الرئيسية / home slide / خليفة «الإمام»… فصول من ذكريات آكل الشمام في طهران

خليفة «الإمام»… فصول من ذكريات آكل الشمام في طهران

 محمد تركي الربيعو
 القدس العربي
19092020

تروي إحدى الحكايا الإيرانية قصة صديقين كانا يعملان أجيرين من الصباح إلى المساء، وكان كل ما يحصلان عليه من مال لا يكفي إلا لشراء بعض الطعام، لا يزيد أحيانا عن الخبز. وذات يوم ذهب أحدهما إلى السوق ليشتري طعاما؛ وخلال مروره في السوق، رأى الشمام عند بائع الفاكهة، فاشتهاه، فقرر أن يشتري شمامة بدل رغيف الخبز، وعندما عاد إلى البيت، رآه صديقه، فما كان منه إلا أن علق قائلا: وهل تظن أن شمامتك قادرة على إسكات صوت الجوع في بطني وبطنك؟ صحيح أن الشمام حلو المذاق، لكن كان حريا بك شراء الخبز، فهو أكثر فائدة من ماء الفاكهة. ولعل ما أراد الصديق قوله لصاحب الشمامة، التي تناولها لاحقا بدون أن يشعر بالشبع، أن من يفعل فعلا عليه أن يتحمل عواقبه.
لم يعرف هذان الصديقان الجائعان أن حكاية شرائهما للشمام، والعبرة منها، ستغدو نكتة يتداولها الإيرانيون في حياتهم اليومية، وخلال حديثهم في السياسة، فالنكتة، كما تلاحظ السوسيولوجية الأمريكية ليزا وادين في الدول الشمولية (سوريا في دراستها) تأتي أحيانا لتتحدى رواية هذه الأنظمة للواقع. لكن في حال إيران، لن تكون مجرد عبرة، بل واقعا يتمثل في حياة نائب الإمام الخميني (آية الله حسين منتظري) وربما المئات غيره، الذين سينساقون وراء حلاوة الثورة والحكومة الإسلامية، والسنوات الأولى من الثورة، رغم ظروفهم الصعبة، قبل أن يكتشفوا لاحقا، أن طعم العسل الذي اشتهوه، أو تذوقوا قليلا منه، لم يحل دون أن يبقوا عراة، وليسوا جائعين وحسب، كما تروي القصة الإيرانية القديمة.
كان آية الله حسين منتظري، قد شارك في الحراك الإسلامي الإيراني منذ فترة الستينيات، كما لعب دورا على صعيد اختيار الخميني بوصفه المرجع الشيعي الأهم في البلاد، وما أن اندلعت الثورة، حتى بدا أن لهذا الرجل دورا في إعادة بناء وإحياء مدينة الشمام والعسل، التي وعد بها الشعب الايراني، إذ سيعين بعد فترة من الزمن خليفة لوارث بردة النبي (الخميني) لكن خطط أهل الحكم والمزارات لن تسير لصالحه؛ كان ولي الفقيه شيئا فشيئا يبتعد عن الناس، وكان حارس قصره (ابنه أحمد) يغلق الأبواب أمام رفاق الثورة، وهذا ما سيشمل حتى نائبه، إذ يذكر منتظري في مذكراته أن شهورا كانت تمر بدون أن يتاح له رؤية الخميني. كان ذهن الإمام مع مرور الأيام قد غدا مشوشا بتفاصيل ودسائس الحكم والسلطة، إلى درجة أصبح رجلا عصبيا، كما أخذ ينصت إلى آراء العسس، الذين شكلهم بعد الثورة، بدلا من أخذ الشورى من حراس الثورة القديمين. في أحد الأيام، سينقل له محمد ري شهري، وزير الاستخبارات، مضمون مكالمات لنائبه مع بعض المسؤولين الإيرانيين، كان شهري قد استطاع، كما همست بذلك زوجة الخميني، إقناع الأخير بخطر منتظري على الحكم. وفي السادس والعشرين من آذار/مارس 1989، وبعد مرور عقد على الثورة، سيخاطب الإمام نائبه ورفيق دربه و«ثمرة حياته» كما كان يصفه، برسالة يعلمه فيها بعزله عن منصبه: «لأنكم ستسلمون من بعدي البلاد والثورة الإسلامية العزيزة والشعب الإيراني إلى أيدي الليبراليين، وعن طريقهم إلى المنافقين (مجاهدي خلق)». مع هذا القرار سيجد آية الله منتظري نفسه، وقد تحول بين عشية وضحاها إلى عدو للثورة، وهذا ما سيترجم من خلال محاصرته، وسجن وإعدام بعض المقربين منه؛ وسيجد منتظري أن يوميات الشمام وحلاوته، التي حلم بها هو وشيخه الخميني في أيام الشاه، قد تحولت مع الأيام إلى ليال طويلة من القمع والدم.
بعد خروج منتظري من السلطة، سيعاود البعض تفسير قصة الشمام الإيراني ومعانيها، ففي ترجمة أخرى للقصة الأولى، يقال إن «من يأكل الشمام عليه أن يتحمل ارتعاش الأقدام» (لبرودته). من هنا، كان كثيرون من أصدقاء أو أعداء منتظري يرون أن عليه أن يتحمل نتاج ما زرعه، ووقوفه إلى جانب الخميني في السنوات الأولى للثورة. مع ذلك، لن يقبل منتظري بالقدر الذي فرضه عليه نائب الإمام المنتظر، فمع قدوم خامنئي، وبعد هدنة قصيرة، بدأ ينتقد في دروسه وجلساته الأوضاع السيئة التي آلت إليها البلاد، في ظل الحكومة الإسلامية، والتي لطالما قرأ عنها، وكان من أحد المنظرين لها، بوصفها تحمل مفاتيح الجنة. سيكتب هذا الرجل المنبوذ من دوائر الحكم، أن ولاية الفقيه لا يجوز أن تكون بالتعيين، وإنما بالانتخاب، وطبقا لنظرية الانتخاب، فإن المشروعية، والتحقق الموضوعي للحكومة الدينية أيضا، مناط برأي الناس وبيعتهم؛ هذه الآراء، ستدفع خامنئي وفريقه إلى أخذ قرار بضرورة فرض الإقامة الجبرية عليه، ومصادرة أوراقه وأرشيفه، الذي كما قدرته آنذاك أجهزة المخابرات الإيرانية، قد تطلب خمس شاحنات لنقله، لكن تلاميذه وابنه سيتمكنون من إنقاذ قسم من مذكراته، التي عكف منتظري على كتابتها لسنوات، لتنشر لاحقا بعنوان «جزء من مذكراتي»؛ بعد ذلك بسنوات سيجري أحد أبنائه (سعيد منتظري) حوار آخر ليستكمل فصولا أخرى من ذكرياته عن فترة الخميني وما تلاها من أحداث. لكن حال هذا الحوار على صعيد العالم العربي، ربما كان أفضل حالا من مذكراته السابقة، والتي لم تحظ بالترجمة، إذ سيقوم الباحثان المتخصصان بالشؤون الإيرانية (فاطمة الصمادي/صادق العبادي) بترجمة ومراجعة هذا الحوار، لينشر قبل أسابيع قليلة عن المركز العربي للأبحاث بعنوان «نقد الذات».
في هذا الحوار، الذي جاء على صيغة سؤال وجواب، سنتمكن من الدخول متخفين بعباءة منتظري لرؤية بعض النقاشات والصراعات التي دارت في قصر الخميني، ولاحقا مع قدوم خامنئي، الذي سيلعب دورا في تحويل الحوزة العلمية إلى واحدة من أكبر المراكز الأمنية في البلاد. ولأن منتظري يتحدث من موقعه عالما ورجل فقه، ولأن الصراع كما كان يراه هو حول تفسير الأصول الشيعية للحكم في البلاد، لذلك فقد اختارا أن يتحدثا في بداية الحوار عن ولاية الفقيه، وعن قصص آل البيت والعبرة منها؛ في فصول أخرى، سنتعرف على صورة أخرى لبعض السياسيين الإيرانيين، الذين ظهروا في السنوات الأخيرة أقرب للحراك الإصلاحي (هاشمي رفسنجاني بالأخص) وبما أن عنوان الحوار حول نقد الذات، لذلك لن يتوقف منتظري عن الكلام قبل أن يقدم مراجعة جريئة للسنوات الأولى من الثورة.

في الفصل الأخير يذكر أن أهل السنة كانوا أسبق في الحديث عن الحكومة الإسلامية من أهل الشيعة، وهو في ذلك يشير إلى كتابات الإخوان المسلمين. كما يبدي حسرة لأنه عند تدوين الدستور، وافق على إعطاء معظم الصلاحيات إلى القائد المرشد، من دون أن يفكر هو وأصدقاؤه بطريقة جدية لمساءلته والرقابة الفعلية والشعبية على أدائه.

يؤكد في البداية أنه بمحبة أهل البيت وحدها، من دون التقرب إلى الحق تعالى، لا يتحقق التولي، لذا على محبي أهل البيت أن يقتدوا بهم في أقوالهم وأفعالهم، خصوصا في مواجهة الظلم، وألا يقفوا ساكتين في مواجهة الجبابرة، الذين في حالة إيران اليوم، يتمثلون، بدون أن يذكر ذلك، بخامنئي وفريقه. بعد تقريع جبابرة إيران اليوم، يعود لفتح بعض صفحات الماضي، ومن بين المحطات التي يقف عندها، محطة المفاوضات الإيرانية الأمريكية، إذ يذكر أن هاشمي رفسنجاني كان يدير الحوار بأمر من الخميني، بدون إعلام المؤسسات الرسمية الإيرانية، أو حتى إعلام منتظري (نائب الإمام) «كان هاشمي رفسنجاني متكتما على ما يحدث، حتى أنه تفاجأ بمعرفتي بالقضية».
في سياق آخر، نراه يقدم صورة أخرى عن هاشمي رفسنجاني، الذي عرفناه في سنواته الأخيرة إصلاحيا ومساندا للحركة الخضراء، بينما نراه في هذه المذكرات صندوق أسرار الخميني، الذي كان يستعين به لأداء بعض المهام، بل نجده يغمز أحيانا من خلال اتهامه بأنه «أمريكي الهوى» إن صح التعبير، إذ يروي أن أحد المقربين له ذكر له ما سمعه من تاجر سلاح مقرب من الأمريكيين، حول «أشياء تتعلق بمستقبل القيادة الإيرانية، فقد جرى تبادل الحديث بشأن محاور عدة بين الوفد الإيراني المرسل من الشيخ هاشمي رفسنجاني، ليجتمع مع ممثلي البيت الأبيض ومستشاري ريغان، وقد قدمت ضمانات في ما يتعلق بمستقبل النظام والقيادة، وإطلاق سراح الرهائن الأمريكيين في لبنان أيضا، وسعى الوفد الإيراني في ذلك الاجتماع لكسب رضى أمريكا».
في محطة أخرى، نقف أمام سجن أيفين، الذي تعهد قادة الثورة في شهر العسل بتحويله إلى متحف يشهد على فظاعات الماضي، قبل أن تعلو أسواره لاحقا ويتحول إلى قلعة مفصولة عن السلطة القضائية، وما يذكره عن هذا السجن أن السيد لاجوردي (المدعي العام) كان يرفض أي طلب للسماح بالتفتيش في سجن أيفين، وفي إحدى المرات دعاه الخميني للاستفسار عن أفعاله، فكان رده «أنها تنفيذ أحكام تعزير» فقال له «قل هي جريمة ولا تقل هي تعزير» وبعد ذلك قرر الإمام إصدار قرار بعزله، لكن ابنه الحاج أحمد الخميني راح يولول غاضبا، ويقول إذا ذهب لاجوردي تدب الحياة مجددا في وسط المنافقين (مجاهدي خلق) فما كان من الإمام إلا أن غض النظر وأبقاه في منصبه، وحسب منتظري فإن هذه الواقعة تكشف لنا، أن من كان يقف وراء التجاوزات في سجن أيفين هو الابن الثاني للخميني، الذي حال دون إجراء تحقيقات داخل السجن، كما نلاحظ أن ابن الإمام كان ذا تأثير كبير داخل الدولة، وأنه استطاع في مرات عديدة أن يؤثر على قرارات والده، وأن يحجب عنه الكثير من المسؤولين. مع ذلك سيتمكن منتظري لاحقا من تشكيل لجان التفتيش على السجون، التي أصدرت عفوا عن عدد كبير من السجناء، وكان من بينهم بهروز قمري، الذي ترجمت مذكراته مؤخرا للعربية بعنوان «قافلة الإعدام» إذ سيكتب في نهاية رحلة هذه القافلة «انتصر آية الله منتظري.. ووقع لاجوري استقالته.. وبعد أربع سنوات، خلع منتظري بسبب دفاعه الشديد عن حقوق السجناء.. وعاش تحت الإقامة الجبرية حتى مات».
أما عن الحرب العراقية الإيرانية، يذكر منتظري أن قرار استمرار الحرب كان قرار الإمام؛ حتى أن مسؤولي النظام البارزين كانوا يقولون في الجلسات صراحة «نحن غير موافقين على استمرار الحرب، لكن (الإمام) كان يصر على أن الحرب يجب أن تستمر حتى سقوط صدام حسين».
بين الخميني وخامنئي:
على الرغم من تجرع مرارة الحصار والتهميش على يد الخميني، مع ذلك نجده في فصول من الكتاب، يحتفظ بمودة وعرفان كبيرين لهذا الرجل، فهو ورغم كل شيء كان رجلا عارفا، زاهدا، صاحب تقوى والتزام، كما يقول، لكنه في الواقع لم يكن معصوما، وكثيرا ما كان يقع تحت تأثير بعض التقارير المغلوطة، وكان ينتظر منه أداء أفضل في التدبير وإدارة الحكم بعد الثورة، ولعل في كلامه هذا ما يذكرنا بما كتبه حسنين هيكل عن لقائه الأول بالخميني، إذ يذكر يومها أنه حاول الاستفسار منه عن خططه الاقتصادية، فكان جواب الإمام «الشهيد هو صانع التاريخ».
أما عن خامنئي، فمما يذكره أنه قبل انطلاقة الثورة والحركة الإسلامية، كان قد واظب لمدة من الزمن على حضور دروسه في قم، وأنه هو من اقترح على الخميني تكليفه بإمامة جمعة طهران، لأنه كان خطيبا مفوها، لكن الحال سيتبدل بعض تولي خامنئي كرسي الإمام، إذ يذكر أن هذا الشاب النحيف قد أخذ يتدخل بصورة مكشوفة في أمور الحوزة الدينية، وقضى على استقلالها وجعلها مرتبطة بحكومته، وقد ساهم في تدمير استقلال الحوزات الدينية بعد أن استمر طوال تاريخ الشيعة. ويبدو أن العلاقة مع التلميذ السابق لم تكن تسير بشكل جيد، فبعد تعيينه أرسل مبعوثا من قبله، لكن خامنئي لم يكترث به. وسيدفع، هذا الأسلوب، منتظري من جديد إلى البوح بأشياء بدت جريئة وغير معهودة، إذ سيرى أن تعيين خامنئي غير دستوري، فمن شروط القائد وصفاته أن يكون قادرا على الإفتاء في مختلف أبواب الفقه، وهذا ما لم يكن يتمتع به. ومما يذكره عن فترة خامنئي أنه أرسل رسالة أكد فيها على ضرورة استقلال الحوزة الدينية والمرجعية الشيعية، وأن الجواب جاء بعد شهر، وفي خطبة عامة له، فقام بمهاجمته، واستخدم فيها تعابير حادة مثل «الخيانة». وعقب خطابه هاجمت قطعان من مؤيديه بيت منتظري ورددوا شعارات غير لائقة، ليفرض عليه لاحقا حجرا منزليا لمدة خمس سنوات وشهرين، وهذا ما يرده لكون الأخير كان يهدف لإزاحة أي شخصية دينية تحول دون أن يصبح المرجعية الدينية الأولى في البلاد.
وعن علاقته بالإصلاحيين وبفترة خاتمي، لا نرى منتظري معجبا بهذه الفترة، بل يؤكد أن خاتمي قد وقف في وجهه وبرر فرض الإقامة الجبرية عليه، ولذلك يرى أن هذا الإصلاحي، ورغم بعض الإنجازات الإيجابية، إلا أنه أضاع الكثير من الفرص، وأصاب الناس باليأس، لقبوله شروط لعبة خامنئي، وأنه كان عليه بالأحرى أن يفعل على غرار ما فعله محمد مصدق في الخمسينيات، حينما وظف أجهزة الدولة لمواجهة الضغوط، حتى لو قاده ذلك للاستقالة لاحقا بدلا من القبول بإملاءات قصر ولي الفقيه.
في الفصل الأخير يذكر أن أهل السنة كانوا أسبق في الحديث عن الحكومة الإسلامية من أهل الشيعة، وهو في ذلك يشير إلى كتابات الإخوان المسلمين. كما يبدي حسرة لأنه عند تدوين الدستور، وافق على إعطاء معظم الصلاحيات إلى القائد المرشد، من دون أن يفكر هو وأصدقاؤه بطريقة جدية لمساءلته والرقابة الفعلية والشعبية على أدائه. ويتحدث عن خطأ آخر يتعلق بتأييد اقتحام السفارة الأمريكية في عام 1979، ومن الأخطاء الكبيرة التي وقعت بها الثورة، كما يذكر، أنها نظرت إلى أي مخالف لها بوصفه منافقا. وهو في هذا السياق يشير لطريقة التعاطي مع مجاهدي خلق، إذ يؤكد أن أسلوب السلطة الإيرانية لم يكن صحيحا..
رحل منتظري في عام 2009 عن دنيانا، بدون أن يرى أي إصلاح يذكر في جمهورية «الشمام والدم» الإيرانية.

٭ كاتب سوري

كلمات مفتاحية