار صندوق النقد الدولي، الذي يجب أن يشكل المدخل الأساسي للإصلاح، وخصوصاً في ملف الكهرباء. هذا الملف الذي كان يسعى المقاولون إلى وضع اليد عليه أيضاً، من دير عمار إلى “هواء عكار” إلى سلعاتا، إلا أن مساعيهم باءت بالفشل. اليوم الخطة الدولية للكهرباء المراد إرساءها في لبنان، تقوم عل تلزيم المعامل لشركات كبيرة. إما سيمنز أو جنرال الكتريك، والتي بدأت مفاوضاتها مع الحكومة اللبنانية.

توأمة السياسة والمقاولات
هذا يعني أن أيدي المقاولين قد كُفّت عن هذه المشاريع. وتشير المعلومات لـ”المدن” إلى أن علاء الخواجة أعلن تخليه عن مشروع دير عمار، وعن مشروع إنتاج الطاقة المتجددة في عكار، ويطالب الدولة اللبنانية بالأموال التي دفعها. وتلفت المعلومات إلى خلاف بين باسيل وريمون وتيدي رحمة، بسبب حسابات متضاربة بينهم. وأيضاً، تتحدث المعلومات عن خلافات بين الحريري وجهاد العرب، فيما هناك ملف “فساد” مفتوح في البنك الدولي، ويطاول موظفين كبار فيه، لهم علاقة أيضاً بعدد من المشاريع في لبنان من بينها سد بسري. هذه الخلافات تأتي نتيجة للخلاف السياسي الأكبر الذي وقع بين سعد الحريري وجبران باسيل.

المشكلة الأساسية في لبنان أن تسوية 2016، أرست تطابقاً وتوأمة بين السياسة والمقاولات. فأصبحت التحالفات تُنسج والقرارات تتخذ، بما يتوافق مع المصلحة المتطابقة بين السياسيين والمقاولين. وكأن المسؤولين لم يستسلموا بعد لفشل هذا النموذج، ولرفضه شعبياً ودولياً. بل هناك مساع متجددة لإعادة إحيائه على قاعدة تجديد أو تبديل العلاقات. موقف الحريري في 14 شباط عن سليمان فرنجية أوحى وكأن الرجل يعيد مراجعة حساباته المستقبلية. هنا يبرز الدور الذي كان قد لعبه سابقاً رجل الأعمال جيلبير الشاغوري في ترشيح الحريري لفرنجية لرئاسة الجمهورية، قبل انتخاب عون. وبُعيد استقالة الحريري تحت ضغط الشارع، وخلال فترة البحث عن إعادة تكليف رئيس للحكومة، عمل الشاغوري أيضاً مع فرنجية وبري لإعادة تكليف الحريري. لكن المسعى لم ينجح. إلا أن هناك من يصرّ على إبقاء هكذا خيار حياً ولو بتنفس اصطناعي تحسباً للمرحلة المقبلة.

حركة فرنجية
وهنا تلفت مصادر متابعة إلى أهمية متابعة حركة سليمان فرنجية ومواقفه، وسط كلام عن استعداده لإجراء زيارات خارجية، إلى موسكو، وباريس والمملكة العربية السعودية أيضاً، تحت عنوان الحفاظ على التركيبة اللبنانية وتجنب الانسياق في مشاريع مجهولة. ولكن مع إجراء تغييرات أساسية في بعض السياسات المتبعة. قد يعتبر البعض أن قرار الحكومة بتعليق دفع الديون المتوجبة عليها، يصب في خانة هدف حزب الله الاستراتيجي على المدى البعيد، وهو عزل لبنان عن العالم، والسيطرة على القطاع المصرفي. بينما آخرون يعتبرون أن هذا الأمر مستحيل. وكل الضغوط تهدف إلى الوصول إلى تسوية سياسية، تعيد انتاج التركيبة ذاتها بما يحمي مصالح الجميع، بما فيهم مصلحة الحزب، خصوصاً أن أي تغيير جذري أو جوهري لبنية النظام السياسية والاقتصادية، سيكون كارثياً بالنسبة إلى القوى السياسية التقليدية. 

اضف رد