الرئيسية / home slide / خليل رامز سركيس كان يستحق لبنان وقيامة القلم (1921-2017)

خليل رامز سركيس كان يستحق لبنان وقيامة القلم (1921-2017)

08-01-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”سليمان بختي

خليل رامز سركيس.

مرت مئوية ولادة #خليل رامز سركيس (1921-2017) وكذلك 5 سنوات على وفاته. كان كاتبا وأديبا وصحافيا نهضويا مميزا. أعطى لبنان جذوة عمره وأحلام وظل يردد “إجعلنا نستحق لبنان”. توفي في لندن وظلت عينه على لبنان، كلما التفت إلى أوراق كتبه رأى الشمس تضيء نور السطور وتدعوه إليها. منذ كتابه الأول “صوت الغائب” مرورا بـ”من لا شيء” 1958 الذي قدم له الشاعر بولس سلامة (1902-1979) وصولا إلى “أيام السماء” و”أرضنا الجديدة” و”مصير” و”جعيتا” و”هواجس الأقلية من زقاق البلاط الى كينسنغتن” وغيرها، وهو يتوغل على مهل في الكتابة، واللغة تحت قلمه طيّعة، ذات صنعة لا كلفة فيها، وإن فيها الكثير من التأمل ووقوع الكلمة في محلها. كرّمته الجامعة الانطونية اسمًا علمًا باعتباره “فيلسوف الكلمة والآخر”، حيث غرفت أعماله من الفكر والفلسفة والأدب والمقارنة الحضارية، ومن جمالية الأدب بمعنى الصياغة المدققة المتأنية التي تحفر حتى الجذور.

في كل ذلك كان خليل رامز سركيس يرود حداثة المعنى دون الشكل، لأن الشكل كثير التكاليف، وقد أضناه الوصول إليه. ولأنه استمرار للنهضوين سلالة وارثا وإنتماء. لذا كان في بيانه متفردا عدا ولادته من الفكر والإنطلاق في أبعاد بلا حدود، وعدا الدقة التي لازمته ملازمة المبدعين الكبار، وعدا حسن اختيار الكلمة وكأنه العيار الأول والأخير لنصه، وثمة الإنشداد الموسيقي للنص. 

لبث خليل رامز سركيس يتابع ما يكتب وما ينتج، ويدبج رسالة او خاطرة او فكرة. وتلك بادرة وفاء لمن كتب معهم وكتبوا معه وكتبوا إليه. وكان يحب، على كلاسيكيته، الذين يخربطون ولكن بأصول. غاوٍ، كما قال العلامة الراحل الشيخ عبدالله العلايلي “أن يهربوا بإحسان”. هكذا بدا ارتباطه بجريدة “لسان الحال” ارتباطا موثقا بالوفاء، وإستمر في ما بعد مع “الندوة اللبنانية” وصديقه الأثير ميشال أسمر، وزميله فؤاد كنعان وجورج شامي، وأيضا مع “دار الجديد”، وهكذا مع مجتمعه وكنيسته والأصدقاء.

أذكره في بيته في لندن حين زرته في العام 2007. أذكر يحمل الزائر بسرعة الى قلبه فيتلمس للتو ذاك الصدق الذي يبقى قنطرة، وحنينا مضطربا في قلبه لكنه لم يكن حنينا الى الجزء بل الى الكل، وأمام النافذة والأشجار والهدوء والأعشاب وتلك الشمس الطرية التي تقول ولا تقول. رأيته يعقد المقارنة بين هواء لندن وهواء رأس بيروت، وهكذا انعقدت الصداقة بيننا وتعمدت في عمل مشترك لكتاب كتب مقدمته للصديق المشترك الدكتور سدرك حداد وأعدته الدكتورة فريدا حداد، وجمعت فيه عظات والدها وخطبه.

من كان مثل خليل رامز سركيس لا يترك شاردة ولا واردة تفوته، فقد كتب لائحة بأسماء وأرقام هواتف الذين ينبغي الإتصال بهم لدى وفاته، ووضع أوراقه في ملفات وانتظر…

كان يعرف أن اللقاء في الوجود لمحة او فصل أو كتاب وأننا لا بد سنلتقي.

كتب في الصفحة الأخيرة من كتابه “من لا شيء”: “ما أدري أين، ولا متى. بل أكاد اسأل نفسي: أمن لقاء بعد الآن؟ أم كان إلتقاؤنا لمحة، وافتراقنا بغتة، كأنا ما التقينا، في الكتاب، ولا افترقنا. الى اللقاء في غد، ولا فرق بين يوم ويوم فآية الغبطة ان نلتقي، هنا، او هناك، او هنالك اليوم، او غدا، او بعد غد، على مثل رجاء القيامة: قيامة القلم يوم حسابه، في وصلة منه او فصل، او في كتاب. فلا تغلقن بابك خلفنا، ايها الصديق القارئ، والسفر منا مشرع على دفتيه، والقلم بشقيه يسيل على ذكر الأدب وما ينفك ذاهبا آيبا منه اليه”.

تحية الى روحه في مئوية ولادته التي مرت في لبنان مرور الطيف. خليل رامز سركيس كان يستحق لبنان وقيامة القلم فيه، لأنه كان عنوانا كبيرا في هذه البلاد وطاقة إبداعية خلاقة، ورمزا، ولغة، فلا تجعلوه يضيع بلا ذكرى مثلما أضعتم الملك والقيمة والإعتبار.