الرئيسية / مقالات / خفض التمثيل الدبلوماسي السعودي: لا حاجة للبنان وأعبائه

خفض التمثيل الدبلوماسي السعودي: لا حاجة للبنان وأعبائه

منير الربيع|الإثنين03/02/2020
Almodon.com

عدم رضى سعودي عن حكومة اللون الواحد (المدن)

يبحث رئيس الحكومة، حسان دياب، عن سبيل يوصله إلى المملكة العربية السعودية. فقد جاء الرجل من خارج نادي رؤساء الحكومة المتوقعين من قبل المسؤولين السعوديين. لم يحظ بعد مع حكومته بأي ترحيب عربي. عدم استقباله من قبل دار الفتوى مؤشر إلى عدم الرضى. وهو يعلم أن كل الوعود الأوروبية والدولية بتقديم مساعدات للبنان تساوي صفراً، ما لم تكن مسنودة باستعداد سعودي لتقديم المال إلى لبنان، الغارق في أزمة اقتصادية خانقة، ولا يملك ترف الحصول على قروض. عدم وجود قاعدة سياسية وشعبية لحسان دياب، يدفعه إلى عدم السعي لنيل رضى الطائفة السنّية أو السعودية. لكنه بالتأكيد بحاجة إلى الدعم، لتتمكن حكومته من تحقيق ولوإنجازات بسيطة تريح الوضع في لبنان، وتؤمن له استمراره.

السعودية أولاً
بعيد تشكيل حكومته، أرسل دياب رسائل ووسطاء بكل الاتجاهات لتوسيع مروحة علاقاته، وطمعاً بتأمين مواعيد زيارات إلى الدول العربية، وتحديداً الخليجية منها. لكن الأبواب لم تفتح بعد. لا بل على العكس تتسرب معلومات خليجية، حول عدم الرضى السعودي على الحكومة التي تشكلت، بوصفها حكومة اللون الواحد، ولا تضم كل المكونات اللبنانية، كما أنها لا تستجيب إلى مطالب اللبنانيين وطموحاتهم. وهي غير محسوبة سياسياً على التوازن الذي تنشده السعودية، التي تخوض آخر معاركها العسكرية في اليمن. كما أن الرؤية السعودية الشاخصة على 2030 تفضّل عدم التدخل في أي من ملفات الإقليم. وهي بدأت الانسحاب تدريجياً منها، منذ تخليها عن دعم الثورة السورية.

ترتكز الرؤية السعودية الجديدة على الاهتمام بالشأن الداخلي للمملكة وتطويره. لم تعد المشاريع الخارجية سائدة كما كان التقليد السعودي، لجهة الدعم والتمويل هنا وهناك وفي كل الاتجاهات لتثبيت النفوذ. السعودية الجديدة التي تولد مع محمد بن سلمان، هدفها الاستراتيجي تقوية ما هو داخل حدود الدولة الوطنية السعودية، وعدم الاهتمام بالتشظي الإقليمي. عدا عن ذلك، كل الملفات محالة إلى حلفاء آخرين، ترتكز عليهم في توفير الحماية لها، أولهم الولايات المتحدة الأميركية، ثانيهم مصر والإمارات. واللقاء معهم على مواجهة  كل ما له علاقة بالإسلام السياسي أو “التطرف الإسلامي” كما تصفه. وفي ثالث الأولويات تأتي إيران ومواجهة نفوذها في المنطقة. وتحيل السعودية مهمة الدفاع عن نفسها إلى الولايات المتحدة الأميركية لمنع إيران من تنفيذ مشاريعها في الخليج أو داخل أراضي المملكة.

لذلك لا يمكن الرهان لبنانياً على أي دعم سعودي في المرحلة المقبلة، إلا إذا ما اقترن ذلك بتغيير جذري، يطال ثلاثة مستويات، مستوى داخلي لبناني يعيد التوازن، مستوى تغيّر إقليمي يفرض على السعودية العودة إلى لعب دور نافذ، ومستوى دولي يتعلق بما سيجري على صعيد العلاقات الأميركية الإيرانية. ومعلوم أن أي دعم يطمح لبنان للحصول عليه يجب أن يكون حاظياً بموافقة أميركية.

خفض التمثيل الدبلوماسي
لا سياسة سعودية واضحة تجاه لبنان. معظم المسؤولين السعوديين وعند سؤالهم عن رؤيتهم أو رأيهم لما آلت إليه الأوضاع، أو موقفهم من الحكومة، يجيبون بعدم التعليق، قائلين إنهم لا يتدخلون ولا يعنيهم ما الذي يجري. تارة تظهر السعودية غائبة، وطوراً تظهر اهتماماً بالملف اللبناني، ولكن من دون تقديم أي شيء عملي، فقط تشدد على انتظارها للبنانيين ليفعلوا ما يتوجب عليهم فعله.

وإذ تتحدث المعلومات عن تخفيض السفارة السعودية في بيروت لعدد من ديبلوماسييها وموظفيها، فهذا بحد ذاته يشكل إشارة لا بد من التوقف عندها ملياً، لما تحمله من مؤشرات سلبية للمرحلة المقبلة.

قرار تخفيض عدد من الموظفين والديبلوماسيين اتخذ بعيد اغتيال قاسم سليماني، وتزامن مع تكليف حسان دياب بتشكيل الحكومة، ليتثبت فيما بعد أن القرار له علاقة بإيصال موقف سياسي حول عدم الموافقة السعودية على حكومة من لون واحد. هي ليست المرة الأولى التي تلجأ فيها السعودية إلى مثل هذا الإجراء. في عهد حكومة الرئيس تمام سلام، خفضت مستوى التمثيل الديبلوماسي ولم تعين سفيراً، وأصدرت قرارات تحمل بعضاً من المقاطعة للبنان، مع تورط حزب الله بحرب اليمن. ومنذ ذلك الوقت لم تعد السعودية كما كانت في لبنان.

بين رفيق وسعد  
سعى اللبنانيون كثيراً إلى المبادرة تجاهها. كان آخر اللقاءات البارزة من قبل رؤساء الحكومة السابقين، لكن الزيارة لم تغير شيئاً في البرنامج السعودي. ولم تأت بأي مبادرة سعودية جديدة على الساحة السياسية. كانت آخر محاولاتها مع استقالة الحريري من الرياض، التي ارتدت عليها سلباً. خسرت الحريري وخسر هو نفسه بالانخراط أكثر في التسوية الرئاسية التي عارضتها السعودية منذ البداية، وأوصلت للحريري رسالة بأن عليه تحمّل مسؤولية فعلته. حاول الرجل كثيراً بعدها استعادة السعودية التي كانت تبتعد أكثر، وهي التي دخلت إلى لبنان بعز قوتها وتوسعها مع رفيق الحريري، وخرجت منه مع سعد الحريري، الذي أيضاً خرج مؤخراً من التركيبة والتسوية. دخل رفيق الحريري على أبواب أزمة مالية واقتصادية عصفت بلبنان، وخرج الحريري الإبن على وقع عاصفة مالية واقتصادية وضعت لبنان في قلب الانهيار، من دون أي رؤية واضحة للمرحلة المقبلة. ارتبط لبنان عضوياً بالسعودية بموجب اتفاق الطائف. واليوم أصبح في حكم منتهي الصلاحية والمفاعيل والتأثير، وهي غائبة معه.

لا شك أن انقاذ لبنان من أزمته يحتاج إلى قرار سعودي وخليجي واسع بالتدخل لدعمه ومساعدته. هذا الدعم يرتبط بشروط سياسية غير متاحة حالياً. وهي حتماً لا ترتبط بجلسات البيان الوزاري التي تعقدها اللجنة الوزارية برئاسة حسان دياب وستقرّ برئاسة رئيس الجمهورية ميشال عون. منطق إعطاء المهلة وانتظار ما سيخرج به البيان، أو النتائج التي قد تحققها الحكومة، هي عبارة عن تهويمات طوباوية، لا أساس لها. فالأزمة اللبنانية مستمرة، اقتصادياً وسياسياً، وترتبط بأزمات المنطقة، والأكيد أن ثمة تغييراً سيطرأ.المرحلة الآن، لتقطيع الوقت بانتظار فرج ما، يأتي من صيغة لبنانية جديدة. ومعها، لن تعود السعودية إلى لبنان كما كانت، ولا تحصر تحالفها مع شخص من آل الحريري، الذي تريده طبعاً، ولكنها تريد غيره أيضاً على الساحة، ضمن أسلوب لا حصرية التحالف، التي تتلاءم مع لامركزية القرار السياسي. فكما السعودية تغيرت في الداخل، وكذلك بالنسبة للعراق وسوريا، سيكون لبنان حتماً أمام تغيير لن يأتي إلا بعد مزيد من الانهيار والترهل. 

اضف رد