الرئيسية / مقالات / خيارات مكلفة يرفض المسؤولون دفع ثمنها

خيارات مكلفة يرفض المسؤولون دفع ثمنها

يشبه الإلحاح الذي يعبر عنه الديبلوماسيون المهتمون بلبنان، سواء كانت فرنسا او سفراء المجموعة الدولية عبر الامم المتحدة من أجل الاسراع في تأليف الحكومة نظرا الى مخاطر الانهيار المالي المحدق بلبنان، ذلك الإلحاح الذي شدد عليه هؤلاء ازاء ضرورة تنفيذ أهل السلطة الإصلاحات تحت الضغط، فيما يمارس المسؤولون ترف الضغط في التفاوض على حافة الهاوية في الوقت الذي دخل لبنان نفقها. ويبدي خبراء اقتصاديون اقتناعا يفترض ان اهل السلطة يدركونه او يكابرون في استيعابه، وتاليا في العمل على هديه انقاذا للواقع الاقتصادي والمالي في البلد. هذا الاقتناع يطاول ما اعلن عنه في الاساس حاكم المصرف المركزي رياض سلامه، والذي وفي احسن الاحوال يمكن ان يعطي البلد فرصة لاستدراك انهياره في حال تأليف حكومة تتمتع بصدقية، على خلفية ان اي حكومة لا توحي الثقة ستعجل في الانهيار، فيما المصرف المركزي لن يستطيع لجم التدهور لاكثر من اسابيع محدودة في ظل حكومة تفتقد المعايير التي ترضي الشارع والخارج على حد سواء. كذلك يطاول هذا الاقتناع وجوب ان يعطى الرئيس سعد الحريري ما يمكنه من رئاسة حكومة انقاذية على خلفية اعتبارات، من بينها ان اي حكومة لا يرأسها الحريري سيكون صعبا ان تحظى بالثقة سريعا، فيما لا يتمتع الوضع المالي او الاقتصادي بترف تجربة شخصيات سنية جديدة في هذا الموقع. يضاف الى ذلك ان اي حكومة لا تكون برئاسة الحريري ستمسك بكرة نار لن تتمكن على أثرها من أي معالجة، بل ستسرع الانهيار ولن تلجمه. ويفترض بالقوى السياسية الممانعة لتقديم اي تنازلات انقاذية خشية على مكاسبها ومواقعها السلطوية ومصالحها الشخصية، ان توازن بين الكلفة التي يمكن ان يتكبدها البلد في ظل هذه الاعتبارات او من دونها حتى لو تذرعت باعتبارات اقليمية او دولية، ما يبرر عدم تنازلها كما هي الحال بالنسبة الى “حزب الله” والتيار العوني. فكما حصل بالنسبة الى الانتفاضات العربية التي لم يحسن الزعماء او الرؤساء العرب التعامل معها، فإن التعديل الحكومي لو تمت مقاربته بموضوعية كان سيكون أقل كلفة مما يواجهه لبنان باستقالة الحكومة. وهذه بدورها لم ترض الشارع، فيما المراوحة والتلكؤ واستمرار ممارسة السياسيين استفزازاتهم ازاء اللبنانيين وتحركهم أوصلت الامور الى وضع محرج وخيارات صعبة.

الجانب المتصل بإسباغ طابع اقليمي او دولي على ما يجري مبني أولا على منطق واحد لدى رئيس الجمهورية و”حزب الله” عن وجود مخطط يستهدف لبنان وربما تقسيمه، وهما من سيعمد الى منع حصوله. هذا المنطق وحده كاف للتمسك بالمكتسبات ورفض المساومة على أي تنازل جوهري أو أساسي، خصوصا في ظل الاعتقاد أن ترك الولايات المتحدة الاكراد لمصيرهم في سوريا بعد تحالف قوي بينهما من اجل محاربة ما يسمى تنظيم الدولة الاسلامية خلال الاعوام القليلة الماضية، يعني ان الولايات المتحدة لن تكون حاضرة لأي من حلفائها المفترضين في المنطقة، ولا سيما في لبنان. وقد ساهم الالتباس حول تجميد 105 ملايين دولار من المساعدات العسكرية للبنان، والذي نفته لاحقا الخارجية الاميركية، في ملاقاة الاعتقاد بانسحاب اميركي من المنطقة ودعم الحلفاء، حتى لو أدى الى مكاسب قوية للمحور الإيراني – السوري. فيما بدا الموقف الذي أعلنه وزير الخارجية مايك بومبيو من تأييد للتظاهرات في العراق ولبنان جامعا بين الاثنين، وهو أمر يؤدي الى التصدي بقوة العنف في العراق لما يحصل على الارض ورفض وجود ايران وسيطرتها هناك في مقابل الرفض عبر وسائل متعددة في لبنان لم تصل الى حد العنف العسكري والامني كما في العراق، وربما يعود ذلك الى وجود طوائف متعددة في لبنان في الجيش كما خارجه. لكن مؤدى ذلك في ظل التهديد الذي تشعر به إيران في العراق كما في لبنان هو عدم التنازل ولو بكلفة باهظة للدم في العراق، ما دام هو دم العراقيين، وبكلفة مرتفعة في لبنان بانهيار مالي واقتصادي يدفع ثمنه اللبنانيون ولا يمكن ان ينتقص من سيطرة الحزب ونفوذه. وثمة عملية انكار عبر اعتبار ما يحصل مؤامرة او تحريضا من الخارج، من اجل التخفف من المسؤولية او القائها على عاتق الآخرين بإلقاء تبعة الفساد ونهب الاموال على الخصوم الذين هم حلفاء للاميركيين وفق كلام الامين العام للحزب. فهذا منطق دفاعي اتهامي يرفض الإقرار بالمسؤولية التي اضطلع بها الحزب في الداخل على صعد متعددة، على الاقل خلال الـ15 سنة الاخيرة، علما أن مسؤوليته تعود الى ما قبل ذلك بكثير، وهناك تبعات خطيرة ترتبت على البلد أسوة بكل الفئات والاحزاب. ويكفي تعطيل الحكومات كما الفراغ الرئاسي لمدة سنتين ونصف سنة من أجل تأمين انتخاب العماد ميشال عون والتبعات الخطيرة التي رتبها ذلك على البلد، إضافة الى مشاركة الحزب القرارات على طاولة مجلس الوزراء على كل الصعد وممارساته العملانية من خارج الدولة وسلطاتها ومترتبات ذلك أيضا اقتصاديا وماليا وليس فقط سياسيا. ولا يمكن أي فريق ان يتنصل من تبعات ما يحصل، فيما أحد لا يرغب في تحمل هذه المسؤولية ويرميها على الآخرين.

وعلى رغم هذه الاعتبارات وسواها المتصلة ايضا بحفظ حظوظ انتخابية رئاسية لافرقاء ايا تكن الحال الانهيارية في البلد، ثمة من يتساءل ما هي كلفة ترئيس الحريري حكومة تكنوقراط انقاذية من الاختصاصيين لمدة سنة على الاكثر على ان يصار الى محاسبتها او اسقاطها في اي وقت في ظل امتلاك فريق 8 اذار اكثرية في المجلس النيابي في حال كانت هناك نية لمنع الانهيار او تفاديه او تحميله كليا لهذه الحكومة. لكن هذا يدفع في المقابل الى تساؤلات عما اذا كان اهل السلطة يريدون فعلا منع الانهيار او يريدون فقط عدم تحمل مسؤوليته، وهل يعرفون المدى الذي يمكن ان يذهب اليه، او هو وسيلة لاعادة ترتيب النظام الاقتصادي على قواعد جديدة كما حصل بالنسبة الى النظام السياسي؟

rosana.boumonsef@annahar.com.lb

اضف رد