الرئيسية / أضواء على / خليل حاوي وانكسار الحداثة

خليل حاوي وانكسار الحداثة

 صبحي حديدي 
القدس العربي
30122019

في عدد كانون الأول (ديسمبر) 1953 نشرت شهرية «الآداب اللبنانية» قصيدة بعنوان «إشراق»، يسير مطلعها هكذا: «من نديّ الصحو أهوائي، ومن نسمة فجرِ/ من صفاء علويّ فاض في ليلة قدر/ ورؤى الليل بقلبي سلسلتْ جدول خمرِ/ فتّقتْ فيه وروداً وأشاعت خفق عطرِ». كانت القصيدة بتوقيع الشاعر اللبناني خليل حاوي (1919 ــ 1982)، وما خلا أنها نُشرت في دورية تُعدّ منبر حداثة «الشعر الحر»؛ لم يكن ثمة ما يوحي بأنّ سنوات قليلة سوف تمضي قبل أن يصبح حاوي أحد كبار صنّاع القصيدة الجديدة، الحديثة والحداثية على أكثر من صعيد، في لبنان أوّلاً ولكن في العالم العربي أيضاً.
وفي أيار (مايو) 1957 سوف تنشر «الآداب» قصيدة حاوي الأشهر «الجسر»، التي سوف تحظى بتقدير هائل في شتى شرائح قرّاء الشعر العربي، بما في ذلك الأوساط التقليدية المحافظة والمتحفظة؛ لأسباب كانت، حينئذ، تتجاوز مضمونها الخاصّ الطافح بسلسلة البصمات الموضوعاتية التي سوف يُعرف بها حاوي، خاصة انبعاث العرب ضمن خليط وجودي قومي وحضاري وميتافيزيقي. تقول سطور أولى في تلك القصيدة: «وكفاني أنّ لي أطفال أترابي/ ولي من حبّهم خمرُ وزادْ/ من حصاد الحقل عندي ما كفاني/ وكفاني أنّ لي عيد الحصادْ/ أنّ لي عيداً وعيدْ/ كلما ضَوّأ في القرية مصباح جديدْ/ غير أني ما حملتُ الورد للموتى/ ولم أحفل بأعراس العبيد». وكما هو معروف، كان المقطع الثالث هو الذي حظي بالانتشار الأوسع: «يعبرون الجسر في الصبح خفافاً/ أضلعي امتدت لهم جسراً وطيد»…

ليس كلّ ما جرى إنتاجه خلال تلك الحقبة كان حداثياً بدلالة انتمائه الشكلي إلى الحركة، إذْ كانت قصيدة من بدوي الجبل كلاسيكية في الشكل، لكنها تتفوّق في التقاط حسّ الحديث على قصيدة من حاوي مثلاً

في تلك الفترة ذاتها صدرت مجموعته الأولى «نهر الرماد»، فكرّست الكثير من معادلات خصوصيته الشعرية في جوانبها الفلسفية والأسطورية تحديداً؛ وضمن اقتفاء الطابع الفلسفي الوجودي أوّلاً، لم يجد مطاع صفدي أيّ حرج في الجزم بأنه «ليس في تاريخ الشعر العربي المعاصر تجربة التحمت ببنية الزمن العربي ولحظته الخاصة بالنسبة إلى مشروعه الثقافي ولتقاطعه البنيوي مع المشروع الثقافي الغربي، كتجربة حاوي». والحقّ أنّ الشاعر استشعر شيئاً من التزيّد في تفخيم حكاية الانبعاث هذه، فكتب: «ذلك لم يمنعني من الإخلاص ليقين التجربة والرؤيا، وإعلان ما تكشف لي. إنّ ما يُدعى بالانبعاث لم يكن سوى تكرار لترسبات عصر الانحطاط، وليست عودة إلى ينابيع الحيوية في الفطرة الأصلية».
والحال أنّ مناخات تجديد الشعر العربي كانت، أواخر الخمسينيات وعقد الستينيات، واقعة إجمالاً في مصيدة الانسياق خلف الرموز والأساطير الغربية، الإغريقية خصوصاً، من جهة أولى؛ كما كانت، من جهة ثانية، شديدة الانجرار إلى الأمثولة التموزية في تنويعاتها المختلفة: عند شعراء اليسار (بدر شاكر السياب، عبد الوهاب البياتي، سعدي يوسف…)، أو الاتجاهات القومية (السورية ــ الاجتماعية عند أدونيس وتوفيق صايغ، أو العروبية عند خليل حاوي وأحمد عبد المعطي حجازي)، أو المصرية ــ الزنوجية (صلاح عبد الصبور ومحمد الفيتوري…). وكان انتماء حاوي إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي يسبغ على مفهوم الانبعاث سمات إضافية، حتى أنّ عدداً من دارسيه استسهل الاستنتاج بأنّ تراجع السويّة الفنية في مجموعتيه اللاحقتين، «الناي والريح»، 1961 و«بيادر الجوع» 1965، إنما يعود لأسباب سياسية صرفة تخصّ تطورات العالم العربي.
ولعل قصيدته «لعازر عام 1962» تسجّل المنحى الأكثر وضوحاً لحال التشتت التي عاشها حاوي بين شخصية المسيح الذي يبعث أو ينبعث، على سبيل تجديد الحسّ الحضاري للإنسان العربي؛ وبين شخصية لعازر، الحانق على يسوع لأنه بعثه من الموت، ليعيده مجدداً إلى عذابات البشر وفظائع الحياة. ليس هذا مسيح السياب، بالطبع؛ ولا مسيح أنسي الحاج، في قطب موازٍ؛ كما أنه بعيد عن، أو حتى نقيض، روحية الحداثة التي تخلصت من إسار التيه الرومانسي والاغتراب عن الطبيعة والجمال والخير والشرّ… لتتوغل في أعماق النفس البشرية، وتستكشف بواطن الأنساق المعقدة للعذاب الداخلي، والتيه الوجودي والحضاري بدوره.
وعلى نحو ما، بدا حاوي أحد أبرز ممثّلي حداثة منكسرة جريحة، بدأت معضلتها من انكسار الأحلام في معطياتها الحضارية ورموزها وأساطيرها، فانتقلت إلى الأشكال الفنية في التعبير عن حال التأزم، بحيث لاح أن تطوير الشكل (خلال زمن قياسي، بين قصيدة «إشراق» وقصيدة «الجسر»، في نموذج حاوي)؛ لا ينعكس بالوتيرة ذاتها، من حيث العمق والرسوخ والتأصل، على المضامين، أو لا يتناسب معها كما ينبغي أو في الحدود الدنيا. وهذه خلاصة منطقية، مبدئياً، لأنّ «الحديث» و«الحداثي» و«ما بعد الحداثي» ليست مصطلحات متسلسلة النشوء في الزمن فقط، بل هي معايير قيمة حول الكيفيّة أيضاً. فليس كلّ ما جرى إنتاجه خلال تلك الحقبة كان حداثياً بدلالة انتمائه الشكلي إلى الحركة، إذْ كانت قصيدة من بدوي الجبل كلاسيكية في الشكل، لكنها تتفوّق في التقاط حسّ الحديث على قصيدة من حاوي مثلاً.
وهذه سطور استعادت تجربة شاعر كبير، قبيل أن ينقضي العام 2019 وتُطوى ذكرى ولادته المئوية، عاش الكثير من أوزار التأزّم في قراءة الوجود والتعبير عنه شعرياً، فتألق في البدء، على سبيل التوهج الأقصى ربما؛ ثمّ ألقى بأثقال الانكسار على كاهل شخصي وذاتي، إلى درجة نقض التعاقد على الانبعاث ذاته: ببندقية صيد، في شرفة بيروتية، على مرأى من اجتياح إسرائيلي!

اضف رد