الرئيسية / أخبار الاقتصاد / خطة التعافي… إلى الجمهورية الثالثة دُر؟

خطة التعافي… إلى الجمهورية الثالثة دُر؟

منذ اقرار الحكومة خطة التعافي الاقتصادي، تدور حلقات نقاش واسعة النطاق على مستوى مصرفيين ورجال اعمال واقتصاديين، لتبين الأهداف الكامنة وراء تلك الخطة، والنفَس الاقتصادي والمالي الذي كُتبت به، انطلاقاً من افتقادها أي نموذج من النماذج الاقتصادية التي تحدد من أين يبدأ العمل وأين ينتهي، والاهداف المالية والاقتصادية والتنموية التي يفترض ان تصيبها.

ثمة مخاوف، لا بل هواجس لا يخفيها المشاركون في حلقات النقاش هذه لا تتوقف عند الملاحظات المسجلة على عدم تماسك الخطة بأهدافها وإجراءاتها المقترحة لتحقيق هذه الأهداف، بل تتجاوزها الى ما هو أعمق واخطر. اذ تمس هذه الهواجس الجوهر الذي كُتبت به الخطة، بقصد او عن غير قصد، بحسن نية، او بخلفية. ففي رأي هؤلاء، تركز الخطة على مسألة الخسائر المحققة في المصرف المركزي والمصارف، وتتعامل معها من باب قفلها، على طريقة ادارة تفليسة وليس على طريقة تخفيف أثقالها او جدولتها وتقسيطها، بحيث لا تقضي على القطاع كما هو مقترح، بل تعطيه فرصة لالتقاط انفاسه واستعادة نشاطه ودوره. وقد تنبه حاكم المصرف المركزي لهذا الخطر، فطلب الى المصارف في اللقاء الشهري الاخير، وطالما لم توضع الخطة موضع التنفيذ، التقيد بقانون النقد والتسليف والبقاء تحت سلطته. وهو لهذه الغاية، بدأ العمل على تخفيف حجم الخسائر من خلال تحرير بعض الأموال المجمدة لديه، وتأمين السيولة التي تحتاجها المصارف من دون فائدة ال٢٠ في المئة التي كان فرضها سابقاً، شرط ان تبقى تلك الأموال ضمن الحساب الجاري.

ينطلق الحاكم من ثابتة ان المصارف المركزية لا تسجل خسائر ولا تفلس طالما هي المصدرة للنقد.

ولكن هل تقف الهواجس عند المحاذير المتصلة بالقطاع المصرفي؟ لا، يجيب بعض المتوجسين، مضيفين بأن الطريقة التي تطرح فيها الخطة مسألة اعادة هيكلة القطاع المالي، تطرح علامات استفهام حول مستقبل النظام الاقتصادي الحر، ومنها تنطلق الهواجس في اتجاه ما ستحمله التعديلات الدستورية المطلوبة، التي ستدخل البلاد حكماً الى الجمهورية الثالثة، مع كل ما تعنيه الجمهورية الجديدة من انقلاب على الثوابت والمفاهيم الاقتصادية والمالية والسياسية والطائفية التي حكمت دستور الجمهورية الثانية. وهنا يسأل هؤلاء، هل سيطل المؤتمر التأسيسي الذي سبق للامين العام لحزب الله ان نادى به، برأسه من خطة التعافي الاقتصادي والمالي؟ اذا لم يكن هذا هو الدافع الحقيقي وراء الخطة، فالحكومة والقوى السياسية الداعمة لها مدعوة لتأكيد التزامها بأمرين أساسيين لا بد من الإجابة عليهما بوضوح وشفافية:

هل ثمة التزام باحترام الدستور نصاً وروحاً بكل مندرجاته الوطنية والاقتصادية؟

هل ثمة التزام بتحمل الدولة قسطها الوافر من الخسائر، فيأتي توزيع الاعباء عادلا”، فلا يحمٓل القطاع الخاص مسؤولية هدر وفساد القطاع العام؟

واهمية هذين الالتزامين تكمن في تأكيد إستقلالية القطاع المالي واستقلالية النقد، منع المس بالدستور ومخالفة مندرجاته، لأن مسار الخطة يؤشر في شكل لا لغط فيه الى ان طرفين سيتحملان الأذى والأضرار الفادحة من دون وجه حق: المودعون، واصحاب الأموال الذين لطالما شكلوا الأعجوبة اللبنانية. وللتذكير فقط ان تحويلات المغتربين التي كانت تراوح بين ٧و٩ مليارات دولار سنوياً، تدهورت الى مستويات مقلقة جداً. اما المتضرر الآخر فسيكون الاقتصاد الذي سيفقد هويته، في عملية الانتقال الفوضوية من الاقتصاد الريعي الى الاقتصاد المنتج، ونقول فوضوية لأن بيئة الاعمال والإنتاج غير مؤاتية وغير مؤهلة لتعزيز القدرة التنافسية للإنتاج اللبناني، وهي بالتالي تتطلب ورشة من القوانين والاجراءات والحوافز غير قائمة في الوقت الراهن. علما ان هذا لا يعني الإبقاء على النموذج الريعي، بل العمل على ارساء المقاربة السليمة التي تؤمن المرور الآمن من الريع الى الانتاج.

وفي رأي المتوجسين عينهم ان هذه المقاربة تحتاج الى نقاش وطني على المستوى المحلي، ولا يمكن لصندوق النقد الدولي الذي لجأت اليه الحكومة ان يتولى هذه المهمة.

من هنا، تتحرك الهيئات الاقتصادية والانتاجية والمصرفية في اتجاه تقديم البدائل الصالحة التي تغطي نقاط الضعف في الخطة الاقتصادية. وفي حين ستقدم جمعية المصارف اليوم او غدا على ابعد تقدير ورقتها الاقتصادية، ينطلق الحوار حول الخطة على محورين، الاول رسمي مع صندوق النقد للتفاوض حول البرنامج، والثاني عبر مجلس النواب الذي سيكون له الكلمة الفصل والدور الأهم في تأمين الاجماع الوطني المطلوب على مستقبل لبنان الاقتصادي. وفي هذا السياق، وانطلاقاً من المخاوف والهواجس المشار اليها، يشكل رئيس المجلس نبيه بري بيضة قبان اساسية، انطلاقا من لاءين ثابتتين لا يتراجع عنهما: لا مَس بأموال المودعين، ولا مَس بالنظام الاقتصادي الحر!

اضف رد