خمسون عاما والهزيمة مستمرّة

 

خمسون عاماً على “نكسة” حرب 5 حزيران، ومفاعيلها مستمرة. خلال هذه الاعوام انتقلت المنطقة من الهزيمة الماحقة على يد اسرائيل وديعة بريطانيا ومن بعدها سائر الغرب في الشرق الاوسط، الى الهزيمة على يد الذات.

فالعرب بعد حزيران لم يعودوا في حاجة الى عدو خارجي يهزمهم. الهزيمة صارت تنطلق من الداخل وهذا أخطر بكثير من الانكسار المادي في حرب بالكاد استغرقت ستة أيام. ما حدث في تلك اﻻيام هو انهزام الروح لدى العرب ليس على مستوى الانظمة فحسب، بل على مستوى المجتمعات والشعوب، وإلا كيف كانت لتنفجر الحروب اﻻهلية من الاردن الى لبنان وسوريا وليبيا واليمن؟ وحتى تلك الدول التي تضن بنفسها بمنأى عن الاحتراب الاهلي تعيش في صراع أهلي وقبلي مكتوم بسبب ازدهار مصطنع من صنع الغير ولا ينبع من الداخل المتآكل بالصراعات البدائية.

تكاد الهزيمة تكون كاملة. لأنها هزيمة على مستوى الوعي. فاسرائيل اليوم حليفة الحروب الاهلية والفقر والجهل والطائفية والمذهبية وتقسيم الأمر الواقع الذي لا يحتاج الى قوانين كي يرتسم على اﻻرض، بل يستمد “شرعيته” من قوة العادة والتدرب على تقبل الواقع المرير.

وفي بعض المجتمعات الحية، تحول الهزائم هذه المجتمعات الى نهضة دائمة وانتفاض على المفروض من الخارج بشتى السبل. المانيا واليابان انهزمتا، لكن روحهما بقيت حية وخرجتا من بين الانقاض أقوى اقتصاديا من الدول التي هزمتهما. ومن خسارة الحرب ظهرت معجزة البقاء لديهما وفرضتا نفسهما على العالم.

مع العرب، الحال معاكسة. هم يعيشون حتى كمجتمعات في حال هزيمة دائمة. ليست الأنظمة وحدها الملومة. لو كانت ثمة مجتمعات حية لما كانت هذه اﻻنظمة موجودة في الاصل. والمنظرون في اﻻسباب التي آلت بالمنطقة الى ما هي عليه مخطئون عندما يشتمون هذا النظام او ذاك ويتمادون في تقديم الادلة والبراهين على ان مكمن العلة هو في الانظمة واستبدادها وعدم ديموقراطيتها وافساحها في المجال للمواطنين للتعبير بحرية عن آرائهم وقمعهم وسجنهم واقصائهم. المشكلة أكبر من ذلك، انها كامنة أيضا في المجتمعات نفسها التي فقدت الوعي وتاليا فقدت ليس هويتها فحسب بل استهانت بحقوقها ايضا الى درجة بات معها الحديث عن ضياع فلسطين، ترفا فكريا لا يستأهل حتى مجرد الخوض فيه. وهذا بحد ذاته من اكبر الآثار المدوية للهزيمة. وحتى الحديث عن المقاومة يجعلك متهماً بتبني لغة خشبية بائدة في عصر ثورة الاتصالات والقرية الكونية والانفتاح وتربع اميركا على عرش العالم قوة عسكرية واقتصادية لا تقهر. وهذا الاتهام لا يعني قط ان أصحابه متحررون من الهزيمة والإصابة بكره الذات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*