الرئيسية / مقالات / خطة طهران تنقلب ضدها… السيناريو المرجح ليس إطاحة النظام

خطة طهران تنقلب ضدها… السيناريو المرجح ليس إطاحة النظام

يكاد النظام الايراني لا يحبط انتفاضة شعبية عليه حتى يواجه أخرى، وفي كل مرة يستنزف مزيداً من شعبيته في الداخل ويجلب لنفسه مزيداً من الانتقادات من الخارج. ويشكل اقراره المتأخر باسقاط طائرة ركّاب الاوكرانية آخر هذه الازمات التي تعكس مأزقاً ما داخل النظام نفسه.

لليوم الثالث توالياً، واجهت السلطات الايرانية اليوم تظاهرات توسعت الى خارج طهران، في وقت كانت تحاول استيعاب انتقادات دولية واستياء شعبي بعد المحاولة الفاشلة لـ”الحرس الثوري” لانكار إسقاطه الطائرة الأوكرانية، واضطراره الى الإقرار بـ”الخطأ البشري” بعد ذلك.

وأظهرت أشرطة فيديو انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي رجال أمن ايرانيين يُطلقون النار بالذخيرة الحية وقنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين.

وبدأت التظاهرات عندما تحول حفل تكريم لضحايا الطائرة الأوكرانية في جامعة طهران مساء السبت تظاهرة مناهضة للسلطات. ففي تناقض حاد مع المشهد العلني للوحدة التي تجلت في تشييع قائد “فيلق القدس” الجنرال قاسم سليماني، راح طلاب من جامعات عدة يهتفون “سليماني قاتل، والقائد خائن” و”الموت للديكتاتور” في إشارة إلى المرشد الأعلى للجمهورية الاسلاميّة الإيرانيّة آية الله علي خامنئي. ودعا متظاهرون آخرون إلى استقالة كبار المسؤولين الأمنيين الذين يتحملون تبعات إسقاط الطائرة الأوكرانية وتالياً أولئك الذين حاولوا التغطية على الحادث.

والواضح أن التغيير المباغت في المزاج الشعبي أربك النظام، وانتشرت أخبار عن نية مسؤول كبير الاستقالة.

وكان “الحرس الثوري” يأمل، باقراره المفاجئ بإسقاط الطائرة من طريق الخطأ، في تخفيف بعض الغضب حيال أركان النظام، وتوجيهه صوب أميركا بحجة أنها اضطرّت “الحرس الثوري” إلى الاستنفار بعد تهديدات باستهداف 52 موقعاً داخل البلاد. حتى أن قائد “الحرس الثوري” الجنرال حسين سلامي اضطر إلى القول إنه كان يتمنى لو أنه كان على متن الطائرة لئلا يشعر بالخجل أمام الأمة.

لكن هذه الحملة انقلبت ضد النظام الذي صار مجدداً هدفاً لانتقادات شعبية داخل طبقات بقيت حتى الان بعيدة من الاضطرابات المتلاحقة في البلاد.

ففي السنتين الأخيرتين، شهدت ايران احتجاجات واسعة للطبقة العاملة التي أرهقها ارتفاع الاسعار، جزئياً بسبب العقوبات الأميركية، ومن نساء تظاهرن ضد الحجاب الإلزامي. وسجنت السلطات نساء متمردات كثيرات، فيما اضطرت بعضهن الى ترك البلاد. وغالباً ما لجأ النظام الى قمع التظاهرات بالقوة، وآخرها في تشرين الثاني الماضي.

وأفادت مراسلة صحيفة “التايمس” في تركيا والبلقان هانا لوسيندا سميث أن حادث الطائرة الاوكرانية أيقظ نخبة حمتها امتيازاتها من أعمال القمع اليومية. فالايرانيون الذين قضوا على متن الرحلة 752 هم جزء من الطبقة الوسطى يعملون أو يدرسون في جامعات في أوروبا أو أميركا الشمالية. وتنتمي عائلاتهم التي زاروها قبل أن يركبوا الطائرة الى أقلية كبيرة ولكن صامتة حتى الآن.

والى استياء ذوي الضحايا. انقلبت حملة العلاقات العامة التي شنتها طهران لتصوير نفسها ضحية العدوان الاميركي بعد مقتل سليماني، عليها، وشكلت النقطة التي طفح بها كيل بعض المقربين من النظام.

وانضمت صحف إيرانية معتدلة إلى المنتقدين. واختارت صحيفة “اعتماد” عنواناً في الصفحة الأولى يطالب بـ”الاعتذار والاستقالة”.

وقالت صبا رعد وزهرة خاتمي، وهما مذيعتا أخبار في التلفزيون الحكومي، إنه “لم يعد بإمكانهما الكذب على المشاهدين” وشجعتا الإيرانيين على مشاهدة محطات بديلة.

وفي ضربة أخرى للنظام، أعلنت كيميا علي زادة، وهي الايرانية الوحيدة الحاملة ميدالية أولمبية، انشقاقها. ونشرت الرياضية التي فازت بالميدالية البرونزية في التايكواندو بريو دي جانيرو عام 2016 ملصقاً على “إنستغرام” قالت فيه، إنها هربت إلى هولندا. وانتقدت الحجاب الإلزامي، واتهمت المسؤولين بالتمييز الجنسي وسوء المعاملة. وكتبت: “كل ما قالوه، ارتديته… كل جملة أمروا بها، كررتها”.

وانسحب بعض الفنانين، بينهم المخرج الشهير مسعود كيمي، من مهرجان سينمائي دولي مقرر.

ونشرت الممثلة الإيرانية الشهيرة ترانيح علي دستي على “إنستغرام” صورة لساحة سوداء كتب تحتها: “لسنا مواطنين، نحن رهائن. ملايين الرهائن”.

كذلك كتب قائد الفريق الوطني للكرة الطائرة سعيد معروف على الموقع نفسه: “أتمنى لو كنت قادراً على التفاؤل بأن هذا المشهد وهذا النقص في الحكمة لهؤلاء الفاشلين هو الأخير، لكنني أعرف أنه ليس كذلك”. وعلى رغم تأهل الفريق الوطني الإيراني للألعاب الأولمبية في طوكيو بعد سنوات من الجهود، “لا طاقة متبقية في أرواحنا الحزينة والخائبة للاحتفال”.

ومع ذلك، ليست الرهانات كبيرة على استمرار الزخم الكافي لإطاحة النظام في إيران الذي أظهر أركانه مراراً استعدادهم لاستخدام العنف لسحق الاحتجاجات، اعتبرت سميث إن “السيناريو الأكثر ترجيحاً، على رغم أنه لا يزال بعيداً، هو أن تسعى فصائل داخل أجهزة الأمن الى الاستيلاء على السلطة”.

ويبدو أن الأزمة المستجدة في ايران على خلفية اسقاط الطائرة الأوكرانية، فتحت قناة جديدة للضغط الاميركي. فقد صرح مستشار الأمن القومي ستيفن أوبراين بأن النظام يمر بأسبوع سيئ جداً. وقال: “كان النظام يعاني آثار الضغط الأقصى، وهو يعاني حالياً عدم الكفاية في هذا الوضع. لقد سئم الشعب الايراني هذا الوضع”، وإن يكن أضاف أن تغيير النظام ليس سياسة أميركية.

اضف رد