الرئيسية / أضواء على / خمس سنوات على غياب أنسي الحاج… ماذا كان ليكتب عن لبنان اليوم؟

خمس سنوات على غياب أنسي الحاج… ماذا كان ليكتب عن لبنان اليوم؟

أنسي الحاج، خمس سنوات على الغياب، بريشة محمود الزيباوي.

يتخيّل سليمان بختي أنسي الحاج في بهو الصراخ وفنّ الصياح. كأن يشتم أو يحتقر أو يلعن. يشعر به كما الليل حين يهبّ في المدارك. كان ذلك الزمن عظيماً. زمن الكبار. اليوم خواء لئيم. نتمسّك ببقايا المُثل ونبادل جمال حضورهم بالوفاء. خمس سنوات على رحيل أنسي الحاج، ولا يزال في كلّ ذلك الحضور والاندفاع واليأس. ماذا كان ليكتب عن لبنان اليوم، عن جنازاته وخضّاته وكآبة إنسانه؟ بأي ألم كان ليغمس الحبر، ألم الروح أم جمر الترقّب؟ وبأي قصيدة كان ليُحاكي الشارع، وأوجاع الشعب والانسلاخ وولائم البوس؟

سليمان بختي: لسانَد الثورة ضدّ التحنيط

لو كان حيّاً اليوم، لاتّبع نداء داخلياً خفياً. يدرك الكاتب سليمان بختي أنّ أنسي الحاج ما كان ليعتنق شيئاً، بل لوَقَف نقيضاً للفجور. “بالتأكيد، لسانَد الثورة وكلّ ثائر. ضدّ التعصّب والسلفيّة والتحجّر والتحنيط والفساد”. يعلم مزاج الرجل وأهواءه. يتراءى له كامتداد الصنوبر لحظة هبوب العصف، بعناده وحفره في الأرض. حاول دائماً تشييد المعنى الجديد. رافقه همّ الحداثة والإبداع الخلّاق. مثل نار تتوق إلى المستحيل. “الكلمة عنده هي الأم. هي الأرض والروح. يذكر أنّ كتاباته في “الملحق” و”النهار” لفتت مرّة العميد ريمون إدّة، فاتصل بغسان تويني طالباً الاجتماع به، فترتّب اللقاء. سأل العميد أنسي: ماذا تريد؟ فأتاه الردّ: “لا شيء. أريد التلذّذ في شتيمتكم”. بذلك أجاب قامةً مثل ريمون إدّة، فما عساه يقول لسياسيي اليوم؟ لو أراد الكتابة عن لبنان الحاضر لحمل السوط، وأخرج، كالمسيح، اللصوص من الهيكل. يُنهي بقصيدة لأنسي: “كلّ واحد مني جزيرة/ وصحراء/ وأخوة أشرار. كلّ واحد مني واحدٌ/ بعمق الماء/ واستراحة الجنون”. لعلّه ارتاح قليلاً في هجرته الأخيرة. استراحة الجنون والصخب.

أنسي الحاج بريشة يوسف عون.

عبده وازن: لتألَّم وتظاهر وكتب

يستعيد الشاعر عبده وازن قول أنسي الحاج عن لبنان: “إنّه شوكة لا يمكن ابتلاعها”. قصد بالشوكة فرادة كينونة هذا البلد الصغير واستحالة سيطرة أعدائه عليه وعجزهم عن ضمّه. لبنان أنسي الحاج “كتلة تناقضات حارقة، تشكّل تركيبته أو بنيته. حالة ثقافية- فكرية أكثر مما هو كيان جغرافي، من دون أن يقع في التخريف اللبنانيّ الذي أصاب سعيد عقل وجماعته، ولا في التخريف القوميّ العروبي ومبالغاته”. يُكمل صاحب “غرفة أبي” حديثه عن شاعر حاكى الغيوم واختزالات الزوال: “كان موقفه من الاحتلالات الأخيرة المتعاقبة على لبنان، كالاحتلالين الإسرائيلي والسوري، سلبياً جداً، ومقاوماً على المستوى الفكريّ والكتابيّ. كتب ضدّهما، وشارك في أكبر تظاهرة لبنانية شهدتها باريس العام 1978 ضدّ الاحتلال السوريّ. كان في طليعة المتظاهرين. وكانت له دائماً مواقف نقديّة ضدّ الغرب والولايات المتحدة”.

ماذا لو كان أنسي موجوداً اليوم؟ “لكان تألَّم كثيراً، وتظاهر وكتب مقالات صارخة ضد فاسدين عرّاهم في “الملحق” منذ الستينات والسبعينات، وضدّ حكومات كرتوينة متعاقبة وبورصة السمسرة والبيع والشراء. حتى موقفه من مفهوم بناء بيروت ولبنان بعد الطائف كان نقدياً جداً، فطاول الموجة المالية التي سحقت إنسانية المدينة، وكان ليقاوم بشدّة محاولات قتل لبنان وتفليسه وتفقير شعبه، وليواجه بجرأة محاولة (حزب الله) عزله عن محيطه وإلحاقه بالجمهورية الإيرانية وجعله تابعاً للحرس الثوري”. في الخلاصة، لبنان عصي على الابتلاع، ومن يعيد قراءة مقالات أنسي الحاج السياسية، يدرك إلمامه بإشكاليات القضية اللبنانية ووعيه بعذابات الوطن وقسوة أقدار أبنائه. يختم عبده وازن.

نضال الأشقر: لبَكى

تراه سيّدة المسرح نضال الأشقر، معتكفاً. مؤلمٌ لبنان اليوم، تفوق أحواله الوصف. تكتفي بكلمات مسكونة بالأسى: “لو كان أنسي بيننا، لملأ بدموعه الدنيا. لما كتب. وما وجد في الكلمة والشعر خلاصاً للبنان. لتحسَّر وبكى”.

جيزيل خوري: لبقيَ من أجل لبنان

تفاجأت الإعلامية جيزيل خوري في حوارها الشهير مع أنسي الحاج من سلخه بيروت المباني والهيكل، عن بيروت الشغف والروح. كان يخشى قتل روح المدينة، فأصابه مصيرها بالتشاؤم والقلق. أحبّها بعمق، تقول. تخيّلها دائماً حيّزاً حرّاً، منفتحاً، وأيّ مسّ بجوهرها، سبّب له الآلام والأحزان. أي سؤال تسألين، وأي جواب تنتظرين، لو كان أنسي حاضراً؟ مرّة أخرى: “لا أتوقّع أجوبة. أنسي فنّان مفاجآت. كنتُ لأسأله هل للبنان بقاءٌ أم مصيره الانهيار؟ وكان ليجيب: سيبقى. نحن باقون من أجله”.

fatima.abdallah@annahar.com.lb

اضف رد